بدأت هذه الحرب بصور مذهلة: فعندما سقطت القنابل الأولى على إيران في 28 شباط/فبراير، وقف الناس في طهران فوق أسطح منازلهم وهتفوا. وهذا الرد ليس بالضرورة الرد المتوقع عندما تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل ، اللتان تعتبرهما الحكومة الإيرانية عدوتين لدودتين، حربًا مثيرة للجدل على الأقل من ناحية القانون الدولي.
ومع ذلك فإنَّ العديد من الإيرانيين مستعدون لقبول خسائر في صفوف المدنيين وأضرار الحرب إذا أدى ذلك إلى نهاية النظام الإيراني المكروه. حتى وإن كانت الولايات المتحدة تقدّم معلومات متضاربة حول أهداف الحرب، فإنَّ "تغيير النظام" أمر مطروح. فقد وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نداءً مباشرًا للأشخاص الذين شاركوا في مظاهرات كانون الثاني/يناير الجماهيرية التي قُمعت بوحشية ودعاهم إلى الاستيلاء على السلطة. وقال مخاطبًا الشعب الإيراني: "عندما ننتهي من مهمتنا، استلموا الحكم بأنفسكم. هذه ستكون مسؤوليتكم، وربما الفرصة الوحيدة لكم لعدة أجيال".
وأعلن ترامب بعد ساعات قليلة عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي . ومع ذلك فإنَّ النظام الإيراني لا يزال يعمل بكامل طاقته - حتى بعد مثل هذه الضربة القاتلة - وبالتالي ما يزال من غير المعروف تمامًا إن كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستحققان هدفهما الحربي. فما هي السيناريوهات المحتملة لإيران في فترة ما بعد الحرب؟
بعد وفاة خامنئي، قد ترضى الولايات المتحدة الأمريكية عندما يتم تعيين خليفة له يتماشى مع توجهاتها. وترامب نفسه صرّح لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنَّ لديه "ثلاثة خيارات جيدة جدًا" لقيادة إيران، ولكنه لم يرغب في ذكرها. في فنزويلا غيّرت الولايات المتحدة رأس النظام من دون تغيير هيكله. حيث اختطفت في بداية كانون الثاني/يناير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقدت اتفاقًا سياسيًا مع نائبته السابقة ديلسي رودريغيز. وقال ترامب في إشارة إلى إيران: "أعتقد أنَّ ما فعلناه في فنزويلا هو السيناريو الأمثل ".
الرئيسة المؤقتة تحت رحمة ترامب: ديلسي رودريغيز نائبة الرئيس السابقة في فنزويلا، خلال حفل تنصيبها في كانون الثاني/ينايرصورة من: Marcelo Garcia/Miraflores Palace/REUTERSوحول ذلك قال كورنيليوس أديبار، خبير شؤؤن إيران من الجمعية الألمانية للعلاقات الخارجية (DGAP)، في حوار مع قناة التلفزيون الأولى الألمانية (ARD) العامة، إنَّ إيران قد تستغل البحث عن خليفة لخامنئي من أجل بناء نظام قيادة جديد يعتمد على قوة الحرس الثوري ، وتعرض نفسها على الأمريكيين لإقامة علاقات جديدة: "هذا السيناريو يشبه ما حدث في فنزويلا. يتم فقد استبدال رأس النظام، وفي النهاية تجري تغييرات أقل بكثير مما كان يأمله الناس في الأصل".
ولكن من غير الواضح إن كانت الولايات المتحدة تفضّل هذا السيناريو في الواقع: فقد كرر ترامب في الحوار نفسه مع "نيويورك تايمز" أيضًا احتمال تمرّد الشعب الإيراني من أجل إجراء تغيير شامل للنظام.
وكذلك يعتبر إسقاط النظام نتيجة محتملة للحرب، من وجهة نظر الخبير بيمان أسد زاده، من مركز بيلفر في مدرسة كينيدي بجامعة هارفارد الأمريكية. وفي تحليل موجز نشر على الإنترنت، يتحدث أسد زاده حول "استمرارية مُعدلة" كخيار ثانٍ. ويقول إنَّ هذا سيحدث إذا قام ما يعرف باسم "مجلس الخبراء" بتعيين شخص براغماتي كخليفة لخامنئي.
ويضيف أنَّ "الأولويات الداخلية ستركز على إعادة الإعمار الاقتصادي، والاستقرار والإصلاحات السياسية، بينما ستتجه السياسة الخارجية نحو خفض التصعيد". ويبدو أنَّ هذا الخيار يدعم أيضًا سيناريو فنزويلا المذكور أعلاه.
وتقول بورجو أوزجيليك، خبيرة الشرق الأوسط في مركز (RUSI) للدراسات الأمنية والاستراتيجية في لندن، إنَّ "اتباع مسار براغماتي لقيادة ما بعد الحرب في طهران يهدف إلى خفض التصعيد مع الولايات المتحدة، وبالتالي إلى توفير تسهيلات اقتصادية لصالح ملايين الإيرانيين. وهذا بدوره قد يمهّد الطريق لمرحلة تعافٍ أكثر استقرارًا وضرورية للغاية"، كما قالت أوزجيليك لـDW.
آية الله علي خامنئي في صورة صادرة من مكتبه - يمكن تفسير خلافته كإشارة إلى الاتجاه الذي يريد النظام اتباعهصورة من: Office of the Iranian Supreme Leader/AP Photo/picture allianceبيد أنَّ السيناريو الثالث يكمن من وجهة نظر أسد زاده أيضًا في احتمال أن يجتمع النظام القائم حول شخص متشدد محافظ أكثر، قد يعمل حتى على تعزيز عقيدة النظام أكثر".
وفي هذا الصدد يتحدث جوليان بورجر، مراسل صحيفة "الغارديان" البريطانية، حول الخوف من "احتمال أن يستنتج أعضاء القيادة الناجون بعد الهجمات المتكررة أنَّ القنبلة الذرية هي الضمان الوحيد للبقاء. ومن الممكن عندئذ أن يقمعوا المعارضة بقسوة متزايدة، ويصبح النظام أشبه بكوريا الشمالية : معزول ومرتاب ومسلح نوويًا".
وقبل أسبوعين من بدء الحرب، وبالتزامن مع مؤتمر ميونيخ للأمن ، حدد نحو 250 ألف متظاهر إيراني في المنفى ومتظاهرين آخرين ما يمكن أن يأتي بعد نظام الملالي: فقد هتفوا باسم رضا بهلوي ، ابن الشاه الذي تم عزله نتيجة الثورة الإسلامية في عام 1979. أكد رضا بهلوي عدة مرات أنَّه لا يسعى إلى العودة إلى النظام الملكي، بل إلى التحول الديمقراطي في إيران.
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في تجمع حاشد للمعارضة الإيرانية بمدينة ميونيخ الألمانيةصورة من: Javad M. parsa/Parspix/abaca/picture allianceورضا بهلوي لا يعتبر شخصًا غير مثير للجدل ، ومع ذلك فقد حظي باهتمام كبير ضمن إطار الاحتجاجات المعارضة للنظام في كانون الثاني/يناير، وربما هذا يعود أيضًا إلى قيام النظام باعتقال العديد من المعارضين أو إسكاتهم بطرق أخرى.
لقد وضع بهلوي خططًا جادة لكيفية تنظيم عملية الانتقال، كما كتب مارك دوبويتز وبن كوهين من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية (FDD). "لكن التخطيط ليس سلطة". وذلك بسبب عدم وجود أي ضمان لمن سيحكم إيران بعد سقوط النظام. وأيضًا "إيران ليست كتلة واحدة متجانسة، بل هي فسيفساء تتكون من الأذربيجانيين و الأكراد والعرب والبلوش وغيرهم من مجموعات عرقية أخرى"، كما يكتب خبراء مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
لقد عمل الجيش في الفترة التي سبقت الثورة الإسلامية عام 1979 على تسريع انهيار سلطة الشاه، وذلك من خلال إعلانه في شباط/فبراير أنَّه لن يطلق النار على معارضي الشاه. وبعد ذلك أسست القيادة الجديدة في أيار/مايو الحرس الثوري لتأمين سلطتها.
وحتى اليوم ما يزال الجيش ("أرتش") والحرس الثوري موجودين جنبًا إلى جنب، مع أنَّ معظم المحللين ينسبون اليوم سلطة أكبر بكثير للحرس الثوري ، الذي توجد لديه أيضًا شركات تجارية مؤثرة، إلى جانب جيشه وقواته الجوية والبحرية وجهاز استخباراته. وقد صنّف الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري كمنظمة إرهابية بعد مشاركته في قمع الاحتجاجات في كانون الثاني/يناير. وفي الأيام الأولى من الحرب، دعا ترامب الجيش والحرس الثوري والشرطة إلى إلقاء السلاح. ولكن حتى الآن لا توجد بحسب الخبراء أية مظاهر تشير إلى التفكك.
يمتلك الحرس الثوري الإسلامي معدات عسكرية متطورة، ويسيطر أيضًا على قطاعات مهمة من الاقتصاد الإيرانيصورة من: Sephanews/ZUMA Press/picture allianceوتعتقد بورجو أوزجيليك أنَّ الحرس الثوري يمكن أن يواجه مقاومة داخلية متزايدة ضد نظام المحسوبية النخبوية لديه. "من الممكن أن يتجلى هذا في انقسامات مؤسسية أكثر حدة. ومن المحتمل أيضًا حدوث انقسام متزايد بين الحرس الثوري والجيش النظامي، ويُنظر فيه إلى الجيش باعتباره الوجه 'المُصلح‘ لوطنية إيرانية متجددة ودولة فاعلة"، كما تقول خبيرة مركز (RUSI) للدراسات الأمنية والاستراتيجية.
وهكذا من الممكن - نظريًا على الأقل - تصور سيناريو قد ينقسم فيه الجيش والحرس الثوري إلى معسكرين سياسيين مختلفين. وعندئذ سيكون من غير المستبعد حتى حدوث حرب أهلية كتلك المستعرة في السودان منذ نحو ثلاث سنين.
وكذلك من الممكن أن يشكل تنوع إيران العرقي المذكور أعلاه خطرًا بالنسبة للأمن الداخلي إذا أرادت جماعات انفصالية مختلفة استغلال فراغ السلطة لصالحها. فقبل أسبوع واحد فقط من بدء الحرب، اتحدت خمسة تنطيمات كردية في جبهة موحدة ضد النظام. وهم يرفضون أيضًا رضا بهلوي كشخصية انتقالية. وهذا مثال يبيّن أنَّ إعادة التنظيم السياسي في إيران ستكون معقدة في جميع الأحوال.
أعده للعربية: رائد الباش
المصدر:
DW