في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"لقد أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يبدأ العام الجديد بفرقعة"، هكذا وصف الكاتب البريطاني اليميني فريدي غراي في مقال بمجلة "سبِكتاتور" ما حدث مؤخرا من إقدام الولايات المتحدة على "اعتقال" رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، وهو ليس فعلا يمكن إدراجه تحت مظلة القانون الدولي بحال.
وقد جاء هذا التدخل -في نطاقه الجغرافي- متوافقا مع الإستراتيجية الأمنية الجديدة التي أطلقتها إدارة ترامب الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول) وأعطت الأولوية للمجال الحيوي للولايات المتحدة في القارتين الأميركيتين، ضمن ما أطلقت عليه الإستراتيجية "ملحق ترامب على مبدأ مونرو"، في إشارة إلى العقيدة التي أطلقها الرئيس الأسبق جيمس مونرو عام 1823 وأعلن خلالها نصف الكرة الغربي مجالا خالصا للنفوذ الأميركي.
يخبرنا هذا التدخل، والإستراتيجية التي تؤصِّل له، بحقيقة لا تقبل الشك: وهي أنه رغم تأكيدات ترامب مرارا رغبته في سحب الولايات المتحدة من أتون الصراعات العالمية، فإن ذلك الانسحاب لا يعني التخلي عن الدور المُهيمن الذي تلعبه واشنطن على الساحة العالمية، إذ يبدو أن الولايات المتحدة التي تفقد الكثير من رأسمالها في التأثير الناعم ترتد اليوم إلى نهج أكثر خشونة في رعاية مصالحها والتعامل مع خصومها. الفارق الرئيسي هنا أن النمط الذي يُفضِّله ترامب ومسؤولو إدارته هي تلك الصراعات "الخاطفة" المصحوبة بالحد الأدنى من المسؤوليات والالتزامات العسكرية طويلة الأمد.
لا يريد ترامب تدخلات مكلفة على شاكلة ما حدث في أفغانستان والعراق، لكن يريد تدخلات عسكرية صادمة (متفاوتة الأهمية والتأثير والحدة) أسوة بما فعله مع إيران وفي نيجيريا وأخيرا مع فنزويلا. لا مانع أن تكون هذه التدخلات متجاوزة للخطوط الحمراء من حيث خرقها الفج للمواثيق والمبادئ الدولية، ما دامت تحقق التأثير الصادم المطلوب على خصوم واشنطن (وربما على حلفائها)، وأنها تجيء بلا تكاليف عسكرية طويلة المدى.
يصف الكاتب الأميركي المحافظ جيمز ديدامز، مدير تحرير مجلة "بروفيدنس" لدراسات المسيحية والسياسة الخارجية الأميركية، نهج ترامب بأنه ليس معارضا لاستخدام القوة في الخارج كما ظن كثيرون، ولكنه معارض للخطاب الليبرالي المصاحب لها والالتزامات الطويلة التي أثقلت الأميركيين ليس أكثر.
ولذلك، لم يُغلِّف ترامب إعلان "اعتقال" مادورو بحديث عن الحريات أو الديمقراطية، وإنما بالدخول مباشرة في صلب الموضوع، والإشارة صراحة إلى ملف النفط وإمكانية "إدارة فنزويلا" من قِبَل واشنطن دون مواربة.
ما من أهداف جيوسياسية طويلة الأمد إذن بقدر ما هي رغبة عارمة في إثبات القوة الأميركية في الداخل والخارج، دون أثمان الحروب الطويلة، وتطلع مطلق إلى إقصاء النظم غير المرغوب فيها من البلدان الحيوية للاقتصاد العالمي، سواء من حيث وزنها أو الثروات الطبيعية التي تمتلكها.
ولكن، كما يشير كريم الماجري في مقاله على ميدان قبل أيام، فإن غياب الهدف يعني ببساطة أن الولايات المتحدة لا تملك خطة طويلة الأمد، وعلى العكس مما فعلته في أعقاب الحرب العالمية الثانية من وضع إستراتيجية لإعادة إعمار أعدائها السابقين (ألمانيا واليابان) من أجل إرساء نظام دولي مستقر لعقود طويلة، فإنها في الوقت الراهن تحاول تخفيف الأعباء والتوجُّه نحو الداخل دون أن تفقد هيبتها، ودون أن تفقد القدرة على إحداث "فرقعة" من حين إلى آخر.
وإذا كانت الحروب الطويلة المُخطَّطة سلفا قد فشلت في إرساء أوضاع مستقرة، كما أثبت غزو العراق ومن قبله غزو أفغانستان، فإن الفرقعات الأقل تغلغُلا ستترك على الأرجح أثرا فوضويا أشد، وستجعل الانسحاب الأميركي المزعوم أشبه بتحوُّل واشنطن من شرطي عقلاني يُهيمن على العالم دون أن يعرف كي يكسب الثقة ويبن منظومة مستدامة من الخروج على القانون تشهر أسلحتها في وجه الجميع. ففي غضون ساعات فقط من "اعتقال" مادورو، وجَّه ترامب تهديدات متفاوتة الحِدّة نحو 3 دول أخرى في المحيط الأميركي هي كولومبيا والمكسيك وكوبا.
ولكن سواء كان التدخل الأميركي في فنزويلا حالة خاصة أو أنه سيصبح الواقع الجديد للقوة الأميركية، فإن تداعياته على المدى الطويل ستكون أكثر قتامة من نتائجه الفورية البراقة.
وكما يذهب فيل غانسون، مُحلِّل سياسي لمنطقة الأنديز بأميركا اللاتينية لدى مجموعة الأزمات الدولية منذ عام 2015 والمقيم في فنزويلا، في هذا المقال المُترجم، والمنشور بمجلة "فورين أفيرز" الأميركية، فإن الولايات المتحدة "الحالية" أثبتت مرات ومرات أنها تعرف كيف تستهدف النظم التي لا ترغب في بقائها، باستخدام فائض القوة لديها، سواء بالحروب أو بـ"الفرقعات"، لكنها لا تعرف كيف تُرسي بديلا، ولا تملك الدأب أو القدرة على إرساء وضع مستقر يحمي مصالحها بالفعل كما فعلت مرة بعد الحرب العالمية الثانية، فإسقاط النظم والإيقاع بكبار مسؤوليها شأن، وبناء الدول والمؤسسات المحلية شأن آخر تماما.
ويجدر التنويه أنه وعلى الرغم من أن المقال يتناول فكرة مفادها أن اعتقال مادورو قد يفضي إلى سيناريوهات "أسوأ"، فإن اللغة والاتجاه التحليلي للمقال يتبنى وجهة نظر غربية.
يبدو أن كثيرا من المسؤولين في واشنطن كانوا يرون أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط. فقد عزَّز الجيش الأميركي قبل شهرين أكبر انتشار بحري له في جنوب البحر الكاريبي منذ أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، وفجَّر زوارق صغيرة بزعم أنها كانت تنقل مخدرات، وأرسل حاملة الطائرات " يو إس إس جيرالد فورد" إلى المنطقة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، فوَّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بتنفيذ عمليات سرية في فنزويلا. وقد أصرَّ كبار مسؤولي فريق ترامب آنذاك على أن قبضة مادورو على السلطة تزداد ضعفا، وأنه سيستقيل قريبا أو سيُطاح به على يد جيشه.
وعلى حد وصف جيمس ستوري، السفير الأميركي السابق لدى فنزويلا في حوار له مع موقع "بوليتيكو"، فإن إدارة ترامب كانت ترى أن مادورو أمامه ثلاثة خيارات: "النفي أو تسليمه للولايات المتحدة أو إرساله للقاء وجه رَبِّه".
بدورها، كانت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي مُنحت جائزة نوبل للسلام في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على يقين مُماثل بأن سقوط مادورو وشيك، وقالت في مقابلة بعد منحها الجائزة: "مادورو سيرحل، بالمفاوضات أو من دونها".
وقد عبَّرت ماتشادو صراحة عن دعمها للضغط العسكري الأميركي على مادورو، حتى وهي تؤكد أن غزوا كاملا لفنزويلا لن يكون ضروريا، وأضافت مؤخرا: "إن مادورو بدأ هذه الحرب، وترامب هو مَن يُنهيها الآن". ومن المؤكد أن كبار المسؤولين في الحكومة الفنزويلية كانوا يدركون تزايد احتمال تعرُّضهم لضربات أميركية محدودة بواسطة مُسيَّرات أو صواريخ أو قذائف.
لطالما ادَّعى ترامب أنه يدعو إلى ضبط النفس في السياسة الخارجية، لكن الهجمات الأميركية على مواقع نووية إيرانية في يونيو/حزيران بعثت برسالة مفادها أن الإدارة مستعدة للتدخل خارج حدود الولايات المتحدة.
ثمَّة أغلبية واضحة من الفنزويليين كانت تريد رحيل مادورو، لكن الافتراض بأن الإطاحة القسرية بالحكومة الحالية ستؤدي إلى انتقال سلس إلى الديمقراطية افتراض محفوف بالمخاطر، إذ إن فنزويلا تَعِجُّ بجماعات مُسلَّحة من شأنها مقاومة انهيار النظام وتقويض أي محاولة لاستعادة سيادة القانون. وقد يعمد جنرالات موالون حاليا لمادورو إلى تنصيب قائد أشد قمعا منه. ومن دون إستراتيجية قابلة للتنفيذ لما بعد سقوط الحكومة، فإن إزاحة مادورو قد تؤدي إلى قمع أشد ومعاناة أكبر للفنزويليين.
وبدلا من محاولة إرغام مادورو على الاستسلام بقوة السلاح، كان ينبغي للأميركيين والمعارضة التركيز على الإستراتيجية الوحيدة التي يُحتمَل أن تُفضي إلى انتقال مستدام وسِلْمي: مفاوضات شاملة مدعومة دوليا، وهي عملية صعبة وكانت ستستغرق وقتا.
في ظل مكافأة قدرها 50 مليون دولار موضوعة على رأسه، ولائحة اتهام صادرة عن هيئة محلفين كبرى في الولايات المتحدة بتهم الاتجار بالمخدرات، وتحقيق جارٍ من قِبَل المحكمة الجنائية الدولية بشأن احتمال ارتكابه جرائم ضد الإنسانية؛ كان الرئيس الفنزويلي يُدرك أن بقاءه في موقعه هو الخيار الأكثر أمانا له. وبعبارة أخرى، فإن مناخ الحل الدبلوماسي لم يكن قد نضج بعد، لكن اللجوء إلى اختصارات عنيفة لن يؤدي على الأرجح إلا إلى تفاقم الأوضاع.
لم يكن تيار المعارضة الرئيسي في فنزويلا مُتشددا إلى هذا الحد. فقد تناوب على قيادته طيلة العقدين الماضيين تياران هما الصقور والوسطيون، لكن في عام 2014، حين كانت ماريا كورينا ماتشادو لا تزال شخصية سياسية ثانوية نسبيا، انفصلت هي وسياسيان معارضان بارزان عن القيادة المعتدلة، وسلكوا مسارا أطلقوا عليه اسم "لا ساليدا"، أي "المخرج"، وهو نهج قاد إلى أشهر طويلة من التظاهرات الجماهيرية بهدف الضغط على مادورو كي يتنحَّى فورا، وردَّ مادورو بحملة قمع قُتل أثناءها 43 شخصا.
اندلعت احتجاجات جماهيرية مماثلة عامي 2017 و2019 ولاقت المصير نفسه، وعلى إثر ذلك، خلصت ماتشادو إلى أن إزاحة مادورو تتطلب تدخلا عسكريا خارجيا. وقد اختلف معارضون بارزون آخرون لمادورو مع هذا التقدير. فالحكومة الموازية التي دعمتها الولايات المتحدة، وادَّعت أنها القيادة الشرعية لفنزويلا بين عامي 2019-2023 رغم محدودية نفوذها، ضمَّت معتدلين ومتشدَّدين على السواء.
أما ماتشادو، التي بقيت خارج هذا الإطار، فقد وجَّهت انتقادات لاذعة لتلك الحكومة الانتقالية بسبب ما اعتبرته تردُّدا منها في الدعوة إلى قوة تدخُّل إقليمية للإطاحة بمادورو بموجب معاهدة الدعم المُتبادل بين دول الأميركتيْن، المعروفة باسم معاهدة ريو، وهي اتفاقية أمن جماعي وقَّعتها فنزويلا عام 1947، لكن مادورو أعلن رفضه لها صراحة.
حين انهارت الحكومة الانتقالية في نهاية عام 2022، وفرَّ زعيمها خوان غوايدو إلى المنفى، فقد معظم المرتبطين بها مصداقيتهم. غير أن موقف ماتشادو المستقل، وما عُدَّ نزاهة في موقفها، جنَّبها هذا المصير آنذاك.
ورغم أنها فضَّلت دوما التدخُّل المباشر على التنافس الانتخابي، فإنها استشعرت فرصة لقيادة المعارضة عبر صناديق الاقتراع حينها، ولذا في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فازت في الانتخابات التمهيدية الرئاسية وأصبحت مرشحة الائتلاف المعارض الرئيسي، المعروف بـ"منصة الوحدة الديمقراطية"، استعدادا لمواجهة مادورو في الانتخابات الرئاسية التي كانت مُقرَّرة في يوليو/تموز 2024.
سارعت الحكومة إلى منع ماتشادو من الترشح، لكنها وافقت لاحقا على دعم مرشح بديل هو الدبلوماسي المتقاعد إدموندو غونثاليث، وخاضت الحملة الانتخابية معه رغم العقبات العديدة التي وضعتها السلطات في طريقها. ووفقا للنتائج الرسمية التي أعلنتها المعارضة بعد تدقيق صارم، حصد غونثاليث أكثر من ضِعْف الأصوات التي نالها مادورو. ومع ذلك، رفضت الحكومة الاعتراف بالنتيجة، وأدَّى مادورو اليمين لولاية جديدة.
بعد إعلان فوزه، خرج آلاف الناخبين الغاضبين إلى الشوارع احتجاجا، لكن ماتشادو وفريقها فشلوا في استغلال تلك اللحظة. فقد أقرَّ أحد أبرز مستشاريها، كارلوس بلانكو، في مقابلة أُجريت مؤخرا بأن الفريق اعتقد أن نتيجة انتخابات يوليو/تموز 2024 ستُجبِر مادورو على التفاوض من أجل الخروج من السلطة.
ولكن بدلا من ذلك، قتلت قوات الأمن نحو 20 متظاهرا واعتقلت أكثر من 2000 شخص في الأيام التي أعقبت التصويت، ومن ثمَّ تعلَّم المعارضون الدرس، وهو أن الخوف من القمع، في الوقت الراهن على الأقل، قد شلَّ قدرة المعارضة على حشد الجماهير.
أدَّى إخفاق ماتشادو في الإطاحة بمادورو إلى تراجع مكانتها لدى الناخبين، لكنها ظلَّت تحظى بشعبية وتُظهِر قدرا من التفاؤل. وكما شرح لي أحد أبرز خبراء استطلاعات الرأي في كراكاس، فإن الفنزويليين رغم تشكُّكهم في قدرة ماتشادو على الوفاء بوعودها، إذ تراجعت مصداقيتها إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل انتخابات 2024، فإن "صورتها بقيت قوية، وأمكنها أن تستعيد موقعها إذا تغيَّرت الظروف".
بعبارة أخرى، إذا غيَّرت واشنطن النظام الحاكم بالقوة وتمكَّنت المعارضة من تولِّي السلطة، فإن ماتشادو ستكون في موقع يؤهِّلها لأن تكون المستفيد الأكبر، وفقا لتلك التقديرات عام 2024.
بين التهديدات بالتدخُّل الأميركي، والخوف من تصعيد القمع، وانعدام الثقة في الخطوات المقبلة للمعارضة حينها، وجد الفنزويليون أنفسهم أمام أزمة جديدة تزعزع استقرار بلادهم، هي الأزمة الاقتصادية الجماعية. فالاقتصاد الفنزويلي، الذي كان قد بدأ يشهد نموا في السنوات القليلة الماضية بعد أن انهار بين عامي 2013-2021 إلى نحو ربع حجمه السابق نتيجة سوء الإدارة الاقتصادية وتراجع أسعار النفط والعقوبات الأميركية، قد عاد اليوم ليُظهِر مؤشرات ضغط حادَّة.
كان من المتوقع أن يرتفع التضخُّم السنوي إلى قرابة 700% بحلول عام 2026، وفقا لصندوق النقد الدولي، بعد أن كان في نطاق العشرات العام الماضي. كما اتسعت بسرعة الفجوة بين سعر الصرف الرسمي الذي تحدده الحكومة وسعر الصرف الموازي، أي سعر السوق المستخدم في المعاملات غير الرسمية، مما يشير إلى أن العملة الوطنية مُبالغ في تقييمها بشكل كبير.
ففي يناير/كانون الثاني 2025 كان السعران متقاربَيْن إلى حدٍّ كبير، أما اليوم فإن السعر الرسمي البالغ 226 بوليفارًا للدولار بات أقل كثيرا من سعر السوق السوداء الذي يتجاوز 300 بوليفار للدولار.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور 130 بوليفارًا شهريا، أي ما تقل قيمته اليوم عن دولار أميركي واحد، وهو أجر لا يكفي بأي حال لإعالة الطبقة العاملة. وحتى مع المكافآت الكبيرة، فإن كثيرا من موظفي القطاع العام محظوظون إذا تجاوز دخلهم ما يعادل 100 دولار شهريا. وفي المقابل، تبلغ كلفة إعالة أسرة في فنزويلا اليوم نحو خمسة أمثال هذا المبلغ.
وكانت حكومة كراكاس تنفي أن يكون الاقتصاد في وضع حَرِج، بل إن نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز تباهت في أكتوبر/تشرين الأول بأن البلاد شهدت 18 رُبعا سنويا متتاليا من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتوقَّعت نموا بنسبة 8.5% هذا العام، وهي أرقام شديدة التفاؤل تقوم بالأساس على رفع إنتاج النفط.
ولكن في غضون ذلك، يعيش 80% من الفنزويليين تحت خط الفقر، فيما تتلاشى الطبقة الوسطى يوما بعد يوم. وقد قال لي فني سيارات تحدثت إليه الشهر الماضي إن عام 2024 كان أسوأ عام مرَّ عليه اقتصاديا، وقدَّر أن دخله انخفض بنحو 60% منذ عام 2023. وفي السنوات الأخيرة فرَّ نحو ثمانية ملايين فنزويلي من البلاد، في الغالب لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمُّل كلفة العيش فيها.
ونظرا إلى حجم المعاناة، فإن الكثير من الفنزويليين كانوا مستعدين لتأييد نهاية عنيفة لحكم مادورو، شريطة أن تكون سريعة. وقد شجَّع ذلك العديد من أنصار المعارضة على دعم أي مسار من شأنه تسريع تغيير النظام، بغضِّ النظر عن المخاطر. ويرفض حلفاء ماتشادو الحديث عن احتماليات عدم الاستقرار بعد انهيار النظام، ويصفونه بأنه تهويل مُتعمَّد، كما يتهمون منتقدي التدخل العسكري الأميركي بالتعاطف مع مادورو، غير أن مثل هذا الموقف ينطوي على خطورة بالغة.
مهما بلغ سوء نظام مادورو، فإن بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل فنزويلا قد يكون أسوأ منه. فإذا قرر فصيل عسكري أن يملأ فراغ ما بعد مادورو، فلا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن خياره الأول سيكون تمكين متشددين من المعارضين مثل ماتشادو. ومن بين الاحتمالات المطروحة تولّي السلطة من قِبَل نظام لا يقل قمعا، وربما أقل كفاءة.
وقد يؤدي سقوط مادورو أيضا إلى تمكين شبكة الجماعات المسلحة في فنزويلا، بما في ذلك الميليشيات الكولومبية والعصابات الإجرامية، وهي تنظيمات قوية تخشى ما قد يأتي بعد النظام الحالي، ومن المرجح أن تقاوم أي محاولة لإعادة ترسيخ سيادة القانون.
فجيش التحرير الوطني، وهو تنظيم ماركسي كولومبي حمل السلاح لأول مرة في ستينيات القرن الماضي، لربما يضم في صفوفه آلاف المقاتلين المُسلَّحين داخل فنزويلا، وقد كُبِح هؤلاء المقاتلون في ظل حكم مادورو بسبب تحالفهم مع النظام.
ينطبق الأمر نفسه على جماعات مسلحة أخرى، فما يُعرف بـ"الكوليكتيفوس"، وهي عصابات من بلطجية مدنيين مسلحين يعملون في خدمة سياسيين نافذين، مُتجذِّرة في عدد من المدن الكبرى. وعلى خلاف ادعاءات ترامب، فإن مادورو لم يكُن زعيم شبكة "ترين دي أراغوا" الإجرامية سيئة السمعة، وهي شبكة قوية انتشرت عبر الجاليات الفنزويلية في المهجر طيلة العقد الماضي، وصنَّفها ترامب رسميا منظمة إرهابية، وإن كان هناك مسؤولون حكوميون قد استفادوا من علاقات وثيقة مع هذه العصابة.
بعد أن أصبح مادورو رئيسا عام 2013، بدأت حكومته محاولة لكبح معدلات القتل المرتفعة عبر توقيع اتفاقات عدم اعتداء مع "ترين دي أراغوا" وغيرها من الجماعات المسلحة، وهو ترتيب أتاح لها في نهاية المطاف أن تزداد قوة. ومؤخرا، أكد مُدَّعون عامون في تشيلي أن كاراكاس استعانت بأفراد من العصابة لاغتيال معارض فنزويلي منفي.
إن الاستقرار الهش القائم بين هذه الجماعات والحكومة من المرجح أن ينهار الآن مع خروج مادورو، لا سيَّما مع تغيير بصورة مفاجئة يُهدِّد قبضة حلفائه على مفاصل السلطة. وكما أشار خوان غونثاليث، المستشار السابق البارز للرئيس الأميركي جو بايدن لشؤون أميركا اللاتينية، فإن الأوضاع في فنزويلا مهيأة لحرب منخفضة الحدة وطويلة الأمد.
وقد يجعل ذلك فنزويلا أشبه بكولومبيا أو المكسيك، حيث تنتشر الاغتيالات الانتقائية والتفجيرات والاشتباكات المحدودة في الشوارع، لكن دون وجود حكومة منتخبة مستقرة كما هو الحال في بوغوتا أو مكسيكو سيتي. وتتحدث ماتشادو بثقة عن خطة طموحة أعدَّتها لفترة مدتها مئة يوم، تشمل استعادة الحكم المؤسسي، واستقرار الاقتصاد، وإصلاح القوات المسلحة، ومعالجة أزمة إنسانية ناجمة عن الفقر.
غير أن إدارة ترامب إذا امتنعت عن إرسال قوات برية أميركية كبيرة إلى فنزويلا، فإن أي حكومة معارضة قادمة ستعتمد في بقائها على الجنرالات أنفسهم الذين تتهمهم اليوم بإدارة شبكات لتهريب المخدرات.
قد تكون ماتشادو مُحِقَّة في توقُّع أن بعض المسؤولين العسكريين سيدعمونها إذا نجحت في الوصول إلى السلطة، لكن من غير المرجح أن يدعمها الجميع. وإذا انقسم الجيش إلى فصائل متنافسة، أو إذا أقدمت إدارة ما بعد مادورو على حل الجيش وإقالة المسؤولين المدنيين، فإن احتمالات الفوضى العنيفة ستزداد أكثر. وفي غياب دعم عسكري كافٍ، داخليا أو خارجيا، سيكون من الصعب على حكومة ماتشادو–غونثاليث أن تصد حملة من العنف بقيادة جماعات مسلحة تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.
لقد تحقَّقت أكبر إنجازات المعارضة الفنزويلية في ربع القرن المنصرم منذ تولَّى هوغو تشافيز، سلف مادورو، الرئاسة عام 1999، عبر التفاوض وصناديق الاقتراع، لا عبر العنف. ففي استفتاء عام 2007، نجح المواطنون في إسقاط محاولة تشافيز إدراج الاشتراكية في الدستور الفنزويلي.
وفي الانتخابات التشريعية لعام 2015، فازت معارضة مُوحَّدة تضم أكثر من 12 حزبا بأغلبية ساحقة، وكان من شأنها أن تتمكَّن من إعادة تشكيل المحكمة العليا والهيئة الانتخابية بما يخدم التوازن الدستوري، لولا لجوء الحكومة إلى تجريد البرلمان من صلاحياته.
ورغم احتفاظ مادورو بالرئاسة بعد خسارته انتخابات 2024، فإن تلك الانتخابات لعلها تُمثِّل أعظم انتصار سياسي للمعارضة حتى الآن، إذ جمعت ورقمنت أكثر من 80% من محاضر الفرز، وقدَّمت بذلك أدلة قاطعة على افتقار مادورو لأي شرعية انتخابية.
وقد أتاحت المفاوضات التي قادها وسطاء دوليون هامشا إضافيا لتحقيق مكاسب سياسية. فقد أتت "اتفاقات بربادوس"، المُبرمَة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بين الحكومة ومنصة الوحدة الديمقراطية، مدعومة بعَرض من إدارة بايدن بتخفيف العقوبات، وفتحت الطريق أمام فوز ماتشادو في الانتخابات التمهيدية آنذاك، ثم لانتصار إدموندو غونثاليث في الانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز 2024. وقد وافق مادورو على انتخابات خاضعة لرقابة دولية فقط لأنها كانت شرطا من شروط تلك الاتفاقات.
غير أن هذه النجاحات، وبدلا من أن تُستثمر ويُبنى عليها، دفعت التيار المتشدد داخل المعارضة إلى البحث عن مسارات أسرع لإزاحة مادورو، مما هدَّد بتكرار خطأ 2019 حين أُنيطت الإستراتيجية بقوة خارجية تتقاطع أهدافها مع أهداف المعارضة جزئيا فقط، وتختلف عنها في جوهرها.
تسعى ماتشادو وحلفاؤها إلى ترسيخ سيادة القانون وإنهاء إرث تشافيز، فيما تتركَّز أولويات الولايات المتحدة على كبح تهريب المخدرات والهجرة وضبط كلفة الطاقة واحتواء تمدد النفوذ الصيني في المنطقة.
ومن ثمَّ فمن غير المُرجَّح أن تُوفِّر واشنطن الخَلاص الذي تنشده المعارضة، حتى في ظل التدخُّل العسكري المباشر. ورغم أن الحديث عن عودة المفاوضات من جهة إدارة ترامب حتى وقت قريب، والأمل الخافت في الدبلوماسية الذي لاح حينها، فإن نجاح هذا المسار ذاته كان مشروطا بإدراك واشنطن والمعارضة المتشددة على السواء بأن انتقال السلطة عملية تدريجية، وليس حدثا خاطفا.
بعبارة أخرى، لا يمكن تحويل فنزويلا سريعا إلى بلد حر. ومهما بلغت هشاشة النظام الحاكم، فإن فرض تغييره بالقوة يُقوِّض في نهاية المطاف الهدف المشترك للمعارضة ولغالبية الفنزويليين: إقامة نظام آمن ومستقر وقائم على حكم القانون بدلا من حكم مادورو، فالسعي إلى اختصار الطريق قد يُفضي إلى مآلات أسوأ مما كانت تعيشه البلاد تحت حُكم مادورو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة