رصد أطباء تزايداً ملحوظاً في العيادات يومياً لموظفين مصابين بما يُسمى بـ«متلازمة الإرهاق»، المرتبطة بضغوط العمل المتسارعة، والسعي المُفرط وراء الإنجاز وإثبات الذات، والتي باتت تدفع كثيرين إلى «دفع الثمن صحياً»، محذّرين من 10 أمراض ومشكلات صحية ونفسية مرتبطة بالتوتر المهني المزمن، والسعي المستمر المبالغ فيه نحو تحقيق الطموح، خصوصاً في المهن التي تتسم بالتنافسية العالية والضغط اليومي.
وأكّدوا لـ«الإمارات اليوم» أن قلب الإنسان أصبح يدفع ضريبة الإفراط في السعي نحو النجاح المهني، موضحين أن تلك الأمراض تشمل «اضطرابات نظم القلب، وتصلب الشرايين المبكر، وزيادة خطر الإصابة بالجلطات، وارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، والسمنة، ومتلازمة القولون العصبي، وصداع التوتر والصداع النصفي، إلى جانب اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب». وشددوا على ضرورة تبني إجراءات وقائية داخل بيئات العمل، تشمل أخذ استراحة قصيرة كل 90 دقيقة بعيداً عن الشاشات والملفات، وممارسة المشي السريع لمدة 30 دقيقة يومياً، وإجراء الفحوص الدورية لضغط الدم والكوليسترول، معتبرين ذلك «صيانة ضرورية لمحرك الحياة»، ومؤكدين أن الحفاظ على الصحة النفسية والتوازن بين العمل والحياة الشخصية يُمثّلان أساس النجاح المستدام.
تفاعل كيميائي
وتفصيلاً، أكّد أخصائي القلب التداخلي، الدكتور هشام طايل، أن قلب الإنسان يدفع ضريبة الإفراط في السعي نحو النجاح المهني المبالغ فيه لتحقيق الطموح وإثبات الذات، وأن ضغوط العمل المتواصلة، والسعي الدائم إلى تحقيق النجاح باتا يفرضان ثمناً صحياً متزايداً على القلب، مشيراً إلى أنه يرصد يومياً في العيادات حالات مرتبطة بما يُعرف بـ«متلازمة الإرهاق» التي تظهر في صورة اضطرابات في نظم القلب (الخفقان)، وارتفاع ضغط الدم (المقنع) الذي لا يظهر فقط خلال ساعات العمل، إضافة إلى رصد زيادة في حالات تصلب الشرايين المبكر للأفراد الذين يتميّزون بالتنافسية العالية والتوتر الدائم، حيث يظل الجسم في حالة تأهب مستمرة لا تمنح العضلة فرصة للاسترخاء.
وأوضح أن التوتر المهني المزمن لا يقتصر على كونه شعوراً نفسياً، بل يتحوّل إلى تفاعل كيميائي داخل الجسم، إذ يؤدي الإفراط في إفراز هرمونات، مثل الأدرينالين والكورتيزول إلى انقباض الأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، وتسارع النبض بشكل غير مستقر، ما يجهد عضلة القلب ويزيد استهلاكها للأكسجين أكثر من المعتاد.
وأضاف أن الضغط النفسي المستمر قد يرفع بشكل مباشر خطر الإصابة بالجلطات، نتيجة تحفيزه للعمليات الالتهابية داخل الجسم، وزيادة لزوجة الدم، وتجمع الصفائح الدموية، ما يُهيئ الشرايين للانسداد المفاجئ، خصوصاً عند التعرّض لضغوط حادة.
ولفت إلى أهمية الانتباه إلى أربع علامات مبكرة يرسلها الجسم للموظف، وتشمل: الشعور بثقل أو انضغاط في الصدر، أو الإحساس بتخطي النبضات عبر الشعور بأن القلب قفز أو توقف لحظة ثم عاد بقوة، وضيق التنفس حتى أثناء الجلوس، إضافة إلى الإرهاق المستمر رغم الحصول على ساعات نوم كافية، مؤكداً أن تجاهل هذه الأعراض قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطرة.
وشدد على ضرورة تبني إجراءات وقائية داخل بيئات العمل عالية الضغط، واتباع قاعدة الـ90 دقيقة من خلال أخذ خمس دقائق راحة بعيداً عن الشاشات والملفات كل ساعة ونصف الساعة، حيث يحتاج القلب إلى فواصل لتهدئة النبض، وفصل المشاعر عن الأرقام، والمشي السريع لمدة 30 دقيقة، لتصريف هرمونات التوتر المتراكمة طوال اليوم، وإجراء الفحوص الدورية لضغط الدم والكوليسترول، معتبراً أن هذه الفحوص «صيانة ضرورية لمحرك الحياة».
أمراض شائعة
وأكّدت أخصائية الطب الباطني، الدكتورة علياء السويدي، أن دولة الإمارات اتخذت خطوات متقدمة لتعزيز أنماط الحياة الصحية، والحد من تأثير الأمراض المرتبطة بالتوتر، من خلال مبادرات رياضية ومجتمعية، مثل تحدي دبي للياقة، إلى جانب توفير العديد من جهات العمل للتأمين الصحي، والدعم النفسي، وبيئات العمل المرنة، وصالات اللياقة البدنية، بما يسهم في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية، وتحسين جودة الحياة.
وأوضحت أن نمط الحياة المملوء بالضغوط قد يرتبط بعدد من الأمراض الباطنية الشائعة، وتشمل: ارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، والسمنة، وارتجاع المريء، إضافة إلى اضطرابات نفسية كالقلق والاكتئاب، مشيرة إلى أن الإجهاد المزمن يؤدي إلى إفراز هرمونات، مثل الكورتيزول، ما يرفع مستويات السكر والكوليسترول، ويؤثر في التوازن الهرموني، وقد يزيد مع الوقت خطر الإصابة بأمراض القلب ومتلازمة التمثيل الغذائي.
وأضافت أن نقص النوم المصحوب بالتوتر يضعف جهاز المناعة، ويؤثر في التركيز والطاقة والمزاج، وقد يسهم على المدى الطويل في الإصابة بأمراض مزمنة واضطرابات نفسية، مؤكدةً أهمية الالتزام بروتين نوم منتظم، للحفاظ على الصحة العامة.
ولفتت إلى ملاحظة زيادة واضحة في حالات متلازمة القولون العصبي، وصداع التوتر، والصداع النصفي بين الموظفين، نتيجة ضغوط العمل، وطول ساعات الجلوس أمام الشاشات، والعادات الغذائية غير المنتظمة، وقلة الراحة، محذرةً من تجاهل هذه الأعراض لما قد تسببه من تأثيرات سلبية في جودة الحياة.
وبيّنت أن التعب اليومي يصبح مؤشراً طبياً يستدعي الفحص عندما يستمر رغم الراحة أو يبدأ بالتأثير في الأنشطة اليومية، موضحة أن من أسبابه الشائعة نقص فيتامين «د»، وفقر الدم، واضطرابات الغدة الدرقية، إلى جانب بعض الأمراض الروماتيزمية والحالات النفسية مثل الاكتئاب، ونصحت بضرورة تبسيط نمط الحياة، والحصول على نوم كافٍ، وممارسة النشاط البدني، وتقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع الحفاظ على التواصل الاجتماعي، وأخذ فترات راحة منتظمة، والالتزام بالفحوص الدورية، وعدم تجاهل إشارات الجسم.
الضغوط النفسية
وأكّدت استشاري الطب النفسي، الدكتورة ولاء عثمان، أن الطموح بحد ذاته يُعدّ دافعاً إيجابياً للإنجاز والنمو، إلا أن تحوله إلى طموح مفرط مرتبط بالكمال أو تقدير الذات قد يضع الشخص تحت ضغط نفسي دائم، موضحة أن ذلك يؤدي مع الوقت إلى حالة من الإجهاد المزمن والقلق والإرهاق العاطفي، وقد ينعكس أيضاً في صورة أعراض جسدية.
وأوضحت أن هناك فرقاً بين الإجهاد الطبيعي المرتبط بالإنجاز والإرهاق الوظيفي، فالإجهاد المؤقت يُعدّ استجابة طبيعية لضغط مرحلي، ويمكن التعافي منه بالراحة، بينما الإرهاق الوظيفي حالة مزمنة تتطور نتيجة الضغوط المستمرة وغير المُدارة، وتظهر في صورة إنهاك عاطفي، وفقدان الحافز، والانفصال عن العمل، وقد تتطلب تدخلاً علاجياً منظماً.
وأضافت أن هناك بعض الموظفين يعانون أعراضاً نفسية، مثل: التعب المستمر، وسرعة الانفعال، وضعف التركيز، واضطرابات النوم، والانشغال الدائم بالعمل حتى خارج أوقاته، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد تتطور إلى القلق المفرط أو تدني المزاج والانفصال العاطفي، وفي الأغلب تتدرج هذه الأعراض بشكل بطيء قبل أن تؤثر بوضوح في الأداء والحياة الشخصية.
وبيّنت أن الإجهاد النفسي قد يظهر في صورة أعراض جسدية حقيقية، مثل: الصداع، وتوتر العضلات، واضطرابات الجهاز الهضمي، وخفقان القلب، وضيق الصدر أو التنفس، مؤكدةً أهمية التعامل معها بجدية مع ضرورة استبعاد أي أسباب طبية أخرى.
وشددت على أن تحقيق التوازن بين النجاح المهني والصحة النفسية يتطلب وعياً وجهداً مستمراً، من خلال وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، والحفاظ على النوم المنتظم، وأخذ فترات راحة، وتخصيص وقت للعائلة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى الانتباه المبكر لعلامات التوتر، وطلب الدعم عند الحاجة، مؤكدةً أن النجاح المستدام يرتبط ارتباطاً مباشراً بالحفاظ على الصحة النفسية.
. 4 علامات مبكرة تؤدي إلى مضاعفات خطرة للموظفين، أبرزها الشعور بثقل في الصدر، وضيق التنفس، والإرهاق المستمر.
المصدر:
الإمارات اليوم