تواجه صحيفة " واشنطن بوست" الأمريكية واحدة من أحلك المراحل في تاريخها الممتد لنحو 150 عاما، حيث أعلنت عن جولة تسريحات واسعة شملت ثلث قوتها العاملة، في خطوة وصفتها الأوساط الإعلامية بـ"الزلزال" الذي طال جوهر المؤسسة العريقة.
يأتي هذا القرار في ظل ضائقة مالية حادة وفشل إستراتيجيات التحول الرقمي في تحقيق الربحية المنشودة، مما وضع الصحيفة في مفارقة حادة مع منافسيها التقليديين.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز وموقعا أكسيوس وسيمافور إبلاغ رئيس التحرير التنفيذي لواشنطن بوست مات موراي الموظفين الأربعاء عبر اتصال مرئي، ببدء "إعادة ضبط إستراتيجية شاملة" تتضمن الاستغناء عن نحو 30% من إجمالي العاملين، من بينهم أكثر من 300 صحفي من أصل 800 في صالة التحرير.
وأوضح موراي أن هذه التقليصات ستؤدي إلى إغلاق القسم الرياضي وقسم الكتب، وتعليق بودكاست (Post Reports) اليومي، وتقليص البصمة الدولية للصحيفة بشكل كبير، لا سيما في الشرق الأوسط والهند وأستراليا.
وبرر موراي هذه الإجراءات القاسية بقوله إن المؤسسة خسرت مبالغ طائلة لفترة طويلة جدا ولم تعد تلبي احتياجات القراء، مؤكدا أن الهدف هو جعل الصحيفة "أكثر مرونة" وقدرة على الازدهار مجددا في مشهد إعلامي يزداد تعقيدا.
من جانبه، كان الناشر والرئيس التنفيذي ويل لويس قد حذّر في وقت سابق من أن الصحيفة فقدت نصف جمهورها في السنوات الأخيرة، مشددا على ضرورة تغيير التوجه الإستراتيجي لمواجهة خسائر بلغت نحو 177 مليون دولار خلال عامين.
تأسست "واشنطن بوست" عام 1877، واكتسبت شهرة عالمية كصوت رقابي رائد، لا سيما بعد كشفها " فضيحة ووترغيت" في السبعينيات التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون، ومشاركتها في نشر "أوراق البنتاغون".
ومنذ أن اشتراها الملياردير جيف بيزوس عام 2013 مقابل 250 مليون دولار، شهدت الصحيفة عقدا من النمو المتسارع، حيث ضاعفت صالة تحريرها واستثمرت بكثافة في التقنيات الرقمية، مما جعلها تنافس "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" على صدارة المشهد الصحفي الأمريكي.
إلا أن هذه المكانة باتت مهددة اليوم، فبينما كانت الصحيفة تُعرف بشعارها "الديمقراطية تموت في الظلام"، يرى مراقبون أن قرارات الإدارة الأخيرة، ومنها قرار بيزوس عدم تأييد أي مرشح في الانتخابات الرئاسية 2024، قد أضرت بعلامتها التجارية وأدت إلى نزيف في الاشتراكات والمواهب الصحفية.
تضع هذه الأزمة "واشنطن بوست" في مقارنة صعبة مع منافستها التقليدية "نيويورك تايمز"، التي نجحت في بناء نموذج اشتراكات رقمي ضخم تجاوز 11 مليون مشترك، وهي في طريقها لتحقيق هدفها بالوصول إلى 15 مليون مشترك بحلول عام 2027.
وعلى عكس "البوست" التي تعاني من ثبات قاعدة مشتركيها عند 2.5 مليون، شهدت "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" ازدهارا بفضل تنويع مصادر الدخل والمنتجات غير الإخبارية.
ويرى خبراء الإعلام، وفقا لأكسيوس، أن "واشنطن بوست" وقعت في فخ العصر الرقمي؛ وهو الحالة التي تجد فيها المؤسسة الصحفية نفسها تبذل جهدا مضاعفا للوصول إلى جمهور أكبر، بينما تتناقص أرباحها وقدرتها على التحكم في وصول محتواها للناس.
وأضاف الخبراء أن المشتركين في الصحف والمواقع الصحفية في العصر الرقمي يميلون للدفع لمنصة واحدة شاملة، وهو ما تفوقت فيه "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" عبر تقديم محتوى متخصص وخدمات متنوعة، بينما بقيت "البوست" تعتمد بشكل كبير على الأخبار السياسية التي تراجع الاهتمام بها بعد رحيل إدارة ترامب الأولى، وتأثرت سلبا بتغييرات خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي التوليدي.
ووصفت نقابة صحفيي "واشنطن بوست" عمليات التسريح بأنها "مذبحة" ستحرم الجمهور من تقارير ميدانية قائمة على الحقائق في وقت تشتد فيه الحاجة إليها.
ووجهت النقابة انتقادات لبيزوس قائلة إنه "إذا لم يعد راغبا في الاستثمار في المهمة التي حددت هوية هذه الصحيفة لأجيال، وخدمة الملايين الذين يعتمدون على صحافتها، فإنها تستحق وصيا آخر يلتزم بذلك".
وقال جيف شتاين، كبير مراسلي الشؤون الاقتصادية، إن هذا اليوم يمثل "نقطة انخفاض مؤلمة" في تاريخ الصحافة الأمريكية، معتبرا أن الصحفيين يدفعون ثمن أخطاء إدارية لم يرتكبوها.
ومن جانبه، اعتبر رئيس التحرير السابق، مارتي بارون، أن طموحات الصحيفة ستتضاءل بشكل حاد، مما يضعف قدرتها على أداء دورها الرقابي والمهني.
أخيرا، تظل "واشنطن بوست" اليوم أمام اختبار وجودي؛ فإما أن تنجح في "إعادة الضبط" والتحول إلى مؤسسة رشيقة قادرة على المنافسة في عصر الخوارزميات، أو أن تفقد هويتها كواحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم، وسط تساؤلات حول مدى التزام مالكها جيف بيزوس بمهمة الصحيفة في ظل استمرار الخسائر المالية وتراجع التأثير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة