تحاول باكستان، التي كان ينظر إليها تاريخيا كدولة تعاني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية مزمنة، استثمار حيادها النسبي وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى لتقديم نفسها كوسيط موثوق في واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط.
من هذه الزاوية، انطلق سعيد شاه -في تحليل بصحيفة غارديان – ركز فيه على الدور المتصاعد الذي تقوم به باكستان كوسيط دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران في ظل الأزمة الإقليمية المتفاقمة، خصوصا حول ملف مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وتتحرك باكستان هذه الأيام بسرعة -حسب الكاتب- لتهيئة الظروف لعقد جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، معتبرة أن الخلافات الحالية ليست بالضرورة عقبة نهائية، بل هي جزء من تكتيك تفاوضي من الطرفين.
وترى القيادة الباكستانية أن نجاح هذه الوساطة قد يحقق لها مكاسب مزدوجة تتمثل في منع انجرارها إلى الصراع الإقليمي، وتعزيز مكانتها الدولية في الوقت نفسه واستقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاج إليها بشدة.
وينبه الكاتب إلى أن باكستان استغلت موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة مع الصين والولايات المتحدة ودول الخليج لتقديم نفسها كحلقة وصل نادرة بين الأطراف المتصارعة، وقد ساعدتها علاقاتها العسكرية والدبلوماسية مع السعودية والصين على القيام بأدوار وساطة سابقة أو غير مباشرة في أزمات إقليمية ودولية.
وبالفعل ساعدت زيارة استمرت ثلاثة أيام لطهران الأسبوع الماضي قام بها قائد الجيش الباكستاني القوي المشير عاصم منير في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وتحقيق اختراق مؤقت بشأن فتح مضيق هرمز، كما يقول الكاتب.
ومن وجهة نظر باكستان، فإن فرص نجاح هذه الوساطة تعتمد على قدرتها على إقناع الطرفين بأنهما سيحصلان على "مخرج مشرف" من الأزمة، دون أن يظهر أي طرف بمظهر المهزوم، وهي تراهن على أن كلا من واشنطن وطهران، رغم التصعيد العلني، لا يرغبان فعليا في الانزلاق إلى حرب شاملة بسبب تكلفتها الاقتصادية والسياسية العالية.
لكن نجاح هذا الدور ليس مضمونا – حسب الكاتب – لأن القضايا المطروحة شديدة التعقيد، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي بشكل كبير على استقرار الإمدادات عبر الخليج، مما يزيد الضغط الزمني على أي مفاوضات.
وفي الخلفية، تعاني باكستان نفسها من هشاشة اقتصادية واضحة، تشمل انقطاعات كهرباء وأزمات تمويل خارجية، مما يدفعها إلى استخدام دبلوماسيتها النشطة كوسيلة لتحسين صورتها الدولية وجذب الاستثمارات، وهي تأمل أن يؤدي نجاحها في الوساطة إلى تعزيز ثقة الأسواق والدول الكبرى.
ورغم الحذر الأمريكي التقليدي من دور باكستان في الملف الإيراني، يشير سعيد شاه إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تتعامل مع الدبلوماسية بطريقة شخصية ومرنة، مما أتاح لإسلام آباد مساحة تحرك أكبر من المعتاد.
وخلص الكاتب إلى أن باكستان تراهن على فرصة دبلوماسية نادرة قد ترفع مكانتها الدولية بشكل كبير إذا نجحت في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، لكن هذا الدور يظل محفوفا بالمخاطر، لأن فشله قد يكشف محدودية نفوذها الحقيقي، مع أن نجاحه قد يمنحها وزنا سياسيا واقتصاديا غير مسبوق في النظام الدولي الجديد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة