تمر القضية الفلسطينية اليوم بأحد أكثر منعطفاتها قتامة وحسما في تاريخها الحديث؛ فالإبادة الجارية في غزة، وما يصاحبها من تدمير منهجي للنسيج الاجتماعي ومحاولة محو الذاكرة الثقافية للشعب الفلسطيني، تجري أمام أعين نظام عالمي تتبدى فيه انهيارات أخلاقية فادحة، وانتهازية جيوسياسية صارخة، وصمت -بل وتواطؤ- عربي ودولي واسع.
ما يحدث ليس مجرد عدوان عسكري، بل هو حرب متعددة الأبعاد أصبحت فيها السردية والوعي والشرعية التاريخية ساحات مركزية للصراع. وفي هذا السياق، لم يعد إنتاج المعرفة فعلا أكاديميا محايدا، بل صار ركيزة من ركائز المقاومة وصياغة الهوية وصيانة الوجود الجمعي.
وفي خضم هذا الواقع، يبرز كتاب "دروس القدس وفلسطين – Kudüs ve Filistin Dersleri" الصادر باللغة التركية عن مطبعة جامعة ماردين أرتقلو، بوصفه مشروعا علميا طموحا واستجابة معرفية تتصدر معركة الوعي.
هذا العمل الجماعي الضخم، الذي يقع في 535 صفحة ويضم 25 بحثا متخصصا إلى جانب 43 مادة وثائقية، يمثل تدخلا أكاديميا وتربويا يروم تزويد جيل جديد من الطلاب بفهم راسخ للقضية الفلسطينية.
صيغ الكتاب ليكون مقررا دراسيا يخدم برامج البكالوريوس والدراسات العليا، وتعكس ترجمته الجارية إلى العربية والإنجليزية رغبة في توسيع أثره العلمي كمرجع راسخ للتعليم ونشر الوعي العام
يقف في قلب الكتاب مشروع تحريري واضح المعالم صاغه البروفيسور إبراهيم أوزجوشار، الذي حول جامعته إلى أحد أبرز المراكز التركية انخراطا في دراسات فلسطين. يؤطر أوزجوشار في مقدمته الكتاب بوصفه مشروعا تربويا متكاملا يستهدف بناء «وعي مقاوم بالمعرفة»، وهو خيط ناظم يتردد صداه في مختلف فصول العمل.
ويرى المحرر أن تناول القضية الفلسطينية لا يمكن أن ينهض على تخصص واحد، بل يتطلب تبني منظور متعدد التخصصات يستوعب التاريخ، والعلوم السياسية، والدينية، والسوسيولوجيا، ودراسات الذاكرة الثقافية.
يغدو الكتاب محاولة علمية ومؤسسية لمقاومة المحو المعرفي، وحفظ الحقيقة التاريخية، وترسيخ حضور فلسطين في التعليم الجامعي المعاصر
ويحمل اختيار مدينة "ماردين" مركزا لهذا المشروع دلالة إضافية؛ فهذه الحاضرة التاريخية الواقعة عند تخوم الأناضول وبلاد الرافدين وبلاد الشام شكلت عبر قرون جسرا حضاريا بين الشعوب التي أسهمت في تشكيل تاريخ فلسطين نفسها.
يمثّل كتاب "دروس القدس وفلسطين" عملا معرفيا متماسكا تتراكم فصوله السبعة لتؤسّس مشروعا بيداغوجيا متكاملا يهدف إلى بناء وعي فلسطيني تاريخي وناقد لدى طلبة الجامعات. ويبدأ الكتاب بمقدمة المحرّر التي كتبها إبراهيم أوزجوشار، وفيها يحدّد الإطار الأخلاقي والرسالي للمشروع، رابطاً إياه بالإبادة الجارية في غزة، وداعياً إلى مقاومة معرفية تعيد للإنسان دوره الأخلاقي في لحظة انهيار عالمي للضمير. وهي كالتالي.
الفصل الأول – المدخل والمفاهيم التأسيسية: من إعداد إبراهيم أوزجوشار، وخالد عويسي، وأحمد سلجوق أوغلو؛ ويضع الأسس الإبستمولوجية للكتاب. فهو يحرّر المفاهيم المركزية المتعلقة بالقدس وفلسطين، ويفضح التشويهات الاستعمارية التي لحقت بالمعرفة، ويثبت أنّ القضية الفلسطينية ليست مسألة تاريخية فحسب بل مسؤولية أخلاقية وحضارية راهنة.
الفصل الثاني – القدس مدينة مقدّسة: وفيه يقدّم عبدالعزيز قيرنشال وإلدر حسن أوغلو (في دراستين عن اليهودية والمسيحية) قراءة لاهوتية تكشف أثر القداسة في تشكيل الهوية وروايات الشرعية، ويبيّن الفصل كيف تتحوّل النصوص الدينية إلى أدوات صراع سياسي.
الفصل الثالث – المسارات التاريخية: يجول في العصور المتعاقبة للقدس؛ حيث يتناول خالد عويسي التاريخ حتى الحروب الصليبية، ويدرس إحسان سريّا صِرما وعبدالعزيز قيرنشال عهد صلاح الدين، بينما يتناول عيسى براعية الحقبة العثمانية، وتستعرض سيبال جيلان ييغيت سياسة السلطان عبدالحميد تجاه القدس وفلسطين. ويكشف الفصل نماذج الحكم العادل والتعايش التي ميّزت العصور الإسلامية، في مقابل البنية الإحلالية الحديثة.
الفصل الرابع – الاستعمار والصهيونية والاحتلال: يضمّ تحليلاً نظرياً للصهيونية يقدّمه ميم كمال أُكه، ثم دراسات لإسراء تشاوش أوغلو، ومصطفى أُكسوز، ومندرس كورت، حول سياسات الانتداب البريطاني والمجتمع الفلسطيني قبيل النكبة والمشروع الإحلالي منذ عام 1948. ويثبت الفصل أنّ الصهيونية منظومة شاملة للهندسة الديموغرافية والمعرفية.
الفصل الخامس – المدينة والمكان والفن: وفيه تدرس شريفة أروغلو ممّيش العمران المقدسي، ويكشف بلال طُبراق توظيف الآثار لصناعة ادعاءات الهيمنة، ويقدّم أنس آتش الفنّ بوصفه لغة مقاومة وحفظ للذاكرة.
الفصل السادس – المقاومة وحقوق الإنسان والواقع الراهن: وهو الأكثر تنوعا؛ حيث يوثّق عبدالقادر بَكَل الانتهاكات، ويبحث صدقي قَرادنِيز حقّ العودة، ويحلل عبدالغني بوزقورت حركة المقاومة، بينما تقدّم هاجر شاهنالب وإيمان روبين عبدالعزيز أبو هدورة دور المرأة، ويختم محمد راقيب أوغلو بقراءة دامية لجرائم الإبادة في غزة، ليظهر الفصل أنّ المقاومة فعل وجود لا خيار سياسي.
الفصل السابع – آفاق المستقبل: من إعداد عبدالعزيز قيرنشال وإبراهيم أوزجوشار، ويفتح أفقاً فكرياً حول مستقبل القضية وأفول الصهيونية تحت ضغط الحقائق الديموغرافية والأخلاقية والسياسية.
يمثل القسم الوثائقي أحد أبرز الإسهامات الفكرية في الكتاب؛ فهذا الرصيد الواسع من المواد التي تؤرخ للأماكن والأحداث والشخصيات، يشكل منهجا موازيا في بناء الذاكرة المكانية والوعي التاريخي.
فمدخل الأماكن (كجبل الزيتون والمسجد الإبراهيمي) يمنح القارئ القدرة على قراءة الأرض من خلال طبقاتها الحضارية. أما الأحداث فتبني إطارا زمنيا يتيح للطالب تتبع منحنى الإبادة والمقاومة. ويزداد البعد التربوي عمقا مع تراجم الشخصيات (من إدوارد سعيد وعز الدين القسام، إلى مانديلا وأحمد ياسين)؛ لتكون "مرايا قيمية" يرى من خلالها الطالب نماذج للثبات الأخلاقي والمقاومة العابرة للحدود.
هذا الملحق يحول الكتاب إلى «أرشيف سردي بصري»، بحيث لا تبقى فلسطين موضوعا نظريا، بل واقعا إنسانيا تتقاطع فيه الجغرافيا مع الدم، والمظلومية مع الأمل.
يقدم الكتاب إسهاما فارقا في المشهد الأكاديمي التركي بشموليته غير المسبوقة، وتماسك رؤيته التحليلية التي تتمحور حول كرامة الإنسان وأخلاقيات التحرر. وتبرز قوته في الثروة المعرفية التي استدعاها عبر نخبة من الأساتذة الراسخين، إلى جانب خضوعه لمراجعة علمية دقيقة تزيد من مصداقيته كمرجع جامعي.
ولمزيد من الإثراء التربوي، يقترح في الطبعات القادمة تضمين "معجم اصطلاحي موجز" يعرف المفاهيم السياسية والتاريخية لتسهيل القراءة لغير المتخصصين، وتوسيع مشاركة الباحثين الفلسطينيين من غزة والضفة والداخل المحتل لتعميق الرواية وربط المعرفة بالتجربة الأصيلة.
شهدت تركيا خلال العقدين الأخيرين صعودا لافتا جعلها من أهم المراكز الأكاديمية في دراسات القدس وفلسطين، إنتاجا للبحوث، وصياغة للوعي، وتشكيلا للخطاب العام. ويأتي كتاب دروس القدس وفلسطين في قلب هذا الزخم بوصفه إسهاما محوريا يعزّز ريادة تركيا في بناء الوعي الإقليمي بالقضية. فالجامعات التركية باتت لاعباً أساسياً في ترسيخ رؤية معرفية وأخلاقية لدى طلاب العالم الإسلامي، وهذا الكتاب يمثّل نموذجاً ناضجاً لهذه المهمة.
تعلن مدينة ماردين بصدارتها لهذا المشروع أن القضية الفلسطينية ليست شأنا تختص به العواصم الكبرى وحدها، بل يحمله الوجدان التركي بأسره
وتزداد دلالته عمقاً بصدوره من مدينة ماردين، بما لها من تاريخ حدودي تراكمي يجعلها جسراً حضارياً بين الثقافات؛ وكأن المدينة تعلن أن القضية الفلسطينية ليست شأنا تختص به العواصم الكبرى وحدها، بل يحمله الوجدان التركي بأسره.
وعلى الصعيد الدولي، يمتلك الكتاب قابلية عالية للاعتماد في الجامعات العربية والأوروبية والآسيوية التي تبحث عن مادة منهجية متعددة التخصصات حول فلسطين. ويتناغم صدوره مع التحول العالمي نحو “العلم العام المتعلق بفلسطين”، حيث تغدو المعرفة الأكاديمية أداة للوعي والعدالة. ومن ثَمّ، يمثّل الكتاب محطة إقليمية مهمة وإضافة نوعية للجهد العالمي الساعي إلى ترسيخ عدالة القضية الفلسطينية.
ليس كتاب "دروس القدس وفلسطين" عملاً معزولاً، بل بوابة تفضي إلى مسارات واسعة من التطوير المعرفي والتربوي والبحثي. ولعل أبرز هذه المسارات إمكان تطوير سلسلة علمية ثلاثية اللغات: تركية–عربية–إنجليزية، تتيح تداول المعرفة بين أوسع نطاق من الجامعات، وتُنشئ جسوراً حقيقية للحوار الأكاديمي الممتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا وجنوب شرق آسيا.
ويمثّل الفصل الختامي في الكتاب حول “مستقبل القضية الفلسطينية” أرضية خصبة لتشكيل أجندات بحثية جديدة تعيد التفكير في خرائط الجيوبوليتكس، ودراسات المقاومة، والتحولات الديموغرافية، ومستجدات القانون الدولي في ضوء المتغيرات الراهنة. وفي الأفق أيضاً حاجة واضحة إلى توسيع المحتوى الرقمي والوثائقي للمشروع، عبر أرشيفات متعددة الوسائط، وخرائط تفاعلية، ومقاطع تعليمية قصيرة تُثري التجربة الصفية.
كما يفتح الكتاب الباب أمام أنشطة طلابية فاعلة: حلقات قراءة، ملتقيات شبابية، مؤتمرات مصغّرة، ومشروعات للوعي المجتمعي. وفي جوهر الأمر، يمكن لهذا الكتاب أن يكون نواة مدرسة معرفية تركية–فلسطينية مشتركة، تُزاوج بين الذاكرة التاريخية والمنهجية البينية والالتزام الأخلاقي بالعدل، وتُعدّ جيلا أكاديميا قادرا على رسم سردية عالمية متوازنة للقضية الفلسطينية.
يقف كتاب "دروس القدس وفلسطين" بوصفه أكثر من عمل أكاديمي جامع؛ إنه بيان وعي يطمح إلى إعادة البوصلة الأخلاقية والعمق التاريخي في تدريس القضية الفلسطينية داخل الجامعة. ومن خلال مزجه الرشيق بين السرد التاريخي والتحليل السياسي والقراءة الثقافية والشهادة الوثائقية، يصوغ الكتاب إطارا معرفيا متعدد الأبعاد يمكّن الطلاب والباحثين من التعامل مع إحدى أكثر قضايا العصر إلحاحاً وتعقيداً.
وبفضل طبيعته البينية ومنهجه التعليمي الواضح، يمثّل الكتاب خطوة رائدة في التعليم الجامعي عن فلسطين في تركيا، ونموذجاً قابلاً للتكييف في جامعات العالم، وهو عمل جدير بأن يُقرأ ويُدرَّس ويُتناقش حوله، وأن يُبنى عليه في مشروعات تعليمية وبحثية لاحقة، وفي محصّلة الأمر، يمنح هذا الكتاب قارئه مرساة فكرية وبوصلة أخلاقية لفهم فلسطين بوعي راسخ ومسؤولية تاريخية.
* أستاذ الفقه وأصوله المشارك، كلية الإلهيات – جامعة ماردين أرتقلو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة