إذا ذهبت لشراء مجموعة من المواد الغذائية، وكنت معتادا أن تدفع مقابلها 100 دولار على سبيل المثال، ثم وجدت أن أسعارها ارتفعت بحيث أصبحت مضطرا لدفع 120 دولارا للحصول على السلع نفسها، فهذا يعني ببساطة أن القوة الشرائية لما لديك من نقود تراجعت، على الرغم من أن المبلغ الذي تمتلكه لم يتغير.
هذا التآكل في قيمة النقود هو الأثر المباشر للتضخم، الذي تعرفه كثير من المؤسسات الاقتصادية، ومنها صندوق النقد الدولي والاحتياطي الفدرالي الأمريكي، بأنه نسبة الارتفاع في أسعار السلع والخدمات خلال فترة محددة، مثل عام أو نصف عام.
وتقوم الحكومات بقياس نسبة التضخم استنادا إلى سلة من النفقات المنزلية الأساسية، منها الإيجار أو القرض العقاري وتكلفة الوقود والكهرباء والسلع الغذائية الرئيسية، مثل الخبز والخضراوات والألبان.
وتُعرف تكلفة هذه السلة بمؤشر أسعار المستهلكين، كما تعرف نسبة الزيادة فيها خلال فترة معينة بنسبة تضخم أسعار المستهلكين، وهو أحد أكثر مقاييس التضخم شيوعا.
وأدت المستويات العالية من التضخم عبر التاريخ إلى مشكلات سياسية واقتصادية كثيرة، خاصة إذا وصل ارتفاع الأسعار إلى ما يعرف بالتضخم "الجامح" (Hyperinflation)، الذي يقدره صندوق النقد بنسبة تضخم تصل إلى 1000% سنويا أو تتجاوزها.
ومن أبرز الأمثلة في التاريخ المعاصر على التضخم الجامح ما شهدته ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى، التي خرجت منها مهزومة، وألزمتها معاهدة فرساي بدفع تعويضات هائلة، الأمر الذي دفع الحكومة الألمانية إلى طبع كميات ضخمة من النقد غير المدعوم باحتياطيات ذهبية لدفع هذه التعويضات.
وكانت النتيجة تراجع قيمة المارك الألماني بشكل مذهل من 160 ماركا مقابل الدولار في عام 1922 إلى 4.2 تريليون مارك بنهاية 1923، وفق بيانات البنك المركزي الألماني عن هذه الفترة، الأمر الذي أصبحت معه المدخرات النقدية والرواتب بلا قيمة، وصارت أوراق النقد تستخدم أحيانا للتدفئة في سخرية لاذعة من انهيار قيمتها.
ولمواجهة هذه الأزمة قام المستشار الألماني غوستاف ستريسمان في نوفمبر/تشرين الثاني 1923 بطرح عملة جديدة باسم "رنتن مارك" (Rentenmark)، واستندت إلى ما تمتلكه الدولة من أصول، نظرا لعدم امتلاك ألمانيا احتياطيات من الذهب حينها، وفرضت الحكومة رهنا قانونيا على جميع الأراضي الزراعية والمصانع الألمانية لدعم قيمة العملة الجديدة.
ونجحت هذه السياسة في استعادة الثقة بالعملة الألمانية، وتم استبدال الماركات القديمة بسعر تريليون مارك قديم مقابل مارك واحد من العملة الجديدة.
لكن هذه التجربة القاسية تركت بصمة لا تمحى في الذاكرة الجمعية لألمانيا وأوروبا، إذ لاتزال السيطرة على التضخم هدفا أساسيا للمسؤولين الألمان عند وضع السياسات الاقتصادية.
ويمثل ارتفاع نسبة التضخم مشكلة سياسية لأنه يعني ارتفاع تكلفة المعيشة ويثير حالة من السخط والاستياء بين الناخبين.
كان هذا ما واجهه الرئيس الأمريكي السابق جيرارد فورد عندما وصل إلى البيت الأبيض في عام 1974، حيث عانت الولايات المتحدة وقتها من تضخم بنسبة 12% علاوة على ارتفاع البطالة.
حينها وصف فورد التضخم، في جلسة مشتركة للكونغرس بشأن السياسات الاقتصادية لمواجهة الأزمة، بأنه "العدو الأول للبلاد"، وأنه "سيدمرنا إذا لم يتم تخفيضه".
ورفع فورد شعار "إزالة التضخم الآن"، وطالب بتخفيضه بشكل فوري.
لكن فورد لم يتمكن من تحقيق هذا الهدف، وتطلب الأمر في نهاية المطاف قيام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي) برفع أسعار الفائدة بشكل كبير لخفض السيولة، الأمر الذي فاقم حينها من الركود الاقتصادي.
وتركت تجربة التضخم المرتفع في الولايات المتحدة خلال السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات أثرها على السياسات التي يتبعها الاحتياطي الفدرالي، وبلغ التضخم أحيانا 14%.
وتهدف سياسية الفدرإلى تحقيق هدفين، هما:
واستمرت معركة الولايات المتحدة مع التضخم حتى يومنا هذا، وحذر رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول من التداعيات الاقتصادية للحرب التجارية التي كانت أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدا أنها قد تزيد من الضغوط التضخمية وتبطئ وتيرة النمو الاقتصادي.
ويحدد الاحتياطي الفدرالي المستوى الذي يستهدفه من التضخم عند نسبة 2%، إذ أن هذا الارتفاع المحدود في الأسعار يمثل هامشا لحماية الاقتصاد من انكماش الأسعار، والذي يعني، بعكس التضخم، انخفاض أسعار السلع والخدمات عبر فترة زمنية محددة.
وانكماش الأسعار بدوره غير مرغوب من قبل صناع السياسات الاقتصادية، إذ قد يتسبب في خسائر للشركات وأصحاب الأعمال، مما قد يؤدي إلى تراجع مستوى التوظف.
ويستخدم الاحتياطي الفدرالي، وغيره من البنوك المركزية، سعر الفائدة للتحكم في المعروض النقدي، وبالتالي السيطرة على التضخم، فرفع سعر الفائدة يزيد من تكلفة الاقتراض بالنسبة للأفراد والشركات وبالتالي يحد من السيولة في الأسواق.
تشير توقعات صندوق النقد الدولي للعام 2026 إلى أن قائمة الدول الأعلى تضخما (متوسط التضخم السنوي) في العالم جاءت كالتالي:
نظرا لأن التضخم يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، وتآكل قيمة الرواتب والمدخرات النقدية، فإن خبراء الاستثمار ينصحون بخطوات عملية للحد من آثاره.
وهذه بعض النصائح من مؤسسات مالية بريطانية لحماية أموالك من التضخم، من بينها "ليغال آند جنرال" للاستثمار، وشركة "أفيفا" للتأمين، وشركة "فيدالتي" للاستثمار:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة