الرابحون والخاسرون.. كيف يعيد غليان مياه البحر رسم خريطة الصيد بأوروبا؟
سجلت المياه الأوروبية خلال صيف 2026 أعلى متوسط لدرجات حرارة سطح البحر منذ بدء القياسات الموثوقة ب الأقمار الصناعية عام 1982، في مؤشر جديد على التغير المتسارع في النظم البحرية، وما يرافقه من تداعيات على مصايد الأسماك والمجتمعات الساحلية.
وبلغ متوسط حرارة البحار الأوروبية بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 21.6 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى خلال 45 عاماً من البيانات المتاحة.
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 دراسة: المحيطات تفقد اخضرارها بسبب الاحتباس الحراري
* list 2 of 4 كارثة صامتة تحت الماء.. موجات ابيضاض قياسية تهدد “غابات البحر”
* list 3 of 4 ارتفاع سطح البحار يهدد ملايين البشر والمباني بالمدن الساحلية
* list 4 of 4 تغير المناخ يدفع مخزونات الأسماك إلى أعالي البحار end of list
وسجلت درجات الحرارة مستويات قياسية من القنال الإنجليزي إلى البحر المتوسط، في وقت يقول علماء إن موجات الحر البحرية أصبحت أكثر تواترا وشدة واتساعا مع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي بفعل غازات الاحتباس الحراري.
وتُعرَّف موجة الحر البحرية بأنها فترة تستمر 5 أيام أو أكثر وتكون فيها درجات حرارة البحر أعلى بكثير من المعدلات التاريخية المعتادة.
وتقول "رويترز" إن المحيطات تمتص غالبية الحرارة الزائدة الناجمة عن الاحترار العالمي، كما تحتفظ بها لفترات أطول، الأمر الذي يؤدي إلى تغيرات متزايدة في النظم البيئية البحرية.
وقال جان-بيير غاتوسو كبير الباحثين في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي إن "ما يثير الدهشة هو السرعة التي يحدث بها ذلك.. إذ يجري تحطيم الأرقام القياسية كل يوم تقريبا في أماكن كثيرة".
مصدر الصورة
خليج بسكاي.. تراجع غابات عشب البحر
في خليج بسكاي، بلغ متوسط درجة حرارة المياه بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 21.4 درجة مئوية، أي أكثر من 2.4 درجة فوق متوسط الفترة من عامي 1991-2020. وسجلت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية "إن أو إيه إيه" (NOAA) ذروة بلغت 23.2 درجة في 13 أغسطس/آب، وهي الأعلى في عصر القياسات بالأقمار الصناعية.
وبحلول نهاية أغسطس/آب، شهد خليج بسكاي 186 يوماً من موجات الحر البحرية، أي أكثر من 3 أرباع أيام العام، مقارنة بعدد محدود من هذه الموجات سنويا خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وتنعكس هذه الحرارة على غابات عشب البحر البني، التي تشكل موطنا لعدد كبير من الأنواع البحرية. ويقدر خوسيه مانويل ريكو أورداس، أستاذ علم البيئة البحرية في جامعة أوفييدو، أن نحو 95% من تجمعات عشب البحر البني الكبيرة اختفت، استنادا لعينات أُخِذت على امتداد ساحل أستورياس منذ عام 2010.
ويحتاج عشب البحر عادة إلى مياه تقل حرارتها عن 20 درجة مئوية. ويربط ريكو أورداس التراجع بصورة أساسية بتغير المناخ، مع مساهمة الرعي الجائر من بعض الأسماك.
وقال إن المنطقة لم تعد تضم جراد البحر وجراد البحر الصخري وقنافذ البحر والعديد من الأنواع المرتبطة بغابات عشب البحر السليمة.
وفي محاولة لاستعادة النظام البيئي، يعمل صيادون وعلماء ونشطاء على إعادة زراعة عشب البحر من خلال غرس شتلات جرى إنماؤها في المختبر.
مصدر الصورة
تغير المناخ يعيد رسم خريطة الصيد
ولا يقتصر أثر ارتفاع حرارة البحار على اختفاء أنواع، بل يؤدي أيضا إلى ظهور أنواع جديدة في مناطق لم تكن مألوفة فيها، وهو ما يعيد رسم خريطة النشاط الاقتصادي المرتبط بالبحر.
وقال رئيس نقابة محلية للصيادين في غاليسيا، مانويل أنخيل ريريـث غونثالث، إن تغير المناخ يهدد نمط حياة قائم منذ أجيال، مشيرا إلى أن عائلته عملت في الغوص بحثا عن قنافذ البحر وجمع المحار لأكثر من 100 عام.
وأضاف أن موجات الحر المتكررة أضرت بمخزونات المحار، بينما ظهرت في المنطقة قناديل بحر من نوع "رجل الحرب البرتغالي" وأسماك "الزناد" القادمة من مياه جنوبية أكثر دفئا.
وقال غونثالث "مررنا ببعض السنوات السيئة جدا في إنتاج المحار، لكننا عملنا على إعادة زرعه، وتكيف النوع تدريجيا". وأضاف أنه يأمل أن تحقق استعادة قاع البحر النتيجة نفسها مع عشب البحر.
وحذر من أنه إذا اختفى عشب البحر "فعند تلك النقطة، كنقابة للصيادين، سنكف عن الوجود".
مصدر الصورة
الأخطبوط يزدهر جنوب بريطانيا
وفي المقابل، تظهر بعض الأنواع التي كانت مرتبطة بالمياه الأكثر دفئا في مناطق شمالية، ومن أبرزها الأخطبوط في منطقة جنوب إنجلترا.
فقد قفزت كميات الأخطبوط التي جرى إنزالها في المنطقة إلى نحو 2600 طن متري خلال عام 2025، وتجاوزت 3 آلاف طن منذ بداية عام 2026، مقارنة بأقل من 30 طناً سنويا قبل عام 2025.
ويرى برايس ستيوارت، من الجمعية البيولوجية البحرية، أن يرقات الأخطبوط تصل إلى المياه البريطانية عبر التيارات البحرية، وكانت تموت في السابق بسبب برودة المياه. لكن القنال الإنجليزي شهد منذ عام 2022 ظروف موجات حر لنحو 6 أشهر سنويا في المتوسط، وبمجموع تجاوز 900 يوم، وفقا لتحليل رويترز.
وقال ستيوارت "الآن أصبحت تتكاثر فعليا في المياه البريطانية بكثرة".
ويشكل ذلك فرصة لبعض التجار والصيادين، إذ يقول تاجر الأسماك إيان بيركس في بريكسهام إن طفرة الأخطبوط تمثل مكسبا، مشيرا إلى وجود سوق له في منطقة جنوب أوروبا وعدم وجود حصص صيد تحد من كمياته.
وقال بيركس إن قاربه تعامل خلال أحد الأسابيع مع 200 ألف كيلوغرام من الأخطبوط، أي نحو 200 طن.
لكن هذه الطفرة جاءت على حساب أنواع أخرى. وقالت تعاونية صيادي المحار في جنوب ديفون والقنال إن عام 2026 كان بمثابة "كارثة الأخطبوط" مشيرة إلى أن إحدى رحلات الصيد لم تنتج سوى سلطعون واحد طوال اليوم.
وتقدر الجمعية البيولوجية البحرية أن ازدهار الأخطبوط قد يرتبط بخسائر في كميات المحار المصطاد تصل إلى نحو 10 ملايين جنيه إسترليني (نحو 13.25 مليون دولار) مقابل نحو 12 مليون جنيه من إنزالات الأخطبوط خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول 2025.
ولا يستفيد جميع الصيادين من تغير الأنواع بالقدر نفسه، إذ لا يمتلك كثيرون المعدات اللازمة لصيد الأخطبوط. وخلال الأشهر الـ12 السابقة، خرجت 4 سفن من أصل نحو 90 سفينة تابعة للتعاونية من الخدمة.
ويقول ستيوارت إن عدم القدرة على التنبؤ يجعل التكيف أكثر صعوبة، متسائلا عما إذا كان الأخطبوط سيظل موجودا العام المقبل، وماذا سيحدث إذا التهم السلطعون وجراد البحر ثم اختفى هو أيضا.
مصدر الصورة
البحر المتوسط.. أكثر من 1000 نوع دخيل
وفي البحر المتوسط، يبرز جانب آخر من التغيرات البيئية، مع تزايد الأنواع غير المحلية التي تدخل النظام البحري وتنافس الأنواع الأصلية.
وبحسب تقرير صادر عن أكاديمية قبرص، ويستند إلى بيانات من 11 دولة، يوجد أكثر من ألف نوع غير محلي في البحر المتوسط. ويدخل بعض هذه الأنواع عبر قناة السويس، ثم ينافس الأنواع الأصلية ويعيد تشكيل السلاسل الغذائية، بما يهدد بدوره بعض أنشطة الصيد.
وفي فرنسا، وصل تأثير التغير في النظام البحري إلى منشآت البنية التحتية، بعدما أدى تجمع لقناديل البحر في أغسطس/آب إلى إغلاق مفاعلات في محطة غرافلين النووية إثر انسداد نظام التبريد، وهي المرة الثانية خلال عامين التي يتسبب فيها تجمع للقناديل في المشكلة نفسها.
مصدر الصورة
مكاسب مؤقتة وخسائر غير متوازنة
وتكشف هذه الأمثلة أن ارتفاع حرارة البحار لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض إجمالي النشاط الاقتصادي البحري بصورة مباشرة، بل يعيد توزيع الأنواع والفرص والخسائر بين المناطق وقطاعات الصيد.
ففي جنوب بريطانيا، وفر انتشار الأخطبوط موردا جديدا لبعض الصيادين والتجار، في حين تسبب في ضغوط إضافية على مصايد السلطعون والمحار. وشمال إسبانيا، أدى تراجع عشب البحر إلى تهديد الموائل التي تعتمد عليها أنواع تجارية عدة.
وتشير هذه التحولات إلى أن قدرة المجتمعات الساحلية على التكيف لا تعتمد فقط على تغير حجم المصيد، بل أيضا على مدى قدرتها على تغيير معداتها وأساليب عملها، واستعادة النظم البيئية المتضررة، والتعامل مع أنواع بحرية تتغير مناطق انتشارها بسرعة.
وتظل سرعة هذه التحولات أحد أكبر التحديات، إذ إن الأنواع التي تستفيد من ارتفاع الحرارة قد توفر فرصا اقتصادية جديدة، لكن استمرارها على المدى الطويل ليس مضمونا، في حين قد تكون خسارة النظم البيئية التي دعمت المجتمعات الساحلية لعقود أو قرون أكثر صعوبة في التعويض.
وبحسب بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية وخدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ، استندت قياسات درجات حرارة سطح البحر الواردة في التقرير إلى بيانات الرصد البحري والأقمار الصناعية.