باريس/موسكو- منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إبقاء خيط رفيع من التواصل مع موسكو، وهو ما عرّضه لانتقادات عديدة واتهامات وصفته بالسذاجة السياسية أو محاولة لعب دور الوسيط فوق حسابات الواقع.
لكن، بعد عامين من حرب استنزاف أنهكت كييف وأربكت الاقتصاد الأوروبي، وفتح باب الشكوك بشأن مستقبل المظلة الأمنية الأمريكية، جدّد ماكرون الجدل حول ضرورة إنشاء قنوات حوار مع روسيا، والدعوة إلى صياغة "قواعد للتعايش" معها بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.
لذا، لا تبدو إشارات باريس نحو موسكو من أجل انفتاح دبلوماسي خطوة بسيطة، بل جزءا من صراع أعمق داخل أوروبا نفسها، بين من يرى أن الواقعية السياسية تقتضي حوارا مع الخصم، ومن يخشى أن يتحول ذلك إلى تنازل مبكر يضعف موقع القارة من أية تسوية قادمة.
في مؤتمر ميونخ للأمن، شدد ماكرون على أن أوروبا ستضطر عاجلا أم آجلا إلى التعامل مع روسيا، موضحا أنه "على أوروبا تحديد قواعد التعايش مع روسيا في حال إرساء السلام في أوكرانيا".
كما دعا إلى أن تكون أوروبا طرفا في أية مفاوضات تتعلق بأمنها، لا مجرد متلقّ لنتائج تفاهمات بين قوى كبرى. في الوقت ذاته، حرص الرئيس الفرنسي على التأكيد أن إنهاء الحرب لا يكون "بالخضوع لمطالب روسيا، بل بزيادة الضغط عليها".
في هذا الإطار، يرى المتخصص في العلاقات الدولية جان ماري بوكيل، أن تحركات ماكرون الأخيرة تجاه موسكو لا تعكس تقاربا بالمعنى التقليدي، بقدر ما تعبر عن محاولة فرنسية لإعادة تموضع إستراتيجي داخل المشهد الأوروبي والدولي.
وأضاف بوكيل للجزيرة نت "تدرك باريس أن الحرب في أوكرانيا دخلت مرحلة استنزاف طويلة، وأن أية تسوية قادمة ستفرض إعادة فتح قنوات الحوار مع موسكو، سواء رغبت أوروبا بذلك أم لا. ويرغب ماكرون في لعب بلاده دور الوسيط المؤثر بدل أن تظل متفرجة على تفاهمات قد تُصاغ بين واشنطن وموسكو فقط".
من جانبه، اعتبر المتخصص في الشؤون الدولية ديميتري كيم أن التحرك الفرنسي يسعى إلى عدم تصوير النخب الأوروبية كطرف مهزوم في الصراع الأوكراني، بل كطرف مشارك في حله.
ومن خلال التلميح إلى تقارب محتمل بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، يرى كيم -في حديث للجزيرة نت- أن ماكرون يهدد الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في نهجها المعادي لأوروبا.
ومن وجهة النظر الروسية، تحتل فرنسا المرتبة الأولى في "مؤشر الحكومات غير الودية"، ما يفسّر وفق مراقبين روس، ردود الأفعال الروسية غير المتحمسة لتصريحات الرئيس الفرنسي.
وبالتالي، يوصف الرد الرسمي الروسي بالبرودة إلى درجة التشكيك بالنوايا. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا إن "رغبة ماكرون المعلنة في الحوار مع روسيا تخفي محاولة للتدخل في مفاوضات أوكرانيا (..) وفرض خيارات التسوية التي يروج لها الاتحاد وما يسمى ب تحالف الراغبين".
وقد أعلن الرئيس الفرنسي في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن نيته استئناف الحوار المباشر مع نظيره الروسي، وأرسل مستشاره الدبلوماسي إلى موسكو مطلع فبراير/شباط الحالي للتحضير لهذه المحادثات.
إلا أن ديميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين صرّح مؤخرا بأن المستشار الألماني فريدريش ميرتس وماكرون لا يبذلان أية محاولات للتواصل مع الكرملين، قائلا "يكفيهما الاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين".
ويعتقد الباحث في مركز الدراسات الأوروبية أندريه مامكين، أن تصريحات ماكرون تشير إلى وعي متزايد لدى بعض النخب الأوروبية "ممن يتمسكون دائما بالتفكير الإستراتيجي ولم تُعمِهم كراهية روسيا المطلقة" بالوضع الخطِر الذي أوصلت أوروبا نفسها إليه في السنوات الأخيرة.
وأكد مامكين للجزيرة نت، أن تصريح ماكرون يعد بالغ الأهمية بالنظر إلى إصرار القادة الأوروبيين على مدى السنوات الأربع الماضية على أن النظام الأمني الجديد في القارة يجب أن يستهدف روسيا، لا أن يُنشَأ بالتنسيق معها.
وعلى الرغم من خشية هذه النخب اليوم حدوث انقسام جديد داخل الاتحاد الأوروبي، وتفكيرها الجدي في الاستقلال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة واستئناف الحوار مع موسكو، فإنه ينبغي على هذه الأخيرة استغلال خطاب الرئيس الفرنسي دون أن تثق به "لأنه راوغ مرارا وتكرارا"، بحسب كلامه.
وفي كلمته أمام مؤتمر ميونخ للأمن أيضا، أكد ماكرون، الذي يستعد لدخول عامه الأخير في منصبه، أن أوروبا ستظل تواجه روسيا حتى في حال التوصل إلى اتفاق بشأن الحرب الأوكرانية، وأنها لا تستطيع الاستسلام للمطالب الروسية أو السماح باتفاق قصير الأجل لا يحل القضايا الجوهرية.
تأتي كل هذه التصريحات وسط دعوات متصاعدة لبناء قدرات عسكرية مستقلة وفي لحظة تتزايد فيها المخاوف الأوروبية من التحولات الأمريكية، خاصة أمام احتمالية حدوث مفاوضات ثلاثية بين واشنطن وموسكو وكييف خلال الأشهر المقبلة، ما يثير قلق باريس وبرلين من رسم ملامح سيناريو تسوية تغيب عنه أوروبا.
وتعليقا على ذلك، يعتقد الكاتب والمتخصص في السياسة الخارجية جان بيير بيران، أن الخطوة الفرنسية تعكس ارتباكا أوروبيا أمام طول أمد الحرب، معتبرا أن الحديث عن قواعد للتعايش مع روسيا في هذه المرحلة قد يُفسَّر في موسكو على أنه مؤشر ضعف أو استعداد أوروبي للتراجع.
وفي حديث للجزيرة نت، لا يستبعد بيران وقوع باريس في فخ تكرار الخطأ الدبلوماسي الذي سبق أن وقعت فيه منذ بداية الحرب، حين التقى ماكرون ببوتين دون تحقيق أي مكاسب ملموسة.
وبرأيه، فإن أية مبادرة جديدة مع موسكو قبل تغيير موازين القوى على الأرض قد تضعف الموقف الأوكراني وتعمّق الانقسامات داخل المعسكر الغربي بدل توحيده.
في المقابل، وصف الباحث في مركز الدراسات الأوروبية مامكين، الخطاب الذي يعتمده ماكرون ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بـ"العدائي"، مشيرا إلى تغيير واشنطن مسارها من خلال إلقاء عبء دعم أوكرانيا بالكامل على عاتق أوروبا والتفاوض بشكل مباشر مع روسيا للحصول على تسوية لا تشارك أو تؤثر فيها أوروبا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة