آخر الأخبار

تونس: مخاوف من انزلاق التجربة الديمقراطية نحو "الاستبداد"

شارك
احتجاجات في تونس ضد قمع الحريات في ظل نظام الرئيس قيس سعيد. (تونس 2026)صورة من: Tarek Guizani

تتزايد المخاوف من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في تونس لتتحول إلى حالة شبه دائمة. وفي هذا السياق، أطلقت "منظمة العفو الدولية" (Amnesty International) يوم الاثنين (11 مايو/ أيار) تحذيراً، متهمة السلطات التونسية بتصعيد منهجي للضغط على المنظمات غير الحكومية، ومحاولة تفكيكها عبر أدوات قانونية. وتشمل هذه المنظمات بشكل خاص تلك الناشطة في مجالات حقوق الإنسان والهجرة ومراقبة الانتخابات ومكافحة الفساد.
وفي حديث مع DW (دويتشه فيله) قالت صافية ريان من منظمة العفو الدولية: "هناك عشرات المنظمات غير الحكومية مهددة بالحل، فيما تواجه أخرى ملاحقات قضائية". وأضافت أن "الحملة المتشددة ضد المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة تتصاعد بشكل ملحوظ وتهدد وجودها".

الأمم المتحدة ومنظمة العفو تدقان ناقوس الخطر

وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك قد دعا خلال اجتماع في جنيف (الجمعة الثامن من مايو/ أيار) إلى وقف ما وصفه بقمع المعارضين والجماعات المدنية في تونس ، مشيراً إلى تجريم المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء.
كما تتزايد المخاوف بشأن أحد أبرز السجناء السياسيين في البلاد وهو راشد الغنوشي ، رئيس حزب النهضة الإسلامي المعتدل نسبياً. ففي نهاية أبريل/نيسان نُقل الرجل البالغ من العمر 84 عاماً من السجن إلى المستشفى، بينما تشير وكالة رويترز إلى أن الأحكام الصادرة بحقه وصلت إلى نحو خمسين عاماً من السجن.
ومنذ عام 2021، ركّز الرئيس قيس سعيّد ، المنتخب عام 2019، السلطات بشكل متزايد في يده، حيث قام بتجميد عمل البرلمان، وإضعاف السلطة القضائية، وشن حملة متصاعدة ضد المعارضين والأصوات الناقدة.

تصف منظمات أجنبية أسلوب حكم سعيّد بأنه "استبداد متسلل"، أي تآكل تدريجي للمؤسسات الديمقراطية مع الإبقاء على "واجهة ديمقراطية" فقط.صورة من: Temps Noir

"واجهة ديمقراطية" متآكلة

منظمة "ديمقراطيك أوروشن كونسوشيم" (Democratic Erosion Consortium) الأمريكية، (تعني: اتحاد (مكافحة) تآكل الديقراطية)، وصفت بدورها أسلوب حكم الرئيس سعيّد بأنه "استبداد متسلل". أي تآكل تدريجي للمؤسسات الديمقراطية مع الإبقاء على "واجهة ديمقراطية" فقط، وفقاً لتقييم المنظمة الأمريكية المتخصصة في دراسة تراجع الأنظمة الديمقراطية.
وفي هذا السياق، تشهد البلاد منذ فترة حملات قضائية صارمة ضد منتقدي الحكومة. ففي أبريل/نيسان 2025، أصدرت محكمة في تونس أحكاماً بالسجن تتراوح بين أربع و66 سنة بحق 37 من المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بتهم تتعلق بأمن الدولة والإرهاب، وهي اتهامات وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها "غير مؤسسة”. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أكدت محكمة الاستئناف معظم هذه الأحكام.
ورغم تسجيل بعض حالات الإفراج نتيجة ضغط جماعي، بحسب منظمة العفو، فإن الاتجاه العام يشير إلى "تراجع مستمر في حقوق الإنسان وتفكيك تدريجي لسيادة القانون".
وترى الباحثة في شؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط ماريا يوزوا من معهد الدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ أن "حجم القمع وصل إلى مستوى لم يعد فيه النظام يكتفي بإسكات انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان، بل بات يلاحق حتى الانتقادات الموجهة لهذا القمع نفسه". وتشير يوزوا إلى حالة الصحفي زياد الهاني الذي حُكم عليه بالسجن سنة في مايو/أيار بعد انتقاده القضاء التونسي.
ووفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، بررت المحكمة حكمها بأن الهاني "ألحق الضرر بالآخرين". وتعلق يوزوا بالقول: "يتم استخدام الأدوات القانونية بشكل متزايد لإسكات المعارضة والأصوات النقدية".

عرفت تونس تراجعا في حرية الصحافة بشكل كبير ، حيث احتلت البلاد المرتبة 137 من أصل 180 في تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود".صورة من: Chedly Ben Ibrahim/NurPhoto/picture alliance

الرئيس ينفي الاتهامات

من جانبه، ينفي الرئيس قيس سعيّد الاتهامات بشأن انزلاق البلاد نحو الحكم الاستبدادي، مؤكداً أنه لن يكون ديكتاتوراً، وأن الحريات مضمونة، لكن لا أحد فوق القانون، بحسب ما نقلته رويترز في أبريل/نيسان.
وفي السياق نفسه، كتبت صحيفة "La Presse" التونسية المقربة من الحكومة أن منظمات المجتمع المدني لعبت دوراً مهماً في الانتقال الديمقراطي، لكنها مطالبة بالابتعاد عن التمويل الأجنبي.
في المقابل، تراجعت حرية الصحافة بشكل كبير في تونس، حيث احتلت البلاد المرتبة 137 من أصل 180 في تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود"، لتصبح قريبة من دول تعاني من أزمات مزمنة مثل ليبيا. وتؤكد المنظمة أن "حرية الصحافة تتراجع بشكل حاد منذ انقلاب يوليو/ تموز 2021".

تتعرض منظمات الهجرة واللاجئين لضغوط متزايدة، خصوصاً القادمين من دول جنوب الصحراء.صورة من: Yassine GaidiAnadolu/picture alliance

"امتثال استباقي" داخل أجهزة الدولة

ومع ذلك، يدعو عدد من المراقبين إلى تبنّي قراءة أكثر توازنًا لديناميكيات الدولة. ويؤكد مانويل غات، مدير مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في تونس، أنه لا يمكن الجزم بأن كل إجراء ضد المنظمات غير الحكومية يندرج ضمن قرارات سياسية محسوبة، لافتًا إلى أن بعض الحالات قد تعكس تعسفًا إداريًا محدودًا أو امتثالًا استباقيًا داخل أجهزة الدولة .
كما تتعرض منظمات الهجرة واللاجئين لضغوط متزايدة، خصوصاً القادمين من دول جنوب الصحراء. ويواجه خمسة موظفين من "المجلس التونسي للاجئين" محاكمة بتهمة تسهيل الهجرة غير النظامية، رغم تعاونهم مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وتصف منظمة "هيومن رايتس ووتش" ما يحدث بأنه "تجريم متزايد للعمل المدني".
ويشير غات إلى أن السلطات غالباً ما تستخدم القضايا المالية أو الإدارية كذريعة لإجراءات ضد المنظمات، مضيفاً: "بمجرد وجود خلل بسيط في المعايير، يتم تعليق النشاط مباشرة".
بل إن الإجراءات طالت حتى داعمين سابقين للرئيس سعيّد، مثل النائب أحمد السعيداني، الذي حُكم عليه بالسجن ثمانية أشهر بعد نشره منشوراً ساخراً على فيسبوك ضد الرئيس.
وترى ماريا يوزوا أن "هذا يعكس انخفاض سقف التسامح داخل النظام، حيث باتت حتى السخرية أو النقد البسيط مجرّمين".

بحسب مانويل غاث، رغم أن الوضع الاقتصادي لم يتحسن بشكل ملموس، فإنه لم يزد سوءاً بشكل حاد.صورة من: Khaled Nasraoui/DW

سعيّد بين الدعم الشعبي والأزمة الاقتصادية

ورغم ذلك، لا يزال الرئيس قيس سعيّد يحظى بدعم نسبي داخل البلاد، ويرجع مراقبون ذلك إلى الوضع الاقتصادي المتأزم. ويشير معهد "أتلانتيك كاونسل" (مجلس الأطلسي) إلى استمرار معدلات البطالة والتضخم وتباطؤ النمو منذ ثورة 2011، وهو ما جعل كثيرين يرون في سعيّد بديلاً للنخبة السياسية المنقسمة.
ورغم أن الوضع الاقتصادي لم يتحسن بشكل ملموس، فإنه لم يزد سوءاً بشكل حاد، بحسب مانويل غات، إلا أن الدين العام يتزايد والاقتصاد يواجه ضغوطاً متصاعدة. ويضيف غات أن جزءاً من الإجراءات ضد المجتمع المدني لا ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية لمعظم التونسيين، لكنها تكسب الحكومة وقتاً في ظل أزمة مالية متفاقمة.
في المقابل، ترى ماريا يوزوا أن "تصعيد القمع" يعكس في الواقع "ضعف النظام أكثر من قوته"، مشيرة إلى أن سعيّد لم يعد قادراً على تعبئة الدعم عبر إنجازات سياسية أو اقتصادية.
وتدعو الباحثة الدول الأوروبية إلى الاستمرار في الضغط من أجل احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، رغم المصالح المرتبطة بملف الهجرة.

أعده للعربية : أنور فطناسي/ تحرير: صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا