يشهد سوق الأجهزة الشخصية تحولا تدريجيا مع صعود الهواتف القابلة للطي، التي تجمع في جهاز واحد بين قابلية الهاتف للحمل ومساحة الشاشة الكبيرة التي طالما كانت إحدى أبرز نقاط قوة الأجهزة اللوحية، ومع تطور المفصلات والشاشات والبرمجيات وقدرات الذكاء الاصطناعي، تتسع وظائف هذه الهواتف لتقترب من تجربة الأجهزة اللوحية.
ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه سوق الأجهزة اللوحية ضغوطا متزايدة، حيث تتوقع بيانات شركة أبحاث السوق "آي دي سي" (IDC) تراجع شحنات الأجهزة اللوحية عالميا بنسبة 8.6% خلال هذا العام، من نحو 151.9 مليون جهاز في عام 2025 إلى 138.9 مليونا، رغم ارتفاع القيمة الإجمالية للسوق إلى نحو 66.8 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع متوسط أسعار الأجهزة.
تبدو الفكرة الأساسية وراء الهواتف القابلة للطي بتصميم الكتاب بسيطة، وهو جهاز واحد يؤدي وظيفتين، فعند إغلاقه يعمل كهاتف تقليدي، وعند فتحه تتحول شاشته إلى مساحة أكبر تقترب أبعادها من تجربة الجهاز اللوحي.
وتكشف أحدث الأجهزة عن مدى تطور هذه الفكرة، فقد أصبحت الأجيال الجديدة من الهواتف القابلة للطي أخف وزنا وأنحف، مع شاشات داخلية أكبر، وتحسينات في المفصل، وتقليل بروز منطقة الطي.
وتقدم بعض هذه الأجهزة شاشات داخلية تتجاوز 7 بوصات، وهي مساحة تتيح تشغيل تطبيقين جنبا إلى جنب، أو تصفح الإنترنت ومشاهدة الفيديو أثناء تنفيذ مهمة أخرى في الوقت نفسه.
وتعزز البرمجيات هذه التجربة، إذ لم تعد الشاشة الكبيرة مجرد مساحة إضافية لعرض المحتوى، بل أصبحت جزءا من تجربة متعددة المهام تقترب من الوظائف التي توفرها الأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة.
رغم ذلك، فإن تحول الهاتف إلى جهاز ذي شاشة كبيرة لا يعني أن الجهاز اللوحي أصبح بلا وظيفة، فما يزال فارق الحجم مهما عند القراءة لفترات طويلة، والرسم باستخدام القلم، وتحرير الصور والفيديو، وممارسة الألعاب، والدراسة، واستخدام لوحات المفاتيح أو الملحقات الخارجية.
كما أن الجهاز اللوحي لا يحتاج إلى آلية طي معقدة، وهو ما يسمح بتصميم شاشة كبيرة ومستقرة من دون المفصل أو الطبقة المرنة اللذين يفرضان تحديات هندسية إضافية على الهواتف القابلة للطي.
وهنا تظهر المفارقة، فالهاتف القابل للطي يحاول تقليص عدد الأجهزة التي يحملها المستخدم، بينما يحافظ التابلت على فكرة الجهاز المتخصص ذي الشاشة الكبيرة.
من الناحية الاقتصادية، تبدو الفكرة جذابة، فالمستخدم الذي يشتري هاتفا قابلا للطي يمكنه الحصول على شاشة كبيرة من دون الحاجة إلى شراء هاتف وجهاز لوحي منفصلين، لكن السعر يمثل عقبة كبيرة، إذ ما تزال الهواتف القابلة للطي تنتمي إلى الفئة الراقية، وتبدأ بعض الطرز الجديدة من نحو 1800 إلى 2000 دولار، بينما تتجاوز الإصدارات الأعلى هذه الأسعار بفارق كبير.
وتشير توقعات "آي دي سي" إلى أن سوق الهواتف القابلة للطي سينمو بقوة خلال هذا العام، مع توقع نمو الشحنات بنحو 30% على أساس سنوي. ومع ذلك، ستظل الأجهزة القابلة للطي تمثل نسبة صغيرة من إجمالي سوق الهواتف الذكية.
ويعني ذلك أن نمو الهواتف القابلة للطي لا يمثل، حتى الآن، تهديدا مباشرا لوجود الأجهزة اللوحية، لكنه يكشف عن اتجاه مختلف في تصميم الأجهزة، فبدلا من شراء جهاز لكل وظيفة، تحاول الشركات جعل الجهاز الواحد قادرا على تغيير شكله ووظيفته بحسب الحاجة.
قد يكون الذكاء الاصطناعي العامل الذي يعيد رسم المنافسة بصورة أعمق، فمع انتقال المساعدات الذكية من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ المهام، تصبح مساحة الشاشة أكثر أهمية لعرض النتائج، ومراجعة المستندات، ومقارنة المعلومات، والتحكم في عدة تطبيقات في الوقت نفسه.
وهنا يمتلك الهاتف القابل للطي ميزة واضحة، فهو يوفر قدرات الهاتف الذكي الكاملة في جهاز يمكن فتحه عند الحاجة إلى مساحة عمل أكبر، وفي المقابل، يظل الجهاز اللوحي أكثر ملاءمة عندما تكون الشاشة الكبيرة هي وضع الاستخدام الأساسي، وليس مجرد وضع مؤقت يتم اللجوء إليه عند الحاجة.
وتكتسب المنافسة زخما إضافيا مع دخول آبل سوق الهواتف القابلة للطي عبر آيفون ديو، في خطوة من شأنها نقل هذه التقنية من كونها فئة متخصصة إلى منافسة مباشرة داخل سوق الهواتف الفاخرة، ويأتي الجهاز بشاشة داخلية كبيرة، ويقدم إمكانات لتعدد المهام، ما يجعله أقرب من حيث الاستخدام إلى الهاتف والجهاز اللوحي في جهاز واحد.
لكن دخول آبل لا يعني أن الجهاز اللوحي أصبح مهددا بالاختفاء، فحتى التوقعات المتفائلة بشأن الهواتف القابلة للطي تشير إلى أن حصتها من سوق الهواتف ستظل محدودة خلال السنوات القليلة المقبلة، بينما يستمر الجهاز اللوحي في خدمة فئة تبحث عن شاشة كبيرة بسعر أقل وتجربة استخدام أكثر استقرارا.
المواجهة الحقيقية، إذن، ليست بين الهاتف والتابلت بقدر ما هي بين نموذجين للحوسبة الشخصية، يقوم الأول على جهاز واحد قابل للتحول، يؤدي وظائف متعددة، بينما يقوم الثاني على أجهزة متخصصة لكل استخدام.
وقد لا ينتصر أي من النموذجين بالكامل، فمن المرجح أن يصبح الهاتف القابل للطي خيارا جذابا لمن يريد تقليل عدد أجهزته، بينما يستمر الجهاز اللوحي لدى الطلاب والمبدعين ومحبي الألعاب والمستخدمين الذين يحتاجون إلى شاشة كبيرة بصورة دائمة.
وبذلك قد لا يكون مستقبل الحوسبة الشخصية قائما على اختفاء التابلت لصالح الهاتف القابل للطي، بل على انهيار الحدود التقليدية بين فئات الأجهزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة