لم يكن الإعلان الأميركي عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد تطور سياسي في أزمة مفتوحة مع كراكاس، بل كشف عن واحدة من أكثر العمليات العسكرية الأميركية حساسية خلال السنوات الأخيرة.
فبحسب ما أوردته شبكة "CBS" ووسائل إعلام أميركية أخرى، فإن العملية التي نُفذت خارج الأراضي الأميركية أُسندت إلى قوة عسكرية لا تظهر عادة في البيانات الرسمية، هي وحدة "دلتا فورس".
الصور التي أظهرت مادورو مكبلا على متن سفينة حربية أميركية في البحر الكاريبي فتحت الباب أمام تساؤل حول طبيعة هذه القوة التي تُستخدم عندما تعتبر واشنطن أن المهمة لا تحتمل الفشل.
"دلتا فورس" هي وحدة عمليات خاصة تابعة للجيش الأميركي ، تُعرف رسميا باسم مفرزة العمليات الخاصة الأولى – دلتا (1st SFOD-D).
وعلى الرغم من تعدد التسميات التنظيمية التي حملتها منذ تأسيسها، ومنها مجموعة التطبيقات القتالية (CAG) والعناصر العسكرية المصنفة (ACE)، فإن اسم "دلتا فورس" بقي الأكثر استخداما داخل وخارج المؤسسة العسكرية.
وبحسب موقع "Military" المتخصص في الشؤون العسكرية، تُصنف "دلتا فورس" كوحدة من "المستوى الأول"، وتُسند إليها المهمات الأعلى خطورة، ولا سيما تعقب واعتقال أو قتل الأهداف المصنفة عالية القيمة، وتفكيك الخلايا المسلحة، وتنفيذ عمليات تحرير رهائن، إضافة إلى العمل السري المشترك مع وكالة الاستخبارات المركزية.
وتخضع دلتا فورس للسيطرة العملياتية لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، بينما تتلقى دعما تنظيميا وإداريا من قيادة العمليات الخاصة في الجيش الأميركي (USASOC)، وهو تنظيم يمنحها هامشا واسعا من الاستقلالية في التنفيذ.
تعود فكرة إنشاء "دلتا فورس" إلى سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت تصاعد عمليات العنف السياسي وخطف الطائرات والدبلوماسيين. صاحب المشروع كان العقيد الأميركي تشارلز بيكويث، وهو ضابط في القوات الخاصة خدم في حرب فيتنام، وعمل سابقا مع وحدة النخبة البريطانية "SAS".
وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، دفع بيكويث باتجاه إنشاء وحدة أميركية صغيرة، شديدة التخصص، قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة وسريعة خارج القيود التقليدية للجيش. حصل المشروع على موافقة رسمية عام 1975، وبعد عامين من الإعداد والتجهيز، أُسست "دلتا فورس" رسميا عام 1977.
في عام 1980، خضعت "دلتا فورس" لأول اختبار عملي كبير، حين كُلفت بمحاولة تحرير 53 دبلوماسيا أميركيا احتجزوا في السفارة الأميركية في طهران، في عملية عُرفت باسم "مخلب النسر". العملية فشلت قبل الوصول إلى موقع الرهائن بسبب مشاكل لوجستية وأخطاء في الطيران، وأسفرت عن مقتل ثمانية عسكريين أميركيين.
ولم يؤد هذا الفشل إلى تقليص دور "دلتا فورس"، بل إلى إعادة بناء شاملة لمنظومة العمليات الخاصة الأميركية، وخصوصا عبر إنشاء فوج الطيران الخاص رقم 160 المتخصص في دعم العمليات الليلية والمعقدة، والذي بات لاحقا جزءا أساسيا من أي عملية تنفذها دلتا.
في عام 1983، شاركت "دلتا فورس" في العملية العسكرية الأميركية في جزيرة غرينادا، حيث تولت مهام اقتحام وإنقاذ سجناء والسيطرة على مواقع حيوية. واعتُبرت هذه العملية أول إثبات عملي لقدرة الوحدة على تنفيذ مهام دقيقة بعد إخفاق طهران.
في عام 1989، لعبت "دلتا فورس" دورا محوريا في الغزو الأميركي لبنما، ولا سيما في العملية التي انتهت باعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا. وأسهمت هذه العملية في ترسيخ صورة دلتا فورس كأداة فعالة لإسقاط قيادات سياسية مستهدفة.
خلال حرب الخليج عام 1991، نفذت "دلتا فورس" مهام استطلاع وعمل خلف الخطوط داخل العراق، وساهمت في ملاحقة منصات إطلاق صواريخ سكود، في إطار الجهد العسكري للتحالف الدولي.
في عام 1993، شاركت "دلتا فورس" في عملية "غوثيك سيربنت" الهادفة إلى اعتقال محمد فرح عيديد. ورغم النجاح التكتيكي الأولي، أدى إسقاط مروحيتين أميركيتين ومقتل جنود أميركيين، بينهم عنصران من "دلتا فورس"، إلى تحول العملية إلى إخفاق سياسي واستراتيجي.
بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، كانت "دلتا فورس" من أوائل الوحدات التي نُشرت في أفغانستان، حيث نفذت عمليات تسلل وجمع معلومات استخباراتية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان خلال المراحل الأولى للحرب.
شاركت "دلتا فورس" في العمليات المشتركة التي استهدفت قتل أو اعتقال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في منطقة تورا بورا. العملية لم تحقق هدفها النهائي، وأصبحت لاحقا مثالا على حدود العمل المشترك في بيئات جغرافية معقدة.
في كانون الاول/ديسمبر 2003، تولت "دلتا فورس" الدور التنفيذي في عملية "الفجر الأحمر" التي انتهت باعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين قرب تكريت. العملية نُفذت بعد أشهر من المطاردة الاستخباراتية، وانتهت من دون اشتباكات تُذكر، بعد العثور عليه داخل مخبأ تحت الأرض. وقبل ذلك بأسابيع، شاركت دلتا فورس في العمليات التي أدت إلى مقتل نجليه قصي وعدي في الموصل.
بعد اعتقال صدام حسين، واصلت "دلتا فورس" تنفيذ عمليات استهداف ضد قادة تنظيم القاعدة في العراق، ضمن حملة واسعة لتفكيك الشبكات المسلحة خلال سنوات التمرد.
في عام 2012، شاركت "دلتا فورس" في تأمين وإخلاء موظفي السفارة الأميركية في طرابلس بعد هجوم بنغازي، في عملية تدخل سريع هدفت إلى تقليص الخسائر الأميركية.
في عام 2016، نُسب إلى "دلتا فورس" دور في عملية "البجعة السوداء" التي انتهت باعتقال زعيم كارتل سينالوا خواكين "إل تشابو" غوزمان، ضمن تعاون أمني بين الولايات المتحدة والمكسيك.
في عام 2019، نفذت "دلتا فورس" العملية التي انتهت بمقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي في شمال غربي سوريا، بعد عملية رصد طويلة وإنزال بري خاطف.
بحسب موقع "Military"، لا تسمح دلتا فورس بالتجنيد المدني المباشر. ويتم اختيار عناصرها من داخل الجيش الأميركي، خصوصا من وحدات "Rangers" و"Green Berets"، بعد سنوات من الخدمة واجتياز اختبارات بدنية ونفسية صارمة. وتشير التقديرات إلى أن أقل من 10 في المئة من المتقدمين ينجحون في اجتياز مرحلة الانتقاء الأولية.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة