آخر الأخبار

إيران ولحظة هرمز.. إلى أين تمضي بها الليالي؟

شارك

بدت الحرب أطول وأصعب بكثير مما توقعته الولايات المتحدة، ليس في الميدان وحده بل أيضا على طاولة التفاوض التي بدت كما لو كانت مرآة لما جرى في مسرح العمليات، فقد تمكنت إيران من الصمود لمدة ستة أسابيع، وخلقت واقعا جديدا على الأرض، تجلت ذروته عبر إطباق سيطرتها على الملاحة في مضيق هرمز.

ونتيجة لذلك، بدأ ميزان القوى في الانزياح، وأسفر وجه الحرب عن نتائج مختلفة: فالولايات المتحدة لم تتمكن من الإطاحة بالنظام، ولم تنجح في فتح المضيق، لتجد نفسها في موقف يحتم عليها إما التصعيد إلى مستوى أعلى بكثير- وهو ما هدد به الرئيس دونالد ترمب من خلال تدمير البنية التحتية والقصف المكثف لإيران- أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وفي أتون هذه الحرب اكتشفت إيران ميزة إستراتيجية في مضيق هرمز، فمن خلاله استطاعت أن تضغط على اقتصاد المنطقة والعالم، واستحال المضيق في يدها إلى أداة ضاغطة؛ وورقة رابحة تساوم عليها، حتى إن ترمب ذهب إلى المحادثات في إسلام آباد بهدف فتحه أمام الملاحة، وهو ما لم يكن يمثل مشكلة قبل الحرب، لكنه أصبح القضية الوحيدة والأشد تعقيدا في هذا الصراع، التي اضطرت الولايات المتحدة للجلوس إلى الطاولة.

يمكن القول إن سلاحا جديدا قد وُلد، حيث اكتسبت طهران ميزة إستراتيجية في هذه الحرب، فهي لم تكتفِ بمعيار بقاء النظام كمؤشر على نجاحها في إدارة الصراع، بل سعت للتحكم في مسار الطاقة والتجارة العالمية.

وفي الوقت الذي امتلكت فيه طهران ورقة هرمز، خسرت واشنطن امتيازات إستراتيجية في نواحٍ عدة: فقوتها العسكرية لم تحطم إيران بالشكل الذي كانت تأمله، والشعب لم ينتفض، وليس لديها حلول تواجه بها سيطرة إيران على مضيق هرمز سوى حرب أوسع بكثير بكلفة أكبر، أو تذهب مضطرة إلى المفاوضات الدبلوماسية.

ولأن إيران تدرك أن استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى ليس في مصلحتها، فقد كان السؤال الذي تطرحه على نفسها: هل الآن هو الوقت المناسب لبدء المباحثات، لا سيما أنها تأتي وفي صحبتها حزمة من الحوافز الجيدة لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة.

إعلان

لم يكن من السهل جمع الطرفين على خط واحد، إلا أن الباكستانيين عملوا بمساعدة الصين، وتركيا وآخرين لدفع الجانبين للتوصل إلى اتفاق هدنة مؤقتة.

لكن لا يزال الطريق طويلا فيما يبدو أمام إنضاح شروط اتفاق في ظل المفاوضات التي شهدت تعثرا تبخر معه حتى اللحظة فرصة الوصول إلى تفاهمات تنتهي باتفاق يغلق هذا الصراع المرشح للانفجار، ويجعل المنطقة على شفا حرب في امتداداتها تشمل الإقليم كله.

هيكلية القوة الإيرانية

إن عدم انهيار النظام الإيراني يعود إلى المؤسسية التي يتمتع بها؛ فرغم أن الدولة تعمل ككتلة على رأسها المرشد الأعلى الجديد باعتباره المسؤول فعليا عن قرار قبول الصفقة أو وقف إطلاق النار، فإنه نظام مؤسسي وليس فصائليا في عمقه.

فالمرشد لديه فريق أمني يضم كبار مستشاريه، ومستشار الأمن القومي وقائد الحرس الثوري ورئيس البرلمان (القائد السابق في الحرس)، وجميعهم مقربون منه ولا ينفصلون عن رؤيته.

الأمر يشبه تماما تمثيل "جيه دي فانس" للرئيس ترمب، كونه جزءا من مجلس وزرائه المصغر مثل "ستيف ويتكوف" أو "كوشنر". وفي النهاية، جرت المفاوضات وجها لوجه بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ونائب رئيس الولايات المتحدة، حيث يمثل كل منهما النظام الرسمي في بلده.

لم يسقط النظام في إيران رغم اضطرارهم لتغيير مرشدها الأعلى؛ لأنهم صمموه بطريقة لا تعتمد على شخص واحد؛ فبينما يُعد منصب المرشد مهما جدا، إلا أن اتخاذ القرار تم تفويضه لمؤسسات مختلفة، ولم تعد مجالات صنعه بيد عنصر واحد، سواء داخل الحكومة أو خارجها.

على سبيل المثال، هناك مراكز اقتصادية تقع في الوزارات، وعناصر أخرى خارج سيطرة الحكومة تعمل داخل مؤسسات الدولة (البنياد) وأماكن أخرى، ما يؤكد تصميم نظام لا يعتمد على اتخاذ القرار من الأعلى إلى الأسفل، بل يحتوي على عناصر متعددة؛ وبالتالي، يمكن استبدال القادة بسرعة كبيرة دون إصابة النظام بالشلل؛ لأن الجميع يعرف بالضبط ما يتعين عليه القيام به.

وهنا جاء اختيار مرشد أعلى في خضم الحرب سلسا، فكانت معايير الاختيار تعتمد على قضايا الأمن القومي، والبحث عن شخص يفهم الحرس الثوري ويحظى بثقتهم أكثر أهمية في الاختيار من المسائل الدينية أو رتبة كـ "آية الله العظمى"، وهذه النقطة مهمة في فهم النظام الإيراني.

وتستمد شرعية مجتبى خامنئي قوتها من انتمائه السابق للحرس، وكونه مساعدا مقربا لأبيه، فضلا عن حالة التعاطف الشعبي الواسع، خاصة بين المتدينين، بسبب الطريقة التي قُتل بها والده ومعاناته الشخصية؛ وهي ظروف جعلت استبدال "خامنئي الأب" بابنه مختلفا تماما عما لو حدث في وقت السلم.

ورغم أنه قد يكون مصابا وتبوأ السلطة منذ أسابيع، فإن القرار المصيري بإنهاء الحرب أو الاستمرار فيها يقع في يده، وبعد انجلاء غبار المعارك، ستتضح خططه الفعلية لكيفية الحكم.

وفي هذا السياق، تضاعف دور قيادة الحرس الثوري بسيطرتهم على مفاصل الحرب وسد الفراغ الذي خلفه مقتل قادة كبار، مما جعل مجتبى، وهو أحد قدامى المحاربين في صفوفهم، أقرب إليهم، وهو ما يفسر الحضور الطاغي للحرس في الحكومة ومناصب صنع القرار.

إعلان

ورغم أن إيران حاليا تبدو كدولة عسكرية في بعض جوانبها، لكن نموذجها يختلف عن تجارب أخرى يتغلغل فيها العسكريون في الاقتصاد والقطاع الخاص والمناصب الحكومية.

ومع حالة الحرب، تعاظم هذا النفوذ ليسيطر على الاتصالات والأنشطة اليومية، مما جعل الطابع الأمني للنظام أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

أما "الوكلاء"، فقد تراجعت قيمتهم الإستراتيجية للدفاع عن الأمن القومي الإيراني، مقارنة بالماضي، فبعد أن كانوا في قمة الأولويات، أصبحوا الآن في أسفل السلم أمام أهمية الصواريخ والسيطرة على مضيق هرمز.

ورغم حاجة علاقتهم بمجتبى إلى وقت لتكون أوثق، فإنهم يثقون به لانتمائه إلى الجناح الأمني للنظام الذي طالما كان قريبا منهم، بعيدا عن أي توجهات إصلاحية.

الدين بوظيفة السياسة

يجب ألا نغفل أن إيران دولة قومية، لا كيان همه "الجهاد العالمي" أو فصيل يسعى لتبني قضايا دينية بحتة دون غرض سياسي؛ فالدين هناك في خدمة الدولة القومية، وفي خدمة الحشد والتعبئة، ومن الخطأ تفسير سلوكياتها السياسية والقتالية على أساس ديني فقط، وقد رأينا أن العامل المرجح في اختيار شخص مجتبى كانت العوامل الأمنية والسياسية أكثر من المركز الديني.

وفي هذا السياق، يجب أن ننظر إلى الحرس الثوري مثل نظرتنا للجيوش الأخرى يتصرفون على أسس عسكرية بحتة لا دخل للدين فيها؛ فعندما يهاجمون، ويمارسون هيمنتهم على مضيق هرمز أو غيره، فإن ذلك يتم باسم الدولة.

وعندما يقومون بأعمال عابرة للحدود ويخلقون الوكلاء في لبنان، وسوريا، واليمن، فلا علاقة لذلك بالثورة أو الدين، فهذه الكيانات خلقت لتصب في خدمة مصالح إيران القومية، ولا يختلف الأمر عما تفعله أي دولة في دعم فصائل خارجية لخدمة مصالحها.

حتى استهداف أسعار النفط أو الملاحة، على سبيل المثال، يضعون له مبررات عملية علمانية لا دينية؛ إذ إن رفع الأسعار يضغط على الرئيس ترمب بطريقة لا تفعلها القنابل، لذا فإن الدين ليس تفسيرا جيدا رغم استخدامه لتبرير الحرب شعبيا، أو لجذب المتطوعين.

ويدرك العسكريون في وكالة المخابرات المركزية (CIA) وغيرهم هذا الواقع؛ فهم يعلمون أن إيران تجري حساباتها في عالم عقلاني علماني، ولديها أهداف للأمن القومي لا تأتي من القرآن بل من غايات سياسية واضحة.

ورغم أن سياسات إيران خطيرة وغير مقبولة لجيرانها، لكن علينا أن نفهما كما نفهم أهداف بوتين في أوكرانيا أو القرم بوصفها أهدافا سياسية قادمة من القرن التاسع عشر، وليست رؤية دينية خلاصية توجهها، فإيران تلعب الشطرنج وفق خطة لعب واضحة المعالم.

إسرائيل وحسابات الفشل

وعودة لاتفاق إطلاق النار المتعثر، فإن إسرائيل ليست سعيدة، فقد خاضت الحرب مع إيران مرتين للقضاء عليها؛ حيث رأت بعد حرب غزة، وتدمير حزب الله، وسقوط الأسد في سوريا فرصة للقضاء فعليا على طهران بوصفها القوة الحقيقية وراء محور المقاومة.

وبعد هاتين الحربين، فشلت في تحقيق مآربها ولا تزال الجمهورية الإسلامية قائمة، لذا لم تنجز إسرائيل أهدافها الإستراتيجية.

بيد أن القضية بين الطرفين لن تنتهي، فإسرائيل قتلت المرشد الأعلى ودمرت أجزاء من إيران، وهو أمر لن يمر بسهولة.

ومن المرجح أن يركز الإسرائيليون الآن على ترسيخ مواقعهم في لبنان، وسوريا، وفي الأراضي الفلسطينية، بانتظار ما بعد مفاوضات إسلام آباد المتعثرة والتي لم تصل إلى نتيجة؛ وهو ما يعني استئناف الحرب للسعي نحو إسقاط النظام، وتحويل إيران إلى دولة فاشلة، أو الاضطرار لوقف القتال والتحضير للجولة القادمة مع التركيز راهنا على ترتيبات منطقة بلاد الشام.

مخاض طهران القادم

وفي المحصلة، من الصعب الجزم بما إذا كانت هذه الحرب منعطفا للنظام أم نقطة قوة. فمن ناحية، إذا تهيأت الظروف لعقد صفقة وخرجوا باتفاق مع الولايات المتحدة، فإنه يمكنهم ادعاء النصر والتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز، لكن اقتصادهم تعرض للدمار وتلاشت صناعات كبرى كالصلب والبتروكيماويات، ليصبح الوضع المعيشي أكثر مأساوية، ناهيك عن جراح الصدام مع الشعب في يناير/كانون الثاني التي لم تُنسَ. لذا، ورغم إحباط الخطط الأمريكية والإسرائيلية، يظل الداخل الإيراني يواجه وضعا صعبا للغاية.

إعلان

أما بخصوص البرنامج النووي، فلا يبدو أن العودة إليه خيار جاذب؛ فهو لم يحمِ البلاد من الحرب بل جلب العقوبات دون امتلاك قنبلة، والمفاوضات المتعثرة يقودها ملف مضيق هرمز لا الطموح النووي.

وبما أن إنتاج سلاح نووي قد يستغرق سنوات خطيرة، قد تتخللها انتفاضة شعبية أو قصف جديد، فإن الأولوية ستكون للتخفيف الاقتصادي وضخ حياة جديدة في البلاد؛ فالمشروع النووي ليس كل شيء بالنسبة لهم.

علما أن إيران خاضت هذه الحرب وحيدة وبمفردها، دون حلفاء بالمعنى التقليدي أو حماية من "ناتو" إقليمي؛ فالمساعدة الروسية والصينية لم تتجاوز "الفيتو" ضد فتح المضيق بالقوة، وبعض الدعم الاستخباراتي الخفي، لتخرج إيران من هذه المواجهة وحيدة في خياراتها كما كانت في معاركها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا