في صيدا، حيث الأزقة الحجرية تحفظ وقع الخطوات القديمة، وحيث للبحر رائحته التي تختلط بنداء المؤذن، ولد صوت قرآني لم يكن مجرد تلاوة بل جزءا من الذاكرة السمعية للمدينة وامتدادها الجنوبي.
عام 1930، أبصر محيي الدين طالب سعدية النور في بيئة لم يعامل فيها القرآن كنص يتلى فحسب بل كأسلوب حياة، وإيقاع يومي يتسلل إلى تفاصيل البيت والشارع والمجلس. كان الصوت حاضرا في المنزل كما لو أنه فرد من العائلة، والآيات تتردد بطمأنينة لا تعرف الاستعراض.
نشأ محيي الدين في أسرة عرفت بحبّ القرآن وجمال الأداء، شقيقه الأكبر امتلك صوتا لافتا اعتاد إحياء المحافل والمجالس قبل رحيله، فيما احترف أحد إخوته تلاوة القرآن الكريم. في هذا المناخ، تشكلت أذن الطفل مبكرا، فتعلم الإصغاء قبل القراءة، والتمهل قبل إطلاق الحرف، وكأن الصوت أمانة لا تُؤدّى إلا بحقها.
لم يتأخر أهل المدينة في ملاحظة موهبته، كان صوته دافئا، رخيما، يحمل خشوعا فطريا بلا تكلف، ما جعلهم يستعينون به في مجالس العزاء والمناسبات الدينية وهو لا يزال في مقتبل العمر. لم يكن يرفع صوته ليبهر بل يخفضه ليُطمئن.
المحطة المفصلية في مسيرته جاءت حين كلفته الأوقاف الإسلامية في صيدا بالإمامة في مسجد باب السراي، حيث أمّ المصلين في صلاتي العشاء والفجر خلفا للشيخ عثمان حبلي بعد أن تقدم به العمر وضعف بصره.
كان صوت محيي الدين سعدية دافئاً رخيماً؛ لم يكن يرفع صوته ليبهر، بل كان يخفضه ليُطمئن
من ذلك المحراب، بدأ اسم محيي الدين يترسخ أكثر، وصار صوته مألوفا، يحمل سكينة الليل في العشاء، وهدوء الفجر حين تتسلّل الآيات مع أول خيوط الضوء.
اتسعت دائرة حضوره سريعا، فبات يُدعى لإحياء المجالس الدينية في القرى المحيطة بصيدا، قبل أن تمتد تلاوته إلى قرى جنوب لبنان، وصولا إلى مناطق حدودية مثل العديسة وكفركلا.
لم يكن ضيفا عابرا، كان يستقبل في بيوت الأهالي، يقيم بينهم أياما، في علاقة تتجاوز التلاوة إلى الألفة ويغلب عليها الاحترام المتبادل.
حرصا على إتقان أدواته وعدم الاكتفاء بالموهبة الفطرية، شد محيي الدين الرحال إلى مصر بعد مشاركته في حفل تأبيني في صيدا.
تعلم أصول التجويد على قواعدها الصارمة، من التفخيم والترقيق إلى ضبط المدود والتنفس والتحكم بالمقامات. عاد من رحلته أكثر رسوخا، يحمل علما يساند صوته ويمنحه ثباتا دون أن يفقد عفويته الأولى.
يردد دوما أن الصوت رزق، وأجمل ما فيه أن يُسخّر لكتاب الله، لا أن يحمل ما لا يليق به
وخلال تلك الرحلة وما بعدها، ظل ينظر إلى صوته لا بوصفه تميزا شخصيا بل كنعمة وهبها الله وأوجب شكرها. لم يتعامل معه كأداة استعراض أو وسيلة حضور، بل كأمانة تستدعي التواضع والانضباط.
كان يردّد في مجالسه أن الصوت رزق، وأن أجمل ما فيه أن يُسخَّر لكتاب الله، لا أن يحمل ما لا يليق به. لذلك بقي حريصًا على نقاء الأداء وصدق النبرة، مؤمنا بأن الخشوع لا يتعلّم بقدر ما يصان.
لم يكن سعدية قارئ شهرة، بل كان قارئ مكان وزمن؛ ارتبط صوته بوجوه الناس وليالي المحراب في صيدا
واصل تلاوته في البيوت والمجالس، في المقابر والمساجد، فكان صوته حاضرا في الجامع الكبير في صيدا، ومسجد قطيش، ومسجد البراني إلى جانب مسجد باب السراي. لم يكن صوته صاخبا ولا مستعرضا بل متزنا، يعرف متى يلين، ومتى يشتد، ومتى يترك للآية أن تقول معناها بصمتها الداخلية.
كرس محيي الدين طالب سعدية حياته لخدمة كتاب الله تلاوة وتعليما، واتّخذ من صوته رسالة لا تبحث عن الأضواء. لم يكن قارئ شهرة بل قارئ مكان وناس وزمن، صوته مرتبط بالوجوه والليالي والمحراب.
اليوم، يستعاد اسمه بوصفه أحد الأصوات التي شكلت الوجدان الديني في صيدا وجنوب لبنان، صوتا ما زال صداه حاضرا كلما ارتفعت آية تُتلى بخشوع صادق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة