حذر مختصون ومسؤولون في مجال مكافحة تعاطي المخدرات من العواقب الصحية والقانونية من تجربة تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أثناء السفر خارج الدولة، إذ تعاملت مراكز علاج إدمان مع حالات مرضية بدأت رحلة التعاطي أثناء رحلة «وناسة» لهم خارج الدولة.
ونبهوا بخصوص الوقوع في الوهم الشائع لدى البعض، بأن تعاطي هذه المواد في الدول التي تشرّعها يحمي المسافر من المساءلة، إذ أكدوا أن تشريع المادة في دولة السفر لا يعفي الشخص من العواقب القانونية في بلده، وتسمح بعض الدول حول العالم بحيازة وتعاطي أنواع معينة من المواد المخدرة، وإمكانية شرائها بشكل قانوني، ووفق ضوابط معينة، فيما تحظر قوانين الدولة بشكل صارم هذه الأفعال لما تشكله من خطورة كبيرة على أفراد المجتمع.
من جانبها، أكدت الدكتورة لمياء الزعابي، من الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات، أن الأسباب والعوامل التي قد تدفع بعض الشباب إلى الوقوع في تعاطي المخدرات أثناء وجودهم خارج الدولة، تتعدد، ومن بينها تأثير رفقة السوء، وضغط الأصدقاء، وحب التجربة والفضول، إضافة إلى محدودية الوعي بالعواقب الصحية والنفسية والقانونية المترتبة على هذا السلوك، خصوصاً في ظل التطور المتسارع وظهور أساليب ووسائل جديدة للترويج والتعاطي تتجدد يوماً بعد يوم، بما قد يضلل البعض حول خطورتها الحقيقية.
وقالت الزعابي لـ«الإمارات اليوم» إنه غالباً ما تبدأ هذه الحالات بتجربة عابرة خلال السفر، لكنها قد تتطور تدريجياً إلى تعاطٍ متكرر ثم إلى إدمان يصعب التخلص منه، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحة الفرد وسلوكه، ويؤثر في مستقبله الدراسي والمهني، فضلاً عن آثاره الممتدة على الأسرة والمجتمع.
وأكدت خطورة تجربة أي نوع من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أثناء السفر خارج الدولة، إذ يُعد هذا السلوك مجرَّماً وفق قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحظر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية بكل أشكالها دون استثناء، كما تنطوي هذه المواد على مخاطر صحية جسيمة، تشمل التأثير السلبي في الدماغ والجهاز العصبي، وما قد يترتب عليها من اضطرابات نفسية وسلوكية قد تقود إلى الاعتماد والإدمان وفقدان السيطرة، وتُضعف قدرة الفرد على اتخاذ القرار السليم.
وأشارت إلى أنه انطلاقاً من نهج دولة الإمارات القائم على الوقاية الاستباقية وحماية الإنسان، تبذل الدولة جهوداً متكاملة في مجال مكافحة تعاطي المخدرات، وتُعد التوعية والتثقيف إحدى أبرز ركائزها الأساسية، ويتم ذلك من خلال التنسيق المستمر مع الجهات المعنية لتنظيم حملات توعوية شاملة، وعقد ملتقيات ومجالس توعوية قبل السفر، تستهدف فئة الشباب والطلبة الدارسين في الخارج، بهدف رفع مستوى الوعي بمخاطر المخدرات، والتعريف بالعواقب القانونية داخل الدولة، والتنبيه إلى مخاطر رفقة السوء.
وأشارت الزعابي، في ما يتعلق بحالات تعاطي المواد المخدرة خارج الدولة، إلى المادة 41 من المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، إذ ذكرت أنها تُعد الأساس القانوني الذي يُطبَّق عند ثبوت التعاطي داخل الدولة، ولو كان قد تم خارجها. إذ يجرّم هذا النص تعاطي أو استعمال المواد المخدرة بأي وجه في غير الأحوال المرخص بها، ويقرر عقوبة الحبس أو الغرامة أو الجمع بينهما لكل من يثبت تعاطيه.
وبموجب ذلك، فإن المواطن أو المقيم الذي يتعاطى المواد المخدرة خارج الدولة ويعود إلى دولة الإمارات، ثم يثبت التعاطي لديه عبر الفحص أو الإجراءات القانونية المعتمدة، يُسأل جزائياً وفق أحكام المادة 41، من دون اعتبار لمكان وقوع التعاطي السابق.
وأكدت أن هذا التوجه التشريعي يعكس حرص المشرّع الإماراتي على حماية المجتمع من أخطار المخدرات، ومنع تسلل آثارها إلى داخل الدولة، وترسيخ مبدأ الوقاية والردع باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في السياسة الجنائية للدولة.
ويواصل الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات دوره المحوري من خلال جهود أمنية مستمرة لمكافحة عصابات التهريب والاتجار بالمخدرات، وتعزيز منظومة الرقابة والضبط والوقاية، بما يسهم في حماية المجتمع وصون أمنه، خصوصاً حماية فئة الشباب من الوقوع ضحية لهذه السموم التي تستهدف الأفراد والأسر والمجتمع على حد سواء. كما تظل الأسرة عنصراً محورياً في منظومة الوقاية من التعاطي والإدمان، بوصفها خط الدفاع الأول، وذلك من خلال تعزيز التواصل والحوار البنّاء مع الأبناء، والمتابعة الواعية لسلوكياتهم، وترسيخ القيم الدينية والوطنية، وتنمية الوعي لديهم بأهمية الحذر ورفض تناول أي مادة غير معروفة أو مقدمة من الآخرين، لما لذلك من دور فاعل في حمايتهم من الانجراف خلف السلوكيات الخطرة، وضمان سلامتهم وبناء مستقبلهم على أسس سليمة.
من جانبه، حذر رئيس قسم الطب النفسي بالإنابة في المركز الوطني للتأهيل، الدكتور محمد الجنيبي، من محاولة تجربة المواد المخدرات أثناء السفر خارج الدولة، منبهاً إلى أن الخطورة تكمن في بقاء آثار المواد المخدرة في الجسم لفترات طويلة، ولا تخرج بسرعة كما يظن البعض، ما يعرض الشخص للمساءلة فور عودته في حال خضوعه لأي فحص مفاجئ، وتظهر نتيجته إيجابية.
ووجه رسالة مهمة لمن يسافر بقصد «الوناسة» وتجربة هذه المواد، مؤكداً أن الإنسان صاحب القرار الأول والأخير في وضع نفسه في دائرة الخطر الصحي والقانوني.
وقال الجنيبي إن «بعض الأشخاص يجربون المواد المخدرة من باب الفضول، سواء في سفرة خارج الدولة، أو جلسة مع الأصدقاء، لكنهم غير مدركين أن هذه التجربة تحدث تغيرات كبيرة في كيمياء الدماغ والخلايا العصبية، ويبدأ الإنسان بعدها في إعادة التجربة سعياً لإعادة الشعور بالنشوة التي حصل عليها في التجربة الأولى».
ولفت إلى أن أغلب الدراسات الطبية تؤكد أن النشوة الأولى من التجربة الأولى لا تتكرر مرة ثانية، والشخص يخطأ في فهم وإدراك هذا الأمر، فيبدأ بالتجربة مرة أخرى بحثاً عن الشعور الأول، وللأسف بعدها ينجرف إلى الاستخدام اليومي ثم يدخل في الاستخدام المستمر، والدخول في الأعراض الانسحابية وأعراض التسمم إلى أن يصل إلى مرحلة الإدمان الكامل، الذي يحتاج إلى تدخلات علاجية.
من جانبه، قال المحامي علي مصبح إن المقرر في قانون العقوبات الاتحادي أن أحكامه تسري على الجرائم التي تقع داخل إقليم الدولة، ويُعد الفعل مجرّماً إذا وقع أحد عناصره داخل الدولة أو تحققت نتيجته فيها، وبالنسبة لجريمة تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية، فإن محل التجريم هو فعل التعاطي ذاته، بما يقتضي تحديد مكان وقوع هذا الفعل على وجه اليقين.
وأضاف أنه من هذا المنطلق، فإن مجرد ثبوت أثر مادة مخدرة في دم الشخص عند خضوعه للتحليل داخل الدولة لا يكفي بذاته للجزم بأن فعل التعاطي قد وقع داخل إقليم الدولة، والتحليل الفني يُعد دليلاً على حصول التعاطي من حيث الأصل، لكنه لا يحدد زمانه ولا مكانه تحديداً قاطعاً، ولهذا، اتجه القضاء الاتحادي في بعض أحكامه إلى تقرير مبدأ مؤداه أن محاكم الدولة لا تختص بنظر جريمة تعاطٍ ثبت أنها وقعت خارج الدولة، حتى لو امتد أثرها إلى داخلها، متى لم تقم أدلة أخرى تؤكد وقوع فعل التعاطي داخل الإقليم.
واعتبر أن هذا الاتجاه يقوم على احترام مبدأ الإقليمية وضمان عدم مساءلة الشخص عن فعل تم خارج نطاق الاختصاص الجنائي للدولة، غير أن هذا الأصل لا يعني انتفاء الخطورة القانونية بالكامل، فالقانون الإماراتي يميّز بين فعل التعاطي ذاته وبين أفعال أخرى مستقلة قد تقع داخل الدولة، مثل حيازة أو إحراز المواد المخدرة، أو إدخالها إلى البلاد، ولو بكميات ضئيلة أو في صورة بقايا عالقة بالأمتعة أو الأدوات الشخصية، وثبوت أي من هذه الأفعال داخل الدولة ينشئ جريمة قائمة بذاتها، مستقلة عن واقعة التعاطي التي تمت خارج الإقليم، ويخضع مرتكبها للمساءلة وفقاً لأحكام القانون الاتحادي بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية.
كما تبرز مسألة أخرى ذات أهمية تتعلق بامتداد الاختصاص الجنائي خارج الإقليم بالنسبة للمواطنين، فالقانون يقرر مبدأ مساءلة المواطن عن الجرائم التي يرتكبها خارج الدولة متى كانت معاقباً عليها في قانون الدولة التي وقعت بها، وهو ما يُعرف بشرط ازدواج التجريم، ووفقاً لهذا المبدأ، لا يكفي أن يكون الفعل مجرّماً في قانون دولة الإمارات وحده، بل يجب أن يكون مجرّماً أيضاً في قانون دولة السفر، وقد طبّق القضاء هذا الشرط عملياً في قضايا انتهت إلى البراءة متى ثبت أن الفعل الذي وقع بالخارج لا يُشكل جريمة في الدولة التي ارتُكب فيها.
وعليه، يمكن القول إن التعاطي الذي يتم خارج دولة الإمارات لا يخضع، كقاعدة عامة، للمساءلة الجنائية أمام محاكم الدولة لمجرد ظهور أثره في التحليل بعد العودة، متى ثبت أن الفعل وقع خارج الإقليم ولم تقم أدلة على وقوعه داخل الدولة، إلا أن هذه القاعدة تظل محاطة بمخاطر قانونية جدية، أبرزها احتمال قيام جرائم أخرى داخل الدولة تتعلق بالحيازة أو الإدخال أو الإحراز، فضلاً عن خصوصية وضع المواطن في ضوء مبدأ الاختصاص الجنائي خارج الإقليم وشروطه.
«مكافح»
تحدثت الدكتورة لمياء الزعابي عن خدمة «مكافح» 80044 التي تم إطلاقها بهدف توعية أفراد المجتمع بمخاطر تعاطي المخدرات، وأشارت إلى أنها تستهدف تعزيز الوقاية المجتمعية، وتقديم الدعم والمساندة لكل من وقع ضحية لهذه الآفة، بما يسهم في حماية صحة وسلامة المجتمع.
كما تهدف «مكافح» إلى رفع مستوى الوعي بالأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن تعاطي المخدرات، إلى جانب تمكين الأسر، ولا سيما الآباء والأمهات، من التعرف إلى المؤشرات والدلالات المبكرة للتعاطي والإدمان داخل محيط الأسرة، بما يعزز دور الأسرة في الاكتشاف المبكر والتدخل الوقائي.
وأوضحت أن الخدمة توفر حزمة متكاملة من المعلومات التوعوية حول أنواع المخدرات وأضرارها، إضافة إلى التعريف بعلامات التعاطي داخل الأسرة، وإتاحة إجراء اختبار إلكتروني بعنوان «هل يتعاطى ابني المخدرات؟»، يتيح لولي الأمر تقييم الحالة بشكل مبدئي، حيث يقوم النظام بتحليل الإجابات وتقدير مستوى الخطورة تلقائياً.
كما تشمل الخدمة إمكانية طلب المساعدة للتخلص من الإدمان، والإبلاغ عن جرائم المخدرات، وتقديم المقترحات المتعلقة بمشكلة المخدرات، مع ضمان السرية التامة، وفي هذا السياق أشارت لمياء الزعابي إلى أن إطلاق خدمة «مكافح»، من قبل الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات، يأتي ضمن إطار وطني متكامل يركّز على الوقاية والتوعية، ويهدف إلى توفير قنوات آمنة وسهلة للتواصل مع أفراد المجتمع، وتعزيز مشاركتهم في حماية الأسرة والمجتمع من أخطار المخدرات، وأكدت أهمية تكاتف جهود أفراد المجتمع والمؤسسات المعنية في الإبلاغ عن أي ممارسات ضارة، والتعاون مع الجهات المختصة، بما يعكس روح المسؤولية المجتمعية، ويسهم في الحد من انتشار التعاطي والإدمان، وحماية المجتمع من هذه الآفة.
المصدر:
الإمارات اليوم