(CNN) -- كشفت دراسة علمية حديثة عن معلومات جديدة غيّرت الصورة التقليدية لـ"رجل كسارة البندق"، أحد أقارب الإنسان المنقرضين المعروف علمياً باسم "Paranthropus boisei". وقد استند الباحثون إلى تحليل جديد لآثار أقدام متحجرة عُثر عليها في موقع "كووبي فورا" شمال كينيا، وهي منطقة تُعد من أهم المواقع الأثرية التي حفظت سجلاً غنياً لتطوّر الإنسان.
لطالما اعتقد العلماء أنّ هذا النوع عاش في شرق أفريقيا قبل 2.3 مليون و1.2 مليون سنة، وأنه كان قصير القامة نسبياً، إذ بلغ متوسط طول الذكور نحو 131 سنتيمتراً، بينما بلغ متوسط وزنهم حوالي 49 كيلوغراماً. وقد استندت هذه التقديرات إلى عدد محدود من الحفريات، معظمها جماجم وأسنان، لأن بقايا الهيكل العظمي الكاملة كانت نادرة جدًا.
لكنّ الدراسة الجديدة التي اعتمدت على تحليل 21 أثراً متحجّراً للأقدام، تُشير إلى أنّ أفراد هذا النوع كانوا أكبر حجماً بكثير ممّا كان يُعتقد. وقد أظهرت الحسابات أنّ بعض الذكور ربما بلغ طولهم نحو 1.8 متر ووزنهم حوالي 75 كيلوغراماً، وهي أبعاد تقترب من أحجام البشر المعاصرين أكثر من التقديرات السابقة.
ولم تقتصر أهمية هذه الآثار على تقدير الحجم الجسدي، بل قدمت أيضاً معلومات قيّمة حول السلوك الاجتماعي لهذا النوع. إذ لاحظ الباحثون أنّ الآثار تعود إلى 8 أفراد ساروا معاً في الوقت ذاته على ضفاف بحيرة قديمة، ما يُشير إلى أنهم كانوا يتحركون كمجموعة واحدة. ويرى العلماء أن هذا قد يكون دليلاً على وجود تنظيم اجتماعي أكثر تعقيداً ممّا اعتُقد سابقاً.
وأوضح قائد الدراسة، عالم الأحياء كيفن هاتالا، أنّ آثار الأقدام تعد من أهم أنواع الحفريات لأنها لا تكشف فقط عن شكل الجسم، بل تُسجّل أيضاً لحظة حقيقية من حياة الكائنات القديمة، ضمنًا طريقة حركتها وتفاعلها مع البيئة المحيطة.
وأضاف أنّ المجموعة التي تركت هذه الآثار ربما كانت تتكوّن من ذكور بالغين فقط، وربما كان ذلك بسبب وجود حيوانات خطرة مثل أفراس النهر، الأمر الذي جعل التنقل الجماعي أكثر أماناً.
وتعود هذه الآثار إلى نحو 1.4 مليون سنة، وقد وُجدت مطبوعة في طبقة من الطين الرطب قرب بحيرة قديمة. وكانت أولى الآثار قد اكتُشفت عام 1978، ثم أسفرت حفريات إضافية في العامين 2016 و2023 عن العثور على المزيد منها، إلى جانب آثار لحيوانات مختلفة مثل الظباء وأفراس النهر، ما ساعد الباحثين على إعادة بناء البيئة التي عاش فيها هذا النوع.
وتُشير الأدلة أيضاً إلى أنّ "Paranthropus boisei" لم يكن النوع البشري الوحيد الذي عاش في تلك المنطقة، بل كان يتقاسمها مع "الإنسان منتصب القامة" (Homo erectus)، أحد أهم أسلاف الإنسان الحديث. وقد بينت دراسات سابقة أن النوعين عاشا في الفترة عينها، وربما مرّا بالمكان ذاته خلال أيام متقاربة جداً، إلا أنه لا توجد أدلة مباشرة على حدوث تفاعل بينهما.
ويُعرف"الإنسان منتصب القامة" بأنّه أوّل قريب للإنسان امتلك نسب جسم قريبة من الإنسان الحديث، وكان يمشي منتصباً. أما "Paranthropus boisei" فكان يحتفظ ببعض الصفات البدائية التي تشبه أسلاف الرئيسيات التي كانت تعيش على الأشجار، رغم أنه كان أيضاً يسير على قدمين.
وأظهرت الدراسة أن آثار أقدام "Paranthropus boisei" تشبه إلى حد كبير آثار الإنسان الحديث و"الإنسان منتصب القامة"، لكنها تختلف في بعض التفاصيل المهمة. إذ كانت أقواس القدم أكثر تسطحاً، كما كان إصبع القدم الكبير يميل إلى الخارج بدرجة أكبر مقارنة بالإنسان الحديث.
ويرى الباحثون أن هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة أن شكل القدم كان مختلفاً تماماً، لكنها تدل على اختلاف في طريقة المشي وتوزيع الوزن أثناء الحركة.
وللتأكد من صحة النتائج، أجرى العلماء تجارب عديدة على أنواع مختلفة من التربة، شملت إعادة ترطيب طين مشابه للطين الذي حُفظت فيه الآثار الأصلية، وذلك لمعرفة كيف تؤثر طبيعة الأرض في شكل البصمات.
وقد ساعدت هذه التجارب على تقليل احتمال أن تكون الفروق ناتجة عن ظروف التربة فقط، مما زاد من موثوقية الاستنتاجات.
ويرى الباحثون أن المزيد من الدراسات قد يكشف تفاصيل إضافية عن طريقة حياة هذا النوع، مثل كيفية الحركة والاعتماد على البيئة المحيطة. إلا أن تفسير العلاقة بين شكل القدم والسلوك اليومي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الأدلة، لأن الكائنات التي تمشي على قدمين قد تتبنى أساليب مختلفة للحركة رغم امتلاكها صفات تشريحية متباينة.
وتُبرز هذه الدراسة أهمية آثار الأقدام المتحجّرة مقارنة بالعظام والأسنان، لأنها تُمثّل لحظة حقيقية من حياة الكائنات القديمة، وليس مجرّد بقايا لأجسامها بعد الوفاة. ومن خلال هذه الآثار يستطيع العلماء تُصوّر كيفية سير هؤلاء الأفراد، وما إذا كانوا يتحرّكون فرادى أو ضمن مجموعات، وحتى طبيعة البيئة التي عاشوا فيها.
وتؤكد الدراسة أنّ فهم تاريخ تطور الإنسان لا يعتمد فقط على الجماجم أو العظام، بل إن آثار الأقدام قد توفر أدلة لا تقل أهمية، إذ تكشف عن السلوك والحركة والعلاقات الاجتماعية.
وتُظهر الدراسة أن أقارب الإنسان المنقرضين ربما كانوا أكثر شبهاً بنا في الحجم وطريقة العيش مما كان يُعتقد سابقاً، ما يساهم في رسم صورة أكثر دقة لتاريخ أسلاف البشر في أفريقيا قبل أكثر من مليون عام.
المصدر:
سي ان ان