آخر الأخبار

بعد 10 سنوات على خروج بريطانيا.. هل خسر اقتصاد أوروبا شريكا قويا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بعد عشر سنوات على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يعد السؤال مقتصرا على تكلفة بريكست على بريطانيا، بل امتد إلى حصيلة التجربة بالنسبة للاتحاد الأوروبي نفسه: هل خسر شريكا اقتصاديا لا يمكن تعويضه، أم نجح في إعادة توزيع جزء من الأنشطة والثقل المالي داخل القارة؟

تكشف المعطيات أن الإجابة ليست حاسمة. فالاتحاد الأوروبي لم يخرج رابحا صافيا، لكنه لم يتعرض أيضا لصدمة اقتصادية كارثية كتلك التي أصابت المملكة المتحدة. فقد خسر الاتحاد شريكا كان يمثل ثقلا اقتصاديا وماليا وسياسيا كبيرا، لكنه في المقابل استوعب الصدمة، وأعاد توزيع جزء من الأنشطة المالية والاستثمارية داخل القارة، خصوصا نحو باريس وفرانكفورت وأمستردام ودبلن ولوكسمبورغ.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 بعد 10 سنوات على بريكست.. أوروبا لم تنهر وبريطانيا لم تزدهر
* list 2 of 3 كيف أصبح اقتصاد بريطانيا بعد 10 سنوات من استفتاء البريكست؟
* list 3 of 3 بعد 10 أعوام على بريكست.. هل يفتح الاتحاد الأوروبي أبوابه مجددا لبريطانيا؟ end of list

وتشير بيانات مكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن


* الاتحاد الأوروبي ظل في عام 2025 الشريك التجاري الأهم للمملكة المتحدة، إذ استحوذ على 41% من صادراتها و50% من وارداتها
* بلغت صادرات بريطانيا إلى الاتحاد 384 مليار جنيه إسترليني ، مقابل واردات من الاتحاد بقيمة 472 مليار جنيه ، وبعجز تجاري بريطاني قدره 88 مليار جنيه .
* تراجعت صادرات السلع البريطانية إلى الاتحاد في عام 2025 بنحو 14% بالقيمة الحقيقية مقارنة بعام 2019
* ارتفعت صادرات الخدمات إلى الاتحاد بنسبة 28% خلال الفترة نفسها.

هذا التباين بين السلع والخدمات يعكس جوهر أثر بريكست، إذ لم تغلق التجارة بين الطرفين، لكنها أصبحت أكثر كلفة وتعقيدا. فغياب الرسوم الجمركية لم يمنع ظهور حواجز غير جمركية، مثل الوثائق وقواعد المنشأ والتدقيق الحدودي وتأخر الشاحنات، وهي عوامل أضعفت تجارة السلع خصوصا، بينما استطاعت الخدمات البريطانية أن تحتفظ بقدر أكبر من المرونة.

ويرى الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية ريان رسول أن المحصلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي "مختلطة وتتأرجح"، وتميل قليلا نحو خسارة هامشية طويلة الأجل، لكنها تظل محدودة مقارنة بما وصفه بـ "الدمار الاقتصادي الحقيقي" الذي لحق بالمملكة المتحدة.

إعلان

ويستند رسول خلال حديثه للجزيرة نت في ذلك إلى تقديرات تشير إلى أن الناتج المحلي البريطاني بات أقل بنحو 6% إلى 8% مما كان يمكن أن يكون عليه دون بريكست، مع تراجع الاستثمار والإنتاجية والتوظيف.

أما أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية الساري فيذهب إلى أن الكل خاسر، لكن بدرجات متفاوتة. فبريطانيا خسرت أكثر بسبب انخفاض النمو والاستثمار وارتفاع تكلفة المبادلات، في حين حققت بعض العواصم الأوروبية مكاسب قطاعية، لكنها لم تعوض بالكامل خسارة لندن كجزء من السوق الموحدة.

مصدر الصورة العجز التجاري البريطاني في السلع مع الاتحاد الأوروبي بلغ 185 مليار دولار خلال عام 2025 (غيتي)

تعقيدات تجارية

على مستوى التجارة، كان الضرر أوضح في السلع. فقد تسببت العودة إلى الإجراءات الحدودية في رفع تكلفة التبادل، خاصة على الشركات الصغيرة وسلاسل الإمداد المتشابكة في قطاعات مثل السيارات، والأغذية، والمكونات الصناعية.

ويشير الساري في حديث للجزيرة نت إلى أن شركات كانت تزود بعضها بعضا عبر الحدود البريطانية الأوروبية وجدت نفسها أمام نظام جديد من التفتيش والوثائق، بعد عقود من الحركة الحرة داخل السوق الموحدة.

ومع ذلك، لم يكن الاتحاد الأوروبي الطرف الأكثر تضررا. فالسوق الأوروبية أوسع وأكثر قدرة على إعادة توجيه التجارة، بينما فقدت بريطانيا وصولا سلسا إلى سوق تضم مئات الملايين من المستهلكين، وهو ما دفع المحلل الاقتصادي محمد غازي المروّح للتأكيد -في حديث للجزيرة نت- على أن خسائر بريطانيا كانت أكبر، بينما بقي أثر بريكست على الاتحاد "محدودا نسبيا وموزعا بين خسائر ومكاسب".

وتظهر بيانات عام 2025 أن العجز البريطاني مع الاتحاد تركز في السلع، إذ صدرت بريطانيا سلعا إلى الاتحاد بقيمة 181 مليار جنيه إسترليني (نحو 244 مليار دولار)، واستوردت منه سلعا بقيمة 318 مليار جنيه إسترليني (نحو 429 مليار دولار)، بعجز سلعي بلغ 137 مليار جنيه إسترليني (نحو 185 مليار دولار)، بينما حققت فائضا في الخدمات قدره 49 مليار جنيه إسترليني (نحو 66 مليار دولار).

تحولات مالية

كانت الخدمات المالية المجال الأكثر وضوحا في استفادة بعض المدن الأوروبية. فبعد خروج بريطانيا من السوق الموحدة، فقدت مؤسسات مالية في لندن حق العمل التلقائي داخل الاتحاد، مما دفع بنوكا وشركات إدارة أصول وتأمين إلى نقل تراخيص وفرق عمل وأصول إلى داخل القارة.

واعتبر ريان رسول أن المكسب الفعلي للاتحاد ظهر هنا تحديدا، مع انتقال جزء من أصول القطاع المصرفي البريطاني وعشرات الآلاف من الوظائف إلى مراكز أوروبية بديلة. لكنه يؤكد أن ما حدث لم يكن ولادة "لندن جديدة" داخل أوروبا، بل "تشرذم المراكز المالية"، حيث توزعت الأنشطة بين باريس وفرانكفورت ودبلن ولوكسمبورغ وأمستردام.

ويتفق المروّح مع هذا التقييم، إذ يقول إن باريس وفرانكفورت وأمستردام نجحت جزئيا في اقتناص بعض الأنشطة التي كانت تتمركز في لندن، لكنها لم تحقق المكسب الكبير الذي توقعه كثيرون بعد الاستفتاء. أما الساري فيرى أن فرنسا وألمانيا استفادتا من انتقال بعض مراكز القرار المالي، لكنه يشدد على أن هذه المكاسب القطاعية لم تتحول إلى أرباح أوروبية واسعة.

إعلان

وتشير تقديرات مؤسسة مدينة لندن (City of London Corporation) إلى أن المؤسسات المالية البريطانية نقلت نحو 40 ألف وظيفة إلى مراكز مالية أوروبية بعد فقدان ما يعرف بحقوق "جواز السفر المالي" (Passporting Rights)، التي كانت تسمح للشركات العاملة في بريطانيا بتقديم خدماتها بحرية داخل دول الاتحاد الأوروبي. وتوزعت هذه الوظائف بين باريس وفرانكفورت ودبلن ولوكسمبورغ وأمستردام.

مصدر الصورة المؤسسات المالية البريطانية نقلت نحو 40 ألف وظيفة إلى مراكز مالية أوروبية (غيتي)

مكاسب محدودة

في ملف الاستثمار، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فبريكست جعل بعض الشركات التي كانت تتخذ من بريطانيا بوابة للسوق الأوروبية تنقل مقارها أو توسع وجودها داخل الاتحاد. لكن ذلك لم يكن كافيا لتعويض فقدان بريطانيا باعتبارها قوة جذب استثمارية ضخمة داخل السوق الموحدة.

وأشار ريان رسول إلى أن المملكة المتحدة كانت قبل الخروج تستحوذ على حصة كبيرة من عمليات الاستحواذ ومشاريع التأسيس الأجنبية داخل السوق الأوروبية، وأن تراجع الاستثمارات المتدفقة من بريطانيا إلى الاتحاد يعني أن الاتحاد لم يعوض بالكامل ما فقده من هذه العلاقة، لكنه تحدث بالمقابل عن تحولات داخلية ذكية، إذ استفادت دول في شرق وجنوب أوروبا من إعادة توزيع بعض الاستثمارات، مثل إسبانيا وبولندا وإيطاليا.

أما المروّح فيرى أن جاذبية الاتحاد الأوروبي للمستثمرين الأجانب تحسنت نسبيا، لأن بعض الاستثمارات التي كانت تتجه إلى بريطانيا باعتبارها بوابة لأوروبا أصبحت تتجه مباشرة إلى دول الاتحاد، لكنه يصف هذا التحسن بأنه تدريجي ومحدود، وليس تحولا جذريا.

ورغم استفادة بعض الدول الأوروبية من انتقال جزء من الأنشطة الاستثمارية بعد بريكست، فإن القارة ككل تواجه تحديات أوسع في جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

فبحسب مسح الجاذبية الاستثمارية الأوروبي الصادر عن شركة إرنست ويونغ (EY)، تراجع عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة في أوروبا بنسبة 7% خلال عام 2025 إلى 5026 مشروعا، وهو أدنى مستوى يسجل منذ 11 عاما، في مؤشر على تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسواق الأوروبية.

وتظهر البيانات أن


* فرنسا حافظت على موقعها كأكبر وجهة للاستثمار الأجنبي في أوروبا رغم تراجع عدد المشاريع بنسبة 17% إلى 852 مشروعا.
* تلتها المملكة المتحدة بـ730 مشروعا بانخفاض 14%، ثم ألمانيا بـ548 مشروعا بعد تراجع نسبته 10%.
* وفي المقابل، برزت إسبانيا وتركيا وبولندا بين أكثر الدول الأوروبية قدرة على جذب استثمارات جديدة، مما يعكس تحولا تدريجيا في الخريطة الاستثمارية داخل القارة.

كما تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أوروبا تراجعت بنحو 58% في عام 2024 لتبلغ 182 مليار دولار فقط، مقارنة بـ439 مليار دولار في العام السابق، في وقت استمرت فيه آسيا وأمريكا الشمالية في جذب حصة أكبر من رؤوس الأموال العالمية.

مصدر الصورة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أوروبا هبطت بنحو 58% في عام 2024 لتبلغ 182 مليار دولار (رويترز)

انتقال كفاءات

في سوق العمل، أنهى بريكست حرية الحركة بين بريطانيا والاتحاد، فغادر جزء من العمال الأوروبيين السوق البريطانية أو تراجع إقبالهم عليها.

ويشير ريان رسول إلى أن احتمالية اختيار العامل الأوروبي لبريطانيا كوجهة تالية تراجعت بوضوح، مما أتاح لأسواق العمل القارية استقطاب بعض الكفاءات التي كانت تتجه تاريخيا إلى لندن.

لكن المكسب الأوروبي هنا نسبي أيضا، فانتقال العمالة والكفاءات لا يعني بالضرورة خلق قيمة صافية كبيرة للاتحاد، بل يعكس إعادة توزيع داخلية لرأس المال البشري.

في المقابل، واجهت بريطانيا نقصا في بعض القطاعات، وعوضت جزءا من الهجرة الأوروبية بهجرة من دول خارج الاتحاد، خصوصا في الصحة والتعليم والخدمات.

إعلان

وتدعم بيانات الهجرة هذا التحول، إذ تشير تقديرات مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد إلى أنه منذ عام 2022 بات عدد مواطني الاتحاد الأوروبي المغادرين للمملكة المتحدة يفوق عدد القادمين إليها.


* بلغ صافي هجرة الأوروبيين (سالب 70 ألف) شخص خلال العام المنتهي في يونيو/حزيران 2025، بعدما غادر نحو 155 ألف مواطن أوروبي البلاد مقابل دخول 85 ألفا فقط.
* انخفض عدد مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في المملكة المتحدة بنحو 162 ألف شخص بين منتصف عام 2021 ومنتصف عام 2025 نتيجة صافي الهجرة السالب.
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار