في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تناول الكاتب سيرج شميمان بالنقد والتحليل مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المعروفة باسم " مجلس السلام" الذي عقد اجتماعه الأول أمس الخميس.
واعتبر أن مجلس السلام، الذي استحدثه ترمب وأُعيد تسميته ليصبح "معهد دونالد ج. ترامب للسلام"، يحمل أوجه شبه مقلقة بينه وبين أساليب الدعاية التي كان ينتهجها الاتحاد السوفياتي السابق إبان الحرب الباردة.
وقد حضرت الاجتماع الأول لمجلس السلام 47 دولة، بعضها أعضاء فيه، كما شارك الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب، لبحث إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في غزة، وذلك بعد "حرب الإبادة الجماعية" التي تعرض لها القطاع.
وأعلن الرئيس ترمب، في الكلمة التي ألقاها أمام الاجتماع، أنه سيقدم 10 مليارات دولار لغزة عبر مجلس السلام، مؤكدا أن دولا ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار أخرى ضمن حزمة إنقاذ للقطاع الفلسطيني.
واستهل شميمان مقاله باستدعاء تجربته الشخصية في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت شعارات السلام جزءا أساسيا من الخطاب الرسمي، رغم الطبيعة العسكرية والقمعية للنظام.
وأوضح أن مؤسسات مثل "مجلس السلام العالمي" و"صندوق السلام السوفياتي" لم تكن تعبيرا عن التزام حقيقي بالسلام، بقدر ما كانت أدوات دعائية لتجميل صورة موسكو خارجيا، وتمويل حركات مناهضة للحرب تخدم في الواقع مصالحها السياسية.
وقارن المقال هذا الإرث بمبادرة ترمب، مشيرا إلى أن فكرة "مجلس السلام" تستحضر اللغة ذاتها التي استخدمتها الأنظمة الشمولية، حيث يُرفع شعار السلام بالتوازي مع سياسات عسكرية وتصعيدية.
لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها
ولفت الكاتب إلى أن ترمب يطالب علنا بمنحه جائزة نوبل للسلام، ويؤكد أنه أنهى 8 حروب أو نزاعات، رغم أن معظم هذه التسويات كانت مؤقتة أو لا ترقى إلى مستوى الحروب، في وقت شهدت فيه إدارته عمليات عسكرية متعددة، من قصف إيران واليمن إلى التدخل في فنزويلا.
وفي تقديره أن مجلس السلام الجديد، الذي يتخذ من معهد ترامب للسلام مقرا له، يبدو للوهلة الأولى كمبادرة لإعادة إعمار غزة وحل النزاعات، لكنه في جوهره يفتقر إلى ميثاق عمل واضح، ويقوم على مبدأ "الدفع مقابل المقعد"، حيث تصل تكلفة العضوية الدائمة فيه إلى مليار دولار.
هذا التوجه -في رأي شميمان- يحول الدبلوماسية الدولية من ساحة للتوافق العالمي إلى نموذج تجاري يخدم مصالح الرئيس وتوجهاته الشخصية، وهو ما يفسر رفض العديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين الانضمام إلى هذا التشكيل المثير للجدل، خوفا من أن يكون بديلا عن مجلس الأمن الدولي.
وذهب المقال إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن مبادرة ترمب بتأسيس المجلس تندرج ضمن نمط أوسع من "اللغة المزدوجة" التي تُميز الأنظمة السلطوية، حيث تُقدَّم السلطة المطلقة على أنها ديمقراطية، والقمع باعتباره عدالة، والحرب باعتبارها سلاما.
ويعقد الكاتب مقارنات مباشرة بين "عبادة الفرد" في الاتحاد السوفياتي، لا سيما في عهد رئيسه ليونيد بريجنيف، حيث كان القائد يُمنح الأوسمة والجوائز وتُسمى المدن باسمه بينما يتداعى النظام من الداخل.
ولاحظ شميمان أن ترمب يسعى لتخليد اسمه على كل شيء، من المطارات إلى المعاهد، مستغلا في ذلك وسائل إعلام متملقة تروج لنجاحاته المتخيلة، بينما يهاجم الصحافة الحرة التي تصف الواقع كما هو.
وتطرق المقال إلى دعوة ترمب نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى الانضمام إلى المجلس، واصفا إياه بأنه الأكثر قدرة على فهم "قواعد اللعبة"، لكونه خريج مدرسة الاستخبارات السوفياتية التي أتقنت استخدام السلام سلاحا سياسيا.
ويخلص شميمان، في نهاية مقاله، إلى أن تاريخ الاتحاد السوفياتي يثبت أن الأنظمة السلطوية قد تنجح مؤقتا في تسويق أوهامها، لكنها في النهاية تعجز عن الهروب من الحقيقة، محذرا من أن لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها.
المصدر:
الجزيرة