آخر الأخبار

أبطاله حمالون وصيادون هزموا العواصف.. رحلة في عالم حنا مينه “شيخ البحارة”

شارك

أيها الأزرق أنت، يا بركة كبيرة من دموع السماء، يا صينية واسعة من أشعة الشمس وضوء القمر… الليلة نغني معا، منك العتابا ومني الميجانا، يا بحر كل العيون عيون وأنت عيوننا

كان هذا السرد شديد الشاعرية واحدا من السرود غير القابلة للعدّ التي قدّمها الكاتب والروائي السوري الراحل حنّا مينة من رحم تجربته ووافر تأمله في البحر وأهله وحكاياتهم. وجاءت هذه الكلمات على لسان شخصية "زكريا المرسنلي" في رواية "الياطر"، إحدى الروايات التي رسخت الصلة بين اسم مينة وعالم البحر في الأدب العربي.

وصادفت الأسبوع الماضي الذكرى الثامنة لرحيل الروائي الذي لُقِّب بـ"شيخ البحّارة" لكثرة ما أنتج من روايات تشبّعت برائحة المرافئ وملح البحر، واستمدّت من حياة الصيادين والبحّارة والحمّالين والعمّال مادتها الأولى. ولكن كيف صاغ حنا مينة من البحر مشروعا روائيا متكاملا، وجعل منه واحدا من العوالم الأكثر رسوخا في الرواية العربية المعاصرة؟

الرواية العربية تكتشف بحرها

شكّل البحر، منذ اختراع الكتابة، فضاء خصبا لحياكة الأساطير ونسج الحكايات؛ بدءا من " الأوديسة" ومغامرات "السندباد"، وصولا إلى الرواية الحديثة التي جعلت منه موضوعا أدبيا بامتياز، كما في صراع الإنسان الملحمي في "موبي ديك" لهرمان ملفيل، أو فضاء كونراد الأخلاقي في "قلب الظلام"، أو تحدي قوى الطبيعة في "الشيخ والبحّار" لإرنست همنغواي.

وهكذا تشكّل ما صار يُعرف بـ"أدب البحر" بقاموسه وعوالمه الخاصة. أما في الرواية العربية المعاصرة، فقد اقتصر حضوره على ومضات متفرقة، حتى جاء حنا مينة ليخرجه من الحضور العابر إلى مساحة واسعة تتشكّل فيها الشخصيات، وتتشابك المصائر، وتتحرّك الصراعات، واضعا الرواية العربية بثقة على خارطة هذا الأدب العالمي.

لحمي سمك ودمي ماء مالح

كان أول من لاحظ نبوغ مينة في توظيف البحر وعناصره الرمزية الأديب السوري الراحل سعيد حورانية، الذي وصفه بأنه "من رواد البحر في الأدب العربي"، فيما اعتبره سهيل إدريس مؤسس هذا الأدب عربيا دون منازع.

إعلان

وظلّ مينة نفسه يتأمل المفارقة بين قلّة اهتمام الأدباء العرب بالبحر والامتداد الشاسع للسواحل العربية، ليعتبر نفسه سفيرا للماء على اليابسة قائلا: "البحر بالنسبة لي ظمأ لا يرتوي، وشوق لا يطفئ، وعالم أرادني القدر أن أكون ترجمانه، أرسم بالكلمات عجائبه السبع للناس".

ولا يمكن فهم علاقة مينة بالبحر دون تلمّس سيرته الذاتية؛ فقد ولد في عام 1924 لعائلة متواضعة الحال في اللاذقية. أوقفه الفقر عن التعليم، ودفعه للعمل في مهن شاقة من مساعد حلاق إلى جليس أطفال، وصولا إلى عمله "حمالا" في الميناء، قبل أن تسمح له الأقدار بركوب الأمواج كبحّار.

مصدر الصورة صدرت رواية "الشراع والعاصفة" لحنا مينه في عام 1966 (الجزيرة)

خَبُرَ مينة العمل الشاق، واحتكّ بالصيادين تحت شمس حارقة، وفهم تناقضات علاقتهم بهذا الكائن الأزرق العظيم، لتنتقل هذه التجارب لاحقا إلى تفاصيل أبطاله.

وهكذا توحّد الروائي مع عالمه، فكتب يصف هذه الرابطة الوجودية:

لحمي سمك البحر، ودمي ماؤه المالح. صراعي مع القروش كان صراع الحياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جسدي. فإذا نادوا يا بحر أجبت أنا، البحر أنا، فيه ولدت، وفيه أرغب أن أموت

أبطال الساحل المسحوقون

وجد مينة في البحر امتدادا لمشروعه الواقعي، وانحاز سرده لأبناء الطبقات المسحوقة. كان هذا الالتزام وثيق الصلة بحياته التي تخللها العمل المتعب، والعيش الشظف، والعمل الحزبي، وتجربة السجن والتعذيب، ما دفعه لجعل الإنسان المهمَّش والمعذَّب في صلب اهتمامه الأدبي.

اختار أبطاله من العمال والبحارة الأشدّاء الذين أنهكهم الفقر، لكنّهم احتفظوا بقدر من العناد يمنعهم من التسليم بالهزيمة. ولم ينفصل البحر عن صراعاتهم، بل اتسعت زرقته لتتحول إلى مسرح لثنائيات مشروعه: الشجاعة والكرامة مقابل الخوف والفقر.

ولم تقتصر هذه العوالم على الحضور الذكوري الخشن للمرفأ، بل تقاطع البحر في أدب مينة مرارا مع صورة المرأة؛ فالبحر كالأنثى في نصوصه؛ يهب الخصوبة والحياة والاحتواء تارة، ويفاجئ أبطاله بالغدر والتقلبات العاصفة تارة أخرى، لتكتمل لوحة الصراع الإنساني. وبين هذه التناقضات، تشكّلت ثنائيته الأبرز: الإنسان الذي يريد أن يكون سيد مصيره، والعالم الذي يذكّره باستمرار بأنه ليس كذلك.

الشراع والعاصفة.. بحّار بلا بحر

مع صدور رواية "الشراع والعاصفة" في عام 1966، اتضحت ملامح العالم البحري لمينة من خلال "الطروسي"؛ البحّار الذي فقد مركبه في عاصفة هوجاء، فافتتح مقهى قريبا من المرفأ، يعيش على اليابسة بينما يشعر أن حياته المتمنّاة تجري على بعد أمتار منه.

بذلك قدّم مينة أحد أشهر البحّارة مبعدا عن البحر، مانحا الرواية توتّرها الأساسي؛ فحضور الماء المرئي والممتنع في آنٍ واحد، حوّل حلم العودة إليه إلى رغبة تستنزف البطل. ومن خلال المقهى، يدخل إلى الحكاية العمّال والمناضلون في ظل الحرب العالمية الثانية والنضال ضد المستعمر الفرنسي.

يمثل الطروسي نموذجا للرجل القوي العنيد الذي يشعر بالإهانة لعجزه عن تقرير مصيره، وتظل علاقته بالماء اختبارا متكررا للقوة. وصف مينة الرواية بأنها "قصيدة بحرية على فم شاعر بحري، قذفته الأمواج إلى اليابسة كي ينشد قصيدته ويعود إلى مملكة أبيه". وقد نجحت الشخصية في اكتساب حياة تتجاوز الورق، حتى ادعى بحّارة كثر في اللاذقية أنهم هم "الطروسي". عبره، بلغ البحر دلالته الأعمق كمكان لا يستطيع البطل العيش فيه، ولا تعريف نفسه بعيدا عنه.

من الذاكرة إلى الإرث الثقيل

في عام 1972، أخذ مينة البحر إلى مساحة أشدّ عزلة في "الياطر"، عبر "زكريا المرسنلي"، الصياد الذي دفعته جريمة قتل للفرار نحو الغابة. يعيش زكريا وحيدا على الشاطئ، ويبقى البحر الخيط الوحيد الذي يربطه بحياته السابقة، ليتحول إلى مستودع للذاكرة الشخصية، وجزء راسخ من هويته يفوق في حيويته واقعه الجديد الموحش.

مصدر الصورة صدرت "رواية الياطر" لحنا مينه عام 1972 (الجزيرة)

ومع "حكاية بحّار" (1981) بدأت ثلاثية امتدت عبر "الدقل" (1982) و"المرفأ البعيد" (1983)، ليغدو البحر جزءا من سيرة عائلية يحملها سعيد حزوم عن أبيه صالح. يكبر الأب المغامر في وعي الابن، ويتحول إرثه إلى عبء يفرض عليه البقاء وفيا لصورة من الجبروت يصعب بلوغها، متكثفة في وصية الأب:

"عانق البحر ساعة الشدة، فالبحر يعرف رجاله الشجعان ويحميهم… أوصيك بأخلاق البحّارة الحقيقيين"

في "المرفأ البعيد"، يمضي سعيد بعيدا في النضال السياسي، لكنه يظل معلقا بصورة والده. وكحال جميع أبطال مينة، يظل الوصول مؤجلا لأن الخيط الذي يشدّهم إلى البحر لا ينقطع. تتسع دلالة البحر هنا ليصبح حاملا لإرث الأب ومجالا لاختبار الابن، وصلة خفية بين زمنين.

إعلان

وحتى حين يبتعد مينة عن مركز الحكاية، كما في "المصابيح الزرق" و"نهاية رجل شجاع"، تبقى مفردات الساحل وشخصياته المنحوتة على صورة البحر حاضرة بقوة. وبعد ستة عقود على بداياته، وثماني سنوات على رحيله، بقي البحر أكثر العوالم التصاقا باسم حنا مينة، دخله محملا بفقر الطفولة، وخرج منه بعالم روائي جعل للماء ذاكرة ثابتة لا تُمحى في الأدب العربي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار