حذّر مختصون نفسيون وتربويون وخبراء تقنية من تنامي تعلُّق بعض الأطفال بالتطبيقات التفاعلية، بعد تحولها من أدوات للبحث والترفيه إلى «الصديق المتاح دائماً» ومساحة يومية للحديث والفضفضة والدعم، وسط مخاوف من تأثيرها في نموهم النفسي والاجتماعي وعلاقاتهم الواقعية، مع قضاء أطفال ساعات طويلة مع «رفقاء افتراضيين» من صُنع الخوارزميات.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد وسائل تقنية، بل تحولت لدى بعض الأطفال إلى «رفقاء رقميين» يرافقونه يومياً، ما يثير القلق بشأن طبيعة ارتباط الجيل الجديد بالعالم الحقيقي.
شخصية افتراضية
تفصيلاً، تقول سارة محيي الدين، والدة طفلة في الـ10 من عمرها، لـ«الإمارات اليوم»، إن ابنتها باتت تتحدث يومياً مع شخصية افتراضية قبل النوم، مضيفة: «كانت تسألها عن شكلها وهل الناس يحبونها، وتنتظر ردودها وكأنها تتحدث مع صديقة حقيقية، ومع الوقت أصبحت أكثر ارتباطاً بها وأقل اهتماماً بالحديث مع من حولها».
التعلّق بالتطبيقات
وتروي والدة الطفل ريان (11 عاماً) أحد المواقف التي دفعتها للقلق بشأن تعلق ابنها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، قائلة: «في إحدى الليالي لاحظت أنه يضحك وحيداً أمام جهازه اللوحي لأكثر من ساعة، وظننت في البداية أنه يشاهد مقاطع فيديو أو يلعب، قبل أن أسمعه يقول للتطبيق بصوت منخفض: (أنت الوحيد اللي يفهمني)».
وأضافت: «كنت أعتقد أنه يستخدم الذكاء الاصطناعي للدراسة أو حل الواجبات، لكني صدمت عندما اكتشفت أنه يتحدث معه يومياً عن مشاعره وأصدقائه ومشكلاته، كما أنه أصبح يفضّل الجلوس مع التطبيق على اللعب مع أبناء العائلة، وحتى أثناء الطعام يبقى منشغلاً بالمحادثة».
إغلاق تطبيق المحادثة
وفي حالة أخرى، تقول ميادة ياسين، أم طفل في التاسعة، إنها حاولت إقناع طفلها بإغلاق تطبيق المحادثة لبعض الوقت، لكنه رد عليها بانفعال: «هو يفهمني أكثر منكم»، الأمر الذي دفعها إلى استشارة طبيبة نفسية بعد ملاحظتها تزايد انعزاله وتعلقه بالتطبيق.
جيل يتعلم العلاقات عبر الخوارزميات
تشير تقارير ودراسات دولية حديثة إلى ارتفاع استخدام الأطفال والمراهقين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلية، خلال العامين الأخيرين، بالتزامن مع الانتشار الواسع لتطبيقات الدردشة المجانية وسهولة الوصول إليها عبر الهواتف والأجهزة اللوحية.
كما أظهرت دراسات تربوية أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول في التفاعل الرقمي الفردي يصبحون أكثر عرضة للعزلة الاجتماعية وضعف مهارات التواصل والتعبير مقارنة بأقرانهم.
أنماط الحوار والتفاعل
ويرى مختصون أن الجيل الجديد لم يعد يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية فقط، بل بدأ تدريجياً يتعلم عبره أنماط الحوار والتفاعل وبناء العلاقات، في وقت أصبحت فيه الخوارزميات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للأطفال أكثر من أي وقت مضى.
قال أستاذ الإعلام الرقمي، الدكتور بسام مكاوي لـ«الإمارات اليوم»: «نحن أمام جيل قد يتعلم للمرة الأولى أن الصديق ليس بالضرورة إنساناً»، موضحاً أن الأطفال يتعاملون مع روبوتات الدردشة كشخصيات حقيقية أكثر من كونها أدوات تقنية، نتيجة قدرتها على التفاعل المستمر وتقديم استجابات فورية وداعمة.
وأضاف أن الطفل لا يدرك الخوارزمية بقدر ما يتفاعل مع «صوت مستجيب» يمنحه اهتماماً دائماً، ما يعزز ارتباطه بها. وحذر من أن هذا النمط قد يضعف لاحقاً قدرة الطفل على التعامل مع العلاقات الإنسانية الطبيعية بما تحمله من اختلافات وتباين في المشاعر والتفاعل.
ودعا إلى تعزيز الوعي الرقمي داخل الأسرة والمدرسة، وعدم ترك الأطفال في تفاعل مفتوح مع هذه التطبيقات من دون متابعة أو نقاش، مشدداً على أن الهدف ليس المنع، بل بناء فهم لطبيعة هذه الأدوات، وتعزيز التواصل الواقعي داخل البيئة الأسرية والاجتماعية.
فضفضة رقمية
وفيما يتعلق بالبعد التقني، حذر الخبير في الذكاء الاصطناعي، شادي دياب، من مشاركة الأطفال تفاصيل شخصية ومشاعر حساسة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي من دون وعي بكيفية إدارة البيانات أو استخداماتها لاحقاً.
وأوضح أن بعض الأطفال باتوا يشاركون هذه التطبيقات مخاوفهم ومشكلاتهم اليومية وأسرارهم، في سياق ما وصفه بـ«الفضفضة الرقمية»، ما يثير تساؤلات متزايدة حول الخصوصية وحدود الأمان الرقمي للأطفال.
ضعف الحوار الأسري
وفي السياق التربوي، قالت المستشارة التربوية والأسرية، أميمة حسين لـ«الإمارات اليوم» إن المؤسسات الأسرية والتعليمية تتحرك بوتيرة أبطأ من سرعة تطور وانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، رغم اتساع استخدامها بين الأطفال.
وأشارت إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط باستخدام التقنية، بل بضعف الحوار الأسري وتراجع التفاعل الواقعي داخل بعض البيوت، ما يجعل الأطفال أكثر انجذاباً لهذه التطبيقات بوصفها مساحة بديلة للتواصل المستمر.
وشددت على ضرورة رفع وعي الأسر بطبيعة هذه التطبيقات، وتنظيم استخدامها، مع تعزيز الأنشطة الاجتماعية والحوار الأسري اليومي، لتجنب تحول التفاعل الرقمي إلى بديل عن العلاقات الواقعية.
علاقات إنسانية
وقالت مستشارة علم النفس والصحة النفسية، الدكتورة إيمان محمد، إن خطورة تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على جذب الأطفال، بل تمتد إلى إعادة تشكيل تصورهم للعلاقات الإنسانية، بسبب خصائصها التي توفر استجابة دائمة من دون رفض أو اختلاف أو انشغال.
وأضافت أن هذا النمط قد يدفع بعض الأطفال إلى تفضيل التفاعل الرقمي السهل على العلاقات الإنسانية الأكثر تعقيداً، ما قد ينعكس على مهارات التواصل والتعبير العاطفي لديهم. وحذرت من الاستخدام المفرط الذي قد يؤدي إلى اختلال في توقعات الطفل من العلاقات الواقعية، خصوصاً في المراحل المبكرة من النمو.
وأكدت أهمية بناء توازن صحي في علاقة الطفل بالتكنولوجيا، عبر تعزيز حضور الأسرة في الحياة اليومية، وفتح مساحات حوار حقيقية تغني الطفل عن الاعتماد الكامل على التطبيقات في التعبير أو الاستماع.
ودعت إلى تعليم الأطفال منذ سن مبكرة التمييز بين التفاعل الإنساني والتفاعل الآلي، وتنمية مهارات التعبير العاطفي داخل بيئة داعمة وآمنة، مع تنظيم استخدام التطبيقات من دون منعها بشكل كامل، لضمان عدم تحولها إلى المصدر الأساسي للدعم النفسي أو الاجتماعي لدى الطفل.
المصدر:
الإمارات اليوم