تتجه كلفة خدمة الدين في أمريكا إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقد المقبل، في مسار يضع المالية العامة تحت ضغط متزايد ويعيد إلى الواجهة سيناريو ما يُعرف بـ"حلقة الهلاك" في أسواق السندات، حيث تتغذى مدفوعات الفائدة المرتفعة على مزيد من الاقتراض.
وتستند هذه المخاوف إلى أحدث التقديرات الصادرة عن مكتب الموازنة في الكونغرس -التي تناولتها وكالة بلومبيرغ- وأظهرت مسارا تصاعديا حادا لمدفوعات الفائدة مقارنة بحجم الاقتصاد والعجز الكلي.
وتُظهر التوقعات القياسية الجديدة للاقتراض الأميركي أن مدفوعات الفائدة الصافية لوزارة الخزانة سترتفع من تريليون دولار هذا العام إلى 2.1 تريليون دولار في 2036، أي ما يعادل نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ذلك الوقت، بحسب ما نقلت بلومبيرغ عن مكتب الموازنة في الكونغرس.
وتتجاوز هذه النسبة بمفردها الهدف الذي حدده وزير الخزانة سكوت بيسنت لخفض العجز إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية إدارة الرئيس دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني 2029.
كما أن نسبة 4.6% ستشكل الجزء الأكبر من العجز الإجمالي المتوقع عند 6.7% من الناتج بعد 10 سنوات، وفق التقديرات نفسها.
وتشير بلومبيرغ إلى أن هذا المسار يسلط الضوء على مخاطر ما يُعرف بـ"حلقة الهلاك"، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل تمويل الدين العام، ما يدفع الحكومة إلى اقتراض المزيد لتغطية كلفة الفائدة، في دورة قد تغذي نفسها ذاتيا.
ومع ذلك، لا يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس تحقق الجزء الأكثر قتامة من هذا السيناريو، إذ لا تظهر التقديرات قفزة حادة في عوائد السندات. فمن المتوقع أن ترتفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من 4.1% هذا العام إلى 4.4% فقط في 2036، وهو تغير وصفته بلومبيرغ بأنه "ليس صادما".
وقال مدير المكتب فيليب سواجل "إنها نظرة حميدة إلى حد بعيد لعوائد سندات الخزانة"، مشيرا إلى أن العوامل الديموغرافية، وعلى رأسها شيخوخة السكان، قد تسهم في كبح الضغوط الصعودية على الفائدة.
كما لفت استراتيجيون في مورغان ستانلي -بحسب بلومبيرغ- إلى أن السيولة والأمان اللذين توفرهما سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب محدودية البدائل عالميا، يدعمان استمرار الطلب عليها.
وأشار فريق الاستراتيجية الكلية في البنك بقيادة ماثيو هورنباش إلى أن الدخل الذي يحصل عليه المستثمرون من هذه السندات يسهم في دعم الاقتصاد الأوسع.
ورغم غياب قفزة حادة في العوائد، حذر جيم ريد، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي والاستراتيجية الموضوعية في دويتشه بنك، من أن "الحجم الهائل للدين القائم" واستمراره في الارتفاع قد يقيّد السياسة المالية في الإدارات الأميركية المقبلة.
وأضاف أن واشنطن قد تلجأ في نهاية المطاف إلى أدوات سياسية لخفض عوائد السندات لأجل 10 سنوات، مثل إعادة تصميم بعض القواعد التنظيمية المصرفية، بحسب مذكرة منفصلة أعدها زملاؤه ومن بينهم ماثيو راسكين.
وفي المحصلة، ترسم التقديرات صورة لا تصل إلى حد الأزمة الحادة، لكنها لا تعكس أيضا ارتياحا كاملا، إذ ترتفع كلفة خدمة الدين بوتيرة سريعة بينما تبقى العوائد مستقرة نسبيا، في توازن دقيق يضع السياسة المالية الأميركية تحت مجهر الأسواق خلال السنوات المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة