مالك زبلح*
يبدأ سؤال التمويل في القدس من مفارقة واضحة، وهي كيف يمكن لمؤسسة ثقافية أن تحمي هوية مدينة تُستهدف يوميا، وهي مضطرة في الوقت نفسه إلى التكيّف مع شروط الممولين، ومعايير القياس، ولغة "الأثر" التي تُشبه منطق السوق أكثر مما تُشبه روح الثقافة؟
يتضح هنا أن التمويل ليس وسيلة محايدة، بل جزءا من السياسة، وأن أخطر ما يواجه العمل الثقافي المقدسي ليس ضعف الموارد وحده، بل تحوّل الدعم إلى أداة ناعمة تُعيد ترتيب الأولويات، وتضبط اللغة، وتحدّد ما يمكن قوله وما يُفضَّل تجنّبه، وينتهي هذا السؤال إلى جوهر واحد: ماذا يتغيّر في الثقافة حين تصبح الاستدامة شرطا يسبق المعنى؟
يتحوّل التمويل في القدس من دعم للبرامج إلى إطارٍ عام يحدّد ما يُقال، وكيف يُقال، ولمن يُقدَّم، تعمل مؤسسات كثيرة اليوم ضمن نماذج إدارية جاهزة، وخطابات محسوبة، ومعايير لغوية "آمنة" تُخفّف حدّة الفعل الثقافي، وتحوّله إلى نشاط قابل للقياس والتسويق.
يتسرّب الشرط هنا لا عبر المنع الصريح، بل عبر تفاصيل صغيرة مثل صياغات مقترحات، وعناوين مشاريع، وكلمات تُستبدل بأخرى، وفقرات تُحذف كي "تمر"، يتكرّس الخطر حين تعتاد المؤسسة هذا التعديل المتدرّج، فتتحوّل مع الوقت إلى نسخة "مقبولة" من نفسها، دون أن تشعر أنها تبتعد عن دورها الأساسي.
يرتبط هذا كله بوضع الإنسان المقدسي نفسه، فهو ليس لاجئًا خارج وطنه، ولا مواطنًا في دولة فلسطينية، ولا حاملًا لهوية وطنية مكتملة كما في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا مواطنًا وفق التعريف الإسرائيلي كما هو الحال في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، يعيش المقدسي في حالة قانونية مؤقتة، يحمل هوية قابلة للسحب، ووثائق مرور محدودة الصلاحية، ويُدار وجوده اليومي بمنطق الاستثناء لا الحق.
وينعكس هذا الوضع على تفاصيل الحياة كلها عبر العمل، الحركة، السكن، التعليم، والتخطيط للمستقبل، وحين يكون الوجود نفسه مؤقتًا، تصبح المؤسسات بدورها هشّة وسريعة التأثّر بأي ضغط، يتضح عندها لماذا يبدو التمويل في القدس أكثر حساسية، ولماذا تتحوّل المنحة أحيانًا من دعم إلى أداة ضبط، في غياب مظلة وطنية حامية، وضعف السوق المحلية، وحدود الدعم الدولي.
ويظهر هنا منطق الطوارئ، حيث تقبل بعض المؤسسات شروطًا كانت سترفضها في ظروف أقل قسوة، ثم تبرّر ذلك بالخوف من الإغلاق، يتحوّل هذا الاستثناء مع الوقت إلى قاعدة، ويصبح التنازل عادة لا يُنتبه لثقلها.
يتراكم الضرر داخل المؤسسات حين تعمل وفق منطق الممول لا منطق المدينة، وتتحوّل المؤسسة إلى سلسلة مشاريع قصيرة العمر، تتغيّر أولوياتها مع كل فرصة تمويل، ما يضعف قدرتها على بناء رؤية طويلة الأمد أو أثر متراكم
يبدأ الضرر من الفرد العامل في الثقافة نفسه، يعيش كثيرون توترًا دائمًا بين ما يؤمنون به وما يُطلب منهم تنفيذه، ويتراكم لديهم إرهاق يجعلهم يتردّدون قبل طرح أفكارهم أو اختيار كلماتهم، يتحوّل هذا التردّد إلى رقابة ذاتية صامتة، فيُفضَّل الحل الآمن على الموقف الجريء، لا خوفًا من الفكرة، بل خوفًا على الاستمرار.
ينعكس الضرر على المجتمع حين تبتعد الثقافة عن لغة الناس اليومية، حيث تتحوّل الأنشطة الثقافية، تحت ضغط الى "الحياد"، وإلى أحداث لطيفة بلا أثر عميق، ويتراجع إحساس الجمهور بأن هذه المؤسسات تعبّر عنه، ويحلّ مكانه شعور بالفجوة، وكأن الثقافة تراقب الألم من الخارج بدل أن تكون جزءًا منه.
ويتراكم الضرر داخل المؤسسات حين تعمل وفق منطق الممول لا منطق المدينة، يستهلك هذا المنطق الوقت في التقارير والمؤشرات أكثر مما يستهلكه في العمل الثقافي نفسه، وتتحوّل المؤسسة إلى سلسلة مشاريع قصيرة العمر، تتغيّر أولوياتها مع كل فرصة تمويل، ما يضعف قدرتها على بناء رؤية طويلة الأمد أو أثر متراكم.
يمتد الضرر إلى المستوى العام حين يفرض التمويل المشروط اتجاهات ثقافية "آمنة"، ويُبتعد عن موضوعات أخرى، ويتحوّل التعاون الطبيعي إلى تنافس مُنهك، ويصبح كل فاعل أضعف وهو يعمل وحده.
يتكرّس هذا الخلل دوليًا حين يُطلب من الثقافة أن تكون "محايدة" في مدينة تُدار تفاصيل حياتها اليومية بالسياسة، يُربك هذا الطلب فهم الواقع، وقد يحوّل الدعم من حماية للفعل الثقافي إلى أداة تعيد تشكيله من الخارج.
يستمر المسار الأول في نمط المشاريع السريعة، التي تبدأ مع التمويل وتنتهي بانتهائه، دون أن تتحوّل إلى برامج مستمرة أو تترك أثرًا طويل الأمد.
يتراجع المسار الثاني نحو انكماش دفاعي، يقلّل النشاطات ويتجنّب الموضوعات الحساسة، ويحافظ هذا الخيار على البقاء، لكنه يُضعف دور المؤسسة الثقافي، ويحوّلها إلى مزوّد خدمات لا أكثر.
يفتح المسار الثالث باب استقلال نسبي، عبر التفاوض على الشروط، وبناء مصادر دخل محلية ولو محدودة، ووضع ميثاق يحمي اللغة والمعنى، يتطلّب هذا المسار شجاعة وتعاونًا، لكنه يمنح الثقافة فرصة البقاء قريبة من الناس دون الانهيار.
يبدأ التغيير من الاهتمام بالعاملين في الثقافة أنفسهم عبر تخفيف الضغوط، وتوزيع المهام بعدل، والاتفاق على خطوط واضحة لا تُكسر، يساعد ذلك على التفاوض بثقة أكبر، وكتابة مقترحات تحافظ على الفكرة دون تفريغها.
يتقدّم العمل مجتمعيًا بإعادة وصل المؤسسات بجمهورها عبر مبادرات بسيطة وقريبة مثل نوادٍ للقراءة، توثيق شهادات، ورشات محلية، ومساحات عرض متنقلة، يبني هذا المسار ثقة ودعمًا يمكن أن يتحوّل تدريجيًا إلى موارد.
يتشكّل المسار المؤسسي عبر تقليل الاعتماد على ممول واحد، وتنويع مصادر الدعم، وتخصيص جهد ثابت للأرشفة والتوثيق، يمنح ذلك المؤسسة وضوحًا وقوة تفاوضية نابعة من الرؤية لا من الحاجة.
يتعزّز الأثر حين تنسّق المؤسسات فيما بينها بدل التنافس، وتعمل على موقف مشترك من التمويل المشروط، يمتد هذا الحوار إلى المستوى الدولي، ليقوم على الثقة لا الرقابة، وعلى دعم التشغيل الأساسي بقدر دعم الأنشطة.
ينتهي هذا المقال إلى خلاصة واضحة وهي أن الثقافة في القدس تحتاج إلى سيادة رمزية بقدر حاجتها إلى التمويل، ويبقى الدعم المالي ضروريًا، لكن الخطر يبدأ حين يتحوّل إلى مرجعية تُعيد تعريف اللغة والمعنى.
تبدأ الخطوة الأولى للإصلاح بصياغة ميثاق استقلال ثقافي، تتوافق عليه المؤسسات ليكون أداة تفاوض وحماية، لا شعارًا عامًا مستهلكاً، يساعد ذلك على جعل الاستمرار نتيجة لمعنى محفوظ، لا ثمنًا يُدفع على حسابه، وعلى إبقاء الثقافة فعل حضور يومي، لا مشروعًا مؤقتًا بحدود التمويل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
* فنان بصري وكاتب وباحث فلسطيني من القدس، يكتب في قضايا الثقافة والسياسات العامة والهوية والصمود في سياق المدينة المحتلة، يهتم بتحليل العلاقة بين الفعل الثقافي، البنية السياسية، وشروط العيش اليومية للمقدسيين.
المصدر:
الجزيرة