قد يقضي تلسكوب ساعات في جمع الضوء الخافت لمجرة بعيدة، ثم يعبر قمر صناعي مجال رؤيته خلال ثوان، تاركا خطا ساطعا قد يفسد الصورة.
ومع ازدياد عدد الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، يعمل باحثون من جامعة وارويك البريطانية على تطوير كاميرا تشبه "شبكية العين" تستطيع رصد الأجسام المتحركة وتنبيه التلسكوب قبل أن تدخل مجال رؤيته.
وتأتي الفكرة في وقت تشير فيه بيانات وكالة الفضاء الأوروبية -في يونيو/حزيران الماضي- إلى وجود نحو 18340 قمرا صناعيا في المدار، بينها زهاء 16 ألفا ما زالت تعمل.
ورغم الدور المهم لهذه الأقمار في الاتصالات والإنترنت وتحديد المواقع والتنبؤ بالطقس ورصد الأرض، فإن كثافتها المتزايدة أصبحت تحديا متناميا أمام علم الفلك، خصوصا المسوحات التي تلتقط صورا طويلة التعريض لمساحات واسعة من السماء.
لا تقتصر المشكلة على الخطوط التي تظهر في الصور الفلكية، إذ تصدر الأقمار الصناعية أيضا إشارات راديوية، وتضيف شكلا آخر من أشكال التلوث الضوئي، مما يجعل تأثيرها يمتد عبر أجزاء مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي.
وقال مايك بيل -الباحث ما بعد الدكتوراه في إمبريال كوليدج لندن- خلال الاجتماع الفلكي الوطني البريطاني 2026، إن أقمار "ستارلينك" أصبحت مرئية في كل مكان تقريبا، واصفا المشكلة بأنها تمتد عبر كامل الطيف الكهرومغناطيسي.
وحاول علماء الفلك وشركات الأقمار الصناعية الحد من المشكلة عبر تقليل انعكاسية الأقمار وتحسين أنظمة تتبعها، لكن هذه الحلول لا تزال غير مثالية. فحركة الأقمار قد تتغير، كما أن الالتزام بالإجراءات الطوعية يختلف بين الشركات، مما يجعل الاعتماد على بيانات التتبع وحدها غير كاف في بعض الحالات.
يقود جيمس بليك -الباحث في مجال الفضاء بجامعة وارويك- فريقا يطور كاميرا عصبية" تعتمد على طريقة مختلفة تماما عن الكاميرات الرقمية التقليدية. فالكاميرا العادية تلتقط إطارات كاملة على فترات محددة، وتسجل بيانات كل وحدات الصورة، حتى عندما لا يحدث أي تغير.
أما الكاميرا الجديدة فتعمل بطريقة تشبه شبكية العين، إذ لا ترصد البكسلات إلا التغيرات في شدة الضوء. ولذلك تنتج النجوم الثابتة كمية قليلة جدا من البيانات، بينما يؤدي مرور قمر صناعي متحرك إلى سلسلة سريعة من الإشارات التي ترسم مساره في السماء.
وستعمل الكاميرا إلى جانب التلسكوب الرئيسي، فتراقب مساحة أوسع من السماء وتحدد الأجسام المتحركة، ثم تحسب إن كان مسار القمر سيتقاطع مع مجال الرؤية. وقال "بليك" إن النظام يتيح الاستجابة لما يحدث في السماء في الوقت شبه الحقيقي، بدلا من الاعتماد على معلومات قديمة.
أظهرت تحليلات أولية للتوقيت -عرضها الفريق- أن رصد القمر الصناعي على بعد عدة درجات من منطقة الرصد المحمية قد يمنح التلسكوب بضع ثوان فقط لاتخاذ القرار. ومع ذلك، قد تكون هذه المدة كافية لنظام آلي لإغلاق الغالق، أو تأجيل التعريض، أو الانتقال إلى هدف فلكي آخر قبل دخول القمر مجال الصورة.
ولا تزال التقنية في مرحلة الاختبار، إذ من المقرر تجربتها أولا في مرصد تابع للجامعة، قبل نقلها لاحقا إلى مرافق فلكية في جزيرة "لا بالما" بجزر الكناري.
ويمثل المشروع محاولة لتحويل مشكلة ازدحام السماء إلى تحدّ تقني يمكن التعامل معه بذكاء، فبدلا من انتظار اكتشاف آثار الأقمار بعد إفساد الصور، يتعلم التلسكوب مراقبة محيطه والتصرف مسبقا.
ومع استمرار إطلاق الأقمار الصناعية، تصبح مثل هذه الابتكارات جزءا مهما من حماية نافذة البشرية على الكون، وتؤكد أن تقدم العلم لا يعتمد فقط على بناء تلسكوبات أقوى، بل أيضا على ابتكار طرق جديدة لحمايتها من بيئة فضائية تتغير بسرعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة