آخر الأخبار

أسرار معمارية في بناء مساجد بجدة والمدينة المنورة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في صباح يوم شتوي على كورنيش جدة، وقف المهندس المصري عبد الواحد الوكيل أمام مشهد يحبس الأنفاس؛ كانت سيارة تابعة للبلدية قد سقطت في حفرة مفاجئة، ليكتشف الجميع أن البحر قد أكل الرمال من تحت أساسات مسجد الجزيرة بالكامل، تاركا المبنى طائرا -على حد وصفه- في الهواء دون سند.

هرع أمين المدينة والمهندسون وهم يترقبون انهيار المسجد المبني من الطوب في أي لحظة، لكن الوكيل وقتها عزا متهكما سر ثبات المبنى إلى الملائكة، تجنبا لكشف السر المعماري الذي حافظ على المسجد متماسكا دون شرخ.

مصدر الصورة عبد الواحد الوكيل يستلم جائزة الإنجاز المعماري مدى الحياة من مؤسس جائزة تميّز ووزير التعليم والبحث العلمي العراقي ممثلا عن السيد رئيس مجلس الوزراء (موقع جائزة تميّز)

عكست عبقرية التصميم براعة المعماري المصري، وهو ما استفاض في سرده خلال حلقة استثنائية (يمكنكم مشاهدتها بالضغط هنا) من برنامج "بالتفصيل" على منصة " أثير".

الأمر الذي مكنه لاحقا من حصد جائزة من مجلة التصاميم البيئية في لندن، تقديرا لتميز دراساته البيئية والمعمارية أثناء تصميم مسجد الكورنيش عام 1984 قبل فوزه بجائزة آغا خان للمسجد نفسه عام 1989.

ويروي الوكيل حكاياته المدهشة مع مساجد جدة والمدينة المنورة، وكيف تحول المعمار في يده من مجرد هندسة إلى فعل إيماني -على حد قوله-.

مصدر الصورة مسجد الكورنيش أو مسجد الجزيرة في مدينة جدة (موقع madeinjeddah)

معجزة الجزيرة

بدأت الحكاية بقرار جريء؛ فقد طلب الوكيل من أمين محافظة جدة آنذاك، محمد سعيد فارسي، بناء مسجد فوق جزيرة مرجانية.

وبينما كانت الشركات العالمية تطالب بأسياخ خرسانية بعمق 40 مترا وتكلفة باهظة، قرر الوكيل الاستغناء عن الأسمنت والحديد تماما.

بنى الوكيل مسجد الجزيرة بنظام الجدران الحاملة والقباب من الطوب والآجر، متحديا زلازل الأرض ورطوبة البحر.

إعلان

وحين اكتشفت المغارة التي حفرها البحر تحت المسجد، ظل البناء صامدا بلا شرخ واحد، ليثبت للعالم أن العمارة التقليدية التي سخر منها دعاة الحداثة، كانت أقوى من خرساناتهم الملساء.

وبعد نجاحه في جدة، نُقل الوكيل إلى أقدس بقاع الأرض لتجديد وتوسعة مساجد المدينة المنورة بدءا من مسجد قباء والقبلتين وصولا إلى ميقات ذي الحليفة.

وهنا، يروي الوكيل قصة لافتة أثناء العمل في مسجد قباء، يقول الوكيل: "رأينا رجلا عجوزا نحيلا يصر على البناء معنا دون أجر، وحين قبض عليه أمن المشروع ليكتشفوا هويته، قال لنا كلمات لن أنساها: أأنتم تظنون أنكم تبنون هذا المسجد؟ انظروا حولكم.. الملائكة تطوف هنا وهي التي تبني".

كان الوكيل يدرك تماما أن هذه المساجد ليست مجرد مبانٍ، بل هي "بوابة العمارة الإسلامية" كما ذكر في الحلقة.

بالتعاون مع وكيل وزارة الأوقاف آنذاك، حسام خاشقجي، استطاع المعماري المصري أن يمرر تصاميمه القائمة على الطوب بعيدا عن أعين البيروقراطية التي كانت تحتقر الأساليب القديمة، ليخلق فضاءات روحانية يشعر فيها المصلي بالسكينة والخشوع.

السر في الحرف اليدوية

يرى عبد الواحد الوكيل أن سر الروح في مساجد المدينة وجدة يكمن في يد الإنسان وحرفته ومهارته اليدوية، فمنذ تلمذته على يد الرسام الإيطالي سيلفيو بيكي الذي علمه كيف يرى الألوان، وصولا إلى معلمه الأكبر حسن فتحي الذي غيّر رؤيته للحياة بعد نكسة عام 1967، أدرك الوكيل أن المعمار فعل أخلاقي.

يقول الوكيل بمرارة: "المخ حين لا يشتغل بالإيد.. يشط (يُجن)". لذلك حارب البنوك التي ترفض إقراض من يبني بالطين والحجر وحارب "قانون الأسمنت" الذي يراه يقتل الناس حرارة الصيف التي تصل إلى 90 درجة أحيانا.

وهو ما دفعه لاتباع أسلوب البناء القديم بالطين والطوب بدلا من الخرسانة والأسمنت.

ويعبر المعماري المصري عن إيمانه بأن يد البنّاء التي تلامس الحجر وتضع الطوبة تلو الأخرى، تبث في الجدران بركة لا تملكها الآلات، وتابع أن ما علّمه للعمال الباكستانيين نفعهم لاحقا ليبنوا هم أيضا في بلدانهم بالطوب وبنفس الأسلوب الذي اتبعه الوكيل في تصاميمه المعمارية.

لم يكن الوكيل يهتم بجوائز "آغا خان" التي حصدها، أو بطلب الملك تشارلز منه تصميم مركز أكسفورد الإسلامي، بقدر ما كان يهتم بالإنسان.

وقد حاز المعماري المصري على عدة جوائز أخرى، أبرزها جائزة آغا خان للعمارة عن تصميمه "بيت حلاوة" بالإسكندرية عام 1980، ثم جائزة الملك فهد للبحوث في العمارة الإسلامية عام 1985، وجائزة الزمالة الفخرية من المعهد الأمريكي للمهندسين المعماريين، وصولا إلى جائزة ريتشارد لإسهاماته في الهندسة المعمارية الكلاسيكية عام 2008.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار