آخر الأخبار

كيف يُصلح الصيام ما أفسده الالتهاب في أجسادنا؟

شارك

عند ذكر الصيام أول ما يتبادر إلى الذهن في الغالب هو "شهر رمضان"، لكن في الواقع الصيام لغة يعني "الإمساك"، لذا نجد أن هناك أنواعا متعددة من الصيام، منها ما يتبع قواعد دينية، ومنها ما قد يعد جزءا من نظام صحي أو بروتوكول علاجي.

وتذكر الروايات أن السيدة مريم العذراء نذرت صوما عن الكلام، ما يوضح أن معنى الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فقط.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 على إيقاع المطارق… تولد فوانيس رمضان في دمشق
* list 2 of 2 الشيخ صلاح بوخاطر.. "مزمار" الشارقة الذي يشجي القلوب في ليالي رمضان end of list

لكن ماذا يقول العلم اليوم عن الصيام الغذائي بأنواعه المختلفة؟ وهل كل أشكال الصيام مفيدة بالقدر نفسه، أم أن هناك ضوابط تعزز فوائده وتقلل مخاطره؟

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن للصيام أثرا إيجابيا محتملا في تقليل الالتهابات المزمنة، وهو ما يفسر الاهتمام العلمي المتزايد به.

مصدر الصورة الصيام قد يعد جزءا من نظام صحي أو بروتوكول علاجي (شترستوك)

هل أعاني من التهاب مزمن؟

لتعرف الإجابة على هذا السؤال عليك بداية بالتعرف على تعريف الالتهاب المزمن، فهو ببساطة عملية تُسرّع وصولك للشيخوخة البيولوجية، وهو استجابة من الجهاز المناعي تنطلق مع تكرار تعرض الجسم لعدوى بكتيرية أو فيروسية أو مع تعرض الخلايا لإصابات كالكدمات والجروح، وأيضًا كنتيجة لعوامل داخلية مثل السمنة، والتوتر، والأمراض المناعية.

عندما تتعرض الخلايا لضرر ما، تطلق إشارات إنذار، فتتدخل خلايا الدم البيضاء وتفرز مواد تسمى "السيتوكينات" لمحاربة الالتهاب. المشكلة تظهر عندما يستمر هذا النشاط لفترة طويلة؛ إذ يؤدي الارتفاع المزمن في سكر الدم وتراكم الدهون الحشوية إلى إبقاء جهاز المناعة في حالة استنفار دائم.

ومع الوقت، يسبب ذلك ضررا لمكونات الخلايا، خاصة الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، ويؤدي إلى تراكم بروتينات تالفة داخل الخلايا، كما يضعف آلية التنظيف الذاتي الطبيعية المعروفة بـ"الأوتوفاجي".

مع تعطل هذه الآلية يتعطل نظام تنظيف الخلايا، فتتراكم المخلفات داخلها، وهو ما يزيد من الالتهابات، مما يمهد الطريق لأمراض القلب والسكري واضطرابات المناعة وغيرها.

كيف يصلح الصيام ما أفسده الالتهاب؟

الصيام هو إمساك محدد، في وقت محدد، وبنية محددة، وبفرض أن الصيام جرى بطريقة سليمة كما يشرحها العلماء، بأن يتم خفض السعرات الحرارية المتناولة من قبل الأفراد، فكما تقول دراسة نشرت في مجلة "سيل" (Cell) مطلع عام 2024 لمجموعة بحثية من جامعة كامبريدج إن الربط بين الصيام وانخفاض الالتهابات مؤكد، ولكن فهم كيف يحدث هذا الأمر هو ما يحاول العلماء الوصول إليه.

الصيام المتقطع

أظهرت مراجعة منهجية لأكثر من 80 دراسة على عينات بشرية نشرتها "ذا جورنال أوف نيوتريشن" أن بروتوكولات الصيام المتقطع التي تسمح بنافذة لتناول الطعام لمدة 8 ساعات ثم صيام عن الطعام لمدة 16 ساعة، يمكن أن تعزز حساسية الأنسولين وتحسّن ملفات الدهون وضغط الدم، رغم أن أغلب التجارب قصيرة المدى وتحتاج إلى دراسات أطول لفهم التأثيرات الالتهابية بدقة.

مصدر الصورة الصيام المتقطع يمكن أن تعزز حساسية الأنسولين وتحسّن ملفات الدهون وضغط الدم (شترستوك)

صيام الوجبة الواحدة في اليوم

هو ما ركزت عليه دراسة كلية كوينز بجامعة كامبريدج المنشورة في يناير/كانون الثاني 2024، حيث قامت مجموعة من 21 متطوعا بتناول وجبة واحدة تحوي 500 سعر حراري، ثم الانقطاع عن الطعام فقط لمدة 24 ساعة.

إعلان

لاحظ الباحثون ارتفاع مستويات نوع من الدهون يُعرف باسم "حمض الأراكيدونيك" الذي يؤدي أدوارا مهمة في الجسم، مثل تخزين الطاقة ونقل الإشارات بين الخلايا. ولاحظ الباحثون أنه يقلل أيضا من نشاط مركب التهابي يعرف باسم "إن إل آر بي 3 إنفلاماسوم".

صيام الماء

يعتمد على الإمساك التام عن الطعام لمدة تتراوح ما بين 24 ساعة وقد تصل إلى 10 أيام، وفي دراسة نشرت في مجلة "كلينيكال آند ترانسليشنال ميديسن" قام باحثون بإجراء تجربة أخضعوا فيها 48 بالغا من الأصحاء لصيام الماء لمدة 5 أيام متتالية، مع متابعة المؤشرات الحيوية والمناعية المهمة.

لاحظ الباحثون انخفاضا في كل من ضغط الدم، ووزن الجسم، وتغيرات في الخلايا المناعية، وانخفاض مؤشرات الالتهابات عند بعض المشاركين. إلا أنهم لاحظوا أيضا عودة المؤشرات لحالتها السابقة بعد إعادة التغذية تدريجيا، وحدوث فقدان لنسبة من الكتلة العضلية.

الصيام الجاف

هو ما يمارسه المسلمون كجزء من شعائرهم الدينية، وهو أيضا الأقل خضوعا للدراسات العلمية. إحدى هذه الدراسات القليلة نشرتها مجلة "إلسيفير" العلمية، تناول البحث تطورات قياسات المؤشرات الحيوية لـ14 رجلا وامرأة مصابين خضعوا لصيام جاف خلال الفترة من طلوع الشمس إلى غروبها لمدة 29 يوما خلال رمضان.

العينة هذه المرة مصابة بمتلازمة الأيض أو التمثيل الغذائي، وهي مجموعة من الحالات التي تحدث معا مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة السكر في الدم، وزيادة الدهون في الجسم حول الخصر، وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتة الدماغية، ومرض السكري من النوع الثاني.

أظهرت الدراسة تغيرات بروتينية في خلايا الدم البيضاء تشير إلى انخفاض إشارات الالتهاب المرتبط بالأوعية الدموية وارتفاع بعض البروتينات المرتبطة بحماية الخلايا.

وفي دراسة أخرى نشرت عام 2021 شملت مجموعة متطوعين من الطائفة البهائية، يتبعون صياما يشبه الصيام الإسلامي الجاف لعدة ساعات خلال النهار، وشملت العينة 34 مشاركا سليما صحيا، رصدت الدراسة عدم وجود آثار سلبية كبيرة على الترطيب لدى المشاركين الأصحاء، كما لوحظ تحسن في أداء الأيض الدهني ولم يتم رصد الأثر على الالتهابات.

تركيز إعلامي ودراسات قليلة

وبالرغم من النتائج الأولية الواعدة، وشهادات أطباء مثل الدكتور براديب جامناداس، وهو استشاري أمراض القلب ومدير مختبر القسطرة القلبية في مستشفى "أورلاندو هيلث" في الولايات المتحدة، عن أثر الصيام بمختلف أنواعه على منح الجسم فرصة للتحول من "وضع التخزين" إلى "وضع الإصلاح"، حيث تنخفض مستويات الأنسولين، ويتراجع نشاط المسارات الالتهابية، إلا أن البحوث في هذا المجال ما زالت محدودة وتحتاج إلى المزيد من التجارب على عينات أكبر.

مصدر الصورة يتفق الجميع على وجود إشارات بيولوجية واعدة حول الصيام (شترستوك)

الدكتور مارك ماتسون، رئيس مختبر علوم الأعصاب في المعهد الوطني للشيخوخة (NIA) التابع للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، وأحد أبرز الباحثين الذين درسوا العلاقة بين الصيام، والتمثيل الغذائي، وصحة الدماغ، يرى أن الصيام قد يفعّل مسارات مقاومة الإجهاد الخلوي ويخفّض بعض المؤشرات الالتهابية، لكنه يشدد على أن معظم الأدلة المتعلقة بنظام التنظيف "الأوتوفاجي" وتأثيره الوقائي جاءت من نماذج حيوانية أو دراسات قصيرة الأمد على بشر أصحاء.

إعلان

أما الدكتور فالتر لونغو، مدير معهد طول العمر في "جامعة جنوب كاليفورنيا"، فيربط فوائد الصيام بما يسميه "الصيام العلاجي المنظم"، الذي يتم تحت إشراف طبيب وكجزء من بروتوكول علاجي أو نظام صحي، وليس كممارسة عامة تصلح للجميع.

والخلاف في الطرح هنا ليس حول جدوى الصيام ولكن حول مستوى التعميم، فبينما يميل جامناداس إلى تقديم الصيام كأداة أساسية لمعالجة جذور الأمراض المتصلة بالتمثيل الغذائي والمرتبطة بالالتهاب، ينصح الباحثون الأكاديميون بأهمية التأكيد على أن الصيام يمثل عاملا مساعدا ضمن منظومة أوسع تشمل جودة الغذاء، والنشاط البدني، والنوم، والعوامل الوراثية.

ولكن كما هو واضح، يتفق الجميع على وجود إشارات بيولوجية واعدة حول الصيام، لكننا نحتاج إلى المزيد من البحوث لتضمين الصيام كجزء من التوصيات الصحية العامة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار