في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- في خضم التصعيد المتزايد بين واشنطن وطهران، يكشف مسؤولون إيرانيون عن استهداف قطاع الكهرباء مؤخرا، مما أعاد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتدمير قطاع الطاقة إلى الواجهة، فيما تتجه الأنظار إلى احتمال اتساع دائرة الاستهداف لتشمل بنية تحتية إستراتيجية أخرى، مثل المصافي.
وبعد أن طالت الضربات الأمريكية الأخيرة جسر "آق قلا" للسكك الحديدية بمحافظة غلستان شمالي إيران، فضلا عن استهدافها عددا من الجسور الأخرى منذ اندلاع الحرب، يحذر مراقبون في طهران من تداعيات تنفيذ هذا السيناريو الكارثي على حياة الناس، وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلا من عقوبات أمريكية خانقة.
ولا تقتصر صدمة الإيرانيين هذه الأيام على انقطاع التيار الكهربائي لفترة ساعتين يوميا، بل تتجاوزها إلى ما كشفه رئيس مجلس مدينة طهران، مهدي شمران، في رده على سؤال صحفي الثلاثاء حول انقطاع الكهرباء دون سابق إنذار، حيث قال "لو كنتم تعلمون كم عدد المنشآت الكهربائية التي قُصفت قبل يومين، لما طرحتم هذا السؤال".
تصريحات شمران لم تكن مجرد اجتهاد شخصي، بل أكدها المدير التنفيذي لشركة الكهرباء الوطنية، محمد داد، الذي كشف النقاب عن أرقام تظهر الواقع الصعب في قطاع الطاقة.
وقال في تصريحات صحافية "خلال العدوان الأخير، تعرضت البنية التحتية للكهرباء في البلاد لأضرار واسعة النطاق، حيث انخفضت قدرة الشبكة بحوالي 4200 ميغاوات، وتضرر أكثر من ألفي نقطة في الشبكة".
يستشرف الباحث المختص في النزاعات الإقليمية مصطفى نجفي، ملامح سيناريو حرب إقليمية شاملة، مشيرا إلى أن القصف العنيف في الأيام الأخيرة ليس سوى تمهيد لحرب أوسع، من وجهة نظره، حيث ستتحول البنى التحتية الحيوية إلى أهداف للطرفين، إلى جانب الأهداف العسكرية التقليدية.
وفي تعليق نشره على منصة إكس، يرى نجفي أن إسرائيل مرشحة لدخول المعركة قريبا، لتوسيع حملة الاغتيالات واستهداف البنى التحتية في إيران.
ولا يستبعد نجفي سيناريوهات أخرى، ك استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد المنشآت النووية والصاروخية تحت الأرض، فضلا عن عمليات تخريبية ونفسية تهدف إلى تسريع اضطرابات اجتماعية وزعزعة الاستقرار في المناطق الحدودية، مع إمكانية تنفيذ إنزال جوي وعمليات خاصة في السواحل والجزر والمراكز النووية الإيرانية.
وفي ما يتعلق بالحصار البحري، يحذّر نجفي من أن فرض حصار بحري في ظل حرب شديدة العنف أكثر تعقيدا من فرضه في ظل هدنة، مشيرا إلى أن نجاح هذا السيناريو "مرهون بقدرة القوات الإيرانية على تهديد الأسطول الأمريكي في بحر عُمان وخلق رادع فعال".
غير أن جميع الممرات التجارية ومنافذ التصدير والاستيراد الإيرانية ستكون عرضة للاستهداف، حسب ما يراه نجفي، في محاولة لفرض طوق حصار كامل على البلاد.
في المقابل، يستبعد الباحث الإيراني حميد آصفي، في حديثه للجزيرة نت، أن تشهد الفترة المقبلة حربا شاملة، مرجحا أن تتركز المواجهات في الجنوب الإيراني، وتحديدا قرب مضيق هرمز، مع هدف أمريكي واضح يتمثل في فتح الممر الملاحي وإعادة فرض حرية الملاحة الدولية.
غير أن آصفي يحذر من أن طبيعة الصراع قد تتحول جذريا إذا ما قررت إيران المضي قدما في تحدي الطرف المقابل، كإغلاق مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، بما يخلق انطباعا لدى الرأي العام العالمي بأن واشنطن عاجزة عن حماية المصالح الحيوية في المنطقة، وهو سيناريو قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الرد باستهداف البنية التحتية الإيرانية، من محطات كهرباء ومصافٍ وجسور وطرق برية، في محاولة لكسر حالة الجمود وفرض معادلة جديدة.
ويرى الباحث الإيراني أنه ما لم تقم طهران بخطوات تصعيدية كبرى تضع هيبة الطرف المقابل على المحك، فإن واشنطن لن تلجأ إلى تدمير البنى التحتية الإيرانية. وإذا حدث ذلك، فإن الرد قد يتجاوز الضربات الجوية إلى محاولة تطويق إيران بريا وبحريا، من خلال استهداف الجسور والطرق التي تشكل شرايين الإمداد الداخلية، في محاولة لإكمال الحصار الشامل على البلاد.
ويشير آصفي إلى أن شبكة الكهرباء الإيرانية، التي تضم أكثر من 400 محطة إنتاج من القطاعين العام والخاص موزعة على امتداد جغرافيا البلاد، تشكل هدفا بالغ الصعوبة في التدمير الكامل، ما يجعل أي ضربة أمريكية مركزة على هذا القطاع محدودة الأثر نسبيا.
غير أن آصفي لا يستبعد أن تتجه واشنطن إلى ضرب أهداف نوعية وهامة، مثل محطات توليد الكهرباء أو منشآت الغاز في منطقة عسلوية جنوبي البلاد، أو المصافي الرئيسية المنتجة للبنزين، وهي منشآت تمثل شريانا حيويا للاقتصاد الإيراني، وتعطيلها ولو جزئيا قد يحدث شللا في قطاع النقل والإمدادات الغذائية والخدمات.
ويرى آصفي أن أي تدمير للمنشآت الإيرانية قد يقابله رد إيراني عنيف يستهدف المصالح الأمريكية في الدول المجاورة، فضلا عن إسرائيل، وهو سيناريو قد يكون مطلوبا لواشنطن في سياق ما يصفه المحلل بـ"النظرة الأمريكية للصراع كفرصة اقتصادية".
ويوضح آصفي أن "تدمير منشآت الطاقة في المنطقة يخلق سوقا ضخمة لأعمال إعادة الإعمار والخدمات الهندسية، مما يوفر فرصا استثمارية للشركات الأمريكية، وهو يمثل دافعا اقتصاديا يخدم أجندة ترمب في توفير فرص العمل".
وفي هذا السياق، يلفت آصفي إلى أن إسرائيل قد تكون طرفا آخر في معادلة الاستهداف، حيث قد تبادر إلى ضرب البنية التحتية الإيرانية لأسباب مختلفة تماما، تتمثل في إفشال أي تفاهم أو تقارب بين طهران وواشنطن، ومنع وصولهما إلى طاولة مفاوضات قد تفضي إلى تفاهمات إقليمية لا تخدم المصالح الإسرائيلية.
وفي مشهد يعكس تحولا خطيرا في طبيعة المواجهة بين واشنطن وطهران، يبرز سيناريو استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران كأحد أخطر الخيارات المطروحة على الطاولة.
غير أن مراقبين اقتصاديين يحذرون من أن أي ضربة من هذا النوع لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل ستتحول إلى إعلان حرب اقتصادية شاملة، ترتد تداعياتها بشكل مباشر على حياة الملايين من الإيرانيين، في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من أزمات معيشية خانقة.
في هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي بهمن آرمان، في مقابلة مع الجزيرة نت، إلى أن إيران تفتقر إلى القدرة السريعة على إصلاح منشآتها الحيوية إذا تعرضت للاستهداف، وذلك بسبب العقوبات الدولية التي تحظر استيراد قطع الغيار والتكنولوجيا الحديثة اللازمة لإعادة التأهيل.
ويضيف آرمان أن "أي ضرر يلحق بمحطات الكهرباء أو المصافي، حتى لو كانت قديمة ولا تعمل بطاقتها القصوى، سيترك تداعيات صعبة على الاقتصاد الوطني ومعيشة الناس"، مشددا على أن المنشآت الحيوية هذه تمثل عصب الحياة اليومية للمواطنين والاقتصاد الوطني على حد سواء.
ويكشف آرمان عن بعد آخر للأزمة، يتمثل في هشاشة قطاع التكرير الإيراني، مشيرا إلى أنه "لم تُبنَ أي مصفاة جديدة في إيران خلال السنوات الماضية بسبب سوء الإدارة والعقوبات وأزمة الاستثمارات، والمصافي القائمة تعود إلى حقب سابقة وتعمل بطاقات متدنية مقارنة بحجم الاحتياجات المحلية".
ويوضح آرمان أن هذا العجز الهيكلي يدفع إيران إلى استيراد البنزين سنويا بنحو 4 مليارات دولار، مما يعني أن أي استهداف للمصافي سيفاقم الاعتماد على الاستيراد ويدفع البلاد نحو أزمة وقود حادة قد تشل قطاع النقل والمواصلات.
وفي قراءته للتداعيات الاجتماعية، يحذر الباحث الاقتصادي من أن انهيار البنية التحتية للطاقة سيؤدي إلى انهيار متسارع في مستوى معيشة الإيرانيين، الذين يعانون أصلا من مستويات مرتفعة للتضخم وتراجع حاد في القدرة الشرائية للريال الإيراني.
مع استمرار سياسة "الضغوط القصوى" من جانب واشنطن، وتحدي طهران لها في مضيق هرمز، يبقى احتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة استهداف شرايين الحياة في إيران واردا، خاصة في ظل التهديدات المتبادلة التي أطلقها الطرفان خلال الأيام الماضية.
وتظل الأسئلة معلقة حول مدى استعداد الطرفين لتحمل تبعات الحرب الشاملة على الطاقة، أو التوجه نحو تفاهمات تجنب المنطقة كارثة قد تعيد رسم خرائطها السياسية والاقتصادية لعقود قادمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة