في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت – في قلب بيت بيروت، حيث ما تزال الجدران تحتفظ بآثار خطوط التماس وندوب الحروب السابقة، لا يبدو المكان مجرّد مبنى ثقافي يحتضن أعمالا فنية، بل يتحوّل مع معرض "احكيلي يا جنوب" إلى أرشيف حيّ للذاكرة، وإلى مساحة لإعادة تركيب حكايات غالبا ما رُويت من الخارج أو وصلت مبتورة عن أصحابها.
بين الممرات والغرف المتداخلة، ينفتح المعرض كنافذة على الجنوب اللبناني، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل كنسيج من التجارب الإنسانية التي تشكّلت تحت ثقل الحرب والتهجير والفقد، حيث تتداخل تفاصيل الحياة اليومية مع لحظات الانكسار والنجاة. هنا، لا تُقدَّم سردية جاهزة أو تاريخ مغلق، بل تترك الشهادات لتقترح قراءاتها الخاصة، وتفتح الذاكرة على احتمالات متعددة للفهم والرواية.
المعرض، المنبثق عن مشروع "احكيلي" في بيت بيروت، يقوم على أرشيف مفتوح من الشهادات الشخصية القادمة من قرى الجنوب. لا يقتصر السرد على المؤرخين، بل يمتد إلى أصحاب الحكايات أنفسهم: نساء ورجال وأطفال خرجوا من بيوت مهدّمة، أو من قرى تبدّلت ملامحها، أو من أماكن ظلّت معلّقة بين العودة والغياب.
في الزوايا، لا تُعرض الصور كوثائق صامتة، بل كطبقات حيّة من الذاكرة، تتجاور مع تسجيلات صوتية وأغراض شخصية تحمل ما هو أبعد من مادّيتها: مفتاح بيت قديم، صورة عائلية، أو رسائل نزوح بخط اليد. تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تفتح عوالم كاملة من الزمن المفقود.
من هذا التراكم، يطرح المعرض سؤالًا يتجاوز العرض البصري: كيف يمكن للذاكرة أن تستمر في مكان اعتادت فيه الحرب أن تمحو كل شيء؟ تتحوّل الشهادة الفردية هنا إلى جزء من أرشيف جماعي متداخل، لا يُقدَّم فيه الجنوب ككتلة واحدة، بل كشبكة أصوات وتجارب متقاطعة لكل منها علاقتها الخاصة مع الحرب والفقد ومعنى البقاء.
في الطابق السفلي، حيث يخفّ الضوء ويصبح الإيقاع أكثر بطئًا، تقف أماني من بلدة حولا، نازحة في بيروت، منحنية فوق العجين. لا تبدو الحركة مجرد فعل يومي بل استعادة صامتة لزمن كامل.
تغمس يديها في الكتلة الطرية بإيقاع مألوف، تعجن كما لو أنها تعيد جمع شتات ذاكرة بعيدة. في كل حركة شيء من الجنوب: من بيت كانت رائحته تُسبق أبوابه، ومن طابون كان يفتح اليوم على إيقاع الفجر. تقول أماني للجزيرة نت إن الغربة لم تنجح في اقتلاع "الضيعة" منها، وإن الجغرافيا قد تتغيّر، لكن الذاكرة تبقى أكثر عنادا من المنفى.
تصف نفسها بأنها "بنت جنوب وبنت ضيعة"، نشأت في بيت قروي امتدّت فيه الحياة اليومية بين الأرض والخبز ورائحة الطحين. حتى في بيروت، ما تزال ترى بيتها القديم كصورة لا تغادرها.
وتضيف أنها تعلّمت من جديد كيف تعجن وتخبز، لكن الفعل بالنسبة لها ليس جديدًا بقدر ما هو عودة إلى شيء كان مقيما في الداخل، ينتظر لحظة استعادته.
في سياق موازٍ، تشير الكاتبة والمخرجة اللبنانية نادين توما، منسّقة ورشة العجين والخبز للجزيرة نت إلى أن هذه المبادرة تهدف إلى تمكين النساء النازحات وإعادة ربطهن بمهاراتهن التراثية، في ظل التحوّلات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية.
وتشارك سلمى من بلدة الجماجمة في قضاء بنت جبيل، والتي أعاد النزوح تشكيل يومياتها، في تعلّم إعداد الخبز على الصاج من جديد، في تجربة تتجاوز الفعل التقني لتتحوّل إلى محاولة لإعادة وصل ما انقطع من إيقاع الحياة وذاكرتها.
وتوضح توما أن "احكيلي يا جنوب" يفتح مساحة لعرض تجارب نساء من الجنوب وإعادة قراءتها ضمن سياق ثقافي يمنحها حضورا أوسع يتجاوز حدود التجربة الفردية إلى فضاء جماعي أرحب.
لا يقدّم "احكيلي يا جنوب" الجنوب كقصة واحدة، بل كقصص متجاورة تتقاطع وتختلف في آن. هناك من يحكي عن بيت فُقد، وآخر عن قرية صمدت، وثالث عن نزوح ما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم.
هذا التعدد يجعل من التجربة أقرب إلى الإصغاء منها إلى المشاهدة؛ فالزائر لا يخرج بخلاصة واحدة، بل بإحساس بأن الذاكرة ليست ثابتة، وأن الحرب لا تُقاس فقط بعدد الدمار، بل بعدد الحكايات التي تغيّرت إلى الأبد.
يتيح المعرض للزوار المشاركة في بناء الأرشيف عبر تدوين ذكرياتهم ورسائلهم وحكاياتهم (الجزيرة)ويشير منسّق المعرض الفنان والمخرج الجنوبي أديب فرحات للجزيرة نت إلى أن هذه النسخة هي الثانية من مشروع "احكيلي"، الذي انطلق قبل عامين في سياق الذاكرة المرتبطة بالحرب الأهلية، ليعود اليوم متصلًا بحرب جديدة ونزوح متجدد في الجنوب.
يهدف المعرض إلى الإصغاء إلى الجنوب عبر حكايات أهله وخلق مساحة تحفظ الذاكرة وتقاوم النسيان (الجزيرة)ويضيف أن المشروع يوسّع حضور الجنوب داخل الذاكرة الثقافية، في لحظة لم يعد فيها الماضي منفصلًا عن الحاضر. فالحرب الأخيرة وما رافقها من نزوح دفعا إلى إعادة فتح الأرشيف، لا بوصفه سجلًا ثابتًا، بل كجسد حيّ يواصل سرد ما يحدث الآن أيضًا.
المعرض، كما يصفه، يمتد على خط زمني من عام 1982 حتى اليوم، حيث تتداخل محطات الاحتلال والحروب والعودة المؤجلة، من دون حدود واضحة بين الماضي والحاضر.
سند ملكية ومفتاح لبيت في بنت جبيل احتفظ بهما أصحابهما كرمز لبيت غائب لكنه حاضر في الذاكرة (الجزيرة)بين الأعمال المعروضة، تتجاور سبعة أصوات فنية وأرشيفية تحاول الإمساك بتجارب النزوح والاحتلال والعودة. في عمل بعنوان "بعد العشاء"، تجتمع أربع نساء حول طاولة واحدة، يروين شهادات تمتد عبر عقود، من 1982 حتى اليوم.
الأصوات المسجّلة وُلدت أثناء الحرب نفسها، ما يمنحها كثافة تتجاوز التوثيق نحو التجربة المباشرة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف تُروى الذاكرة وهي ما تزال تُكتب تحت النار؟
مفاتيح بيوت تركها أصحابها بعد أن نزحوا عنها قسرا بسبب الحرب (الجزيرة)في أروقة المعرض، يقف جواد من النبطية أمام الأعمال كمن يعيد قراءة مدينته من جديد. بالنسبة له، لا يتعلق الأمر بالمشاهدة، بل بإعادة تركيب صورة الجنوب كما يتذكرها ويكتشفها في آن.
يرى أن المعرض يكشف طبقات من الحياة اليومية والثقافة المحلية التي غالبًا ما تغيب عن السرديات العامة، ويعيد طرح سؤال أساسي: كيف تُنقل الذاكرة إلى من لم يعشها، وكيف تُصان من التلاشي؟
يتيح المعرض للزوار المشاركة في بناء الأرشيف عبر تدوين ذكرياتهم ورسائلهم وحكاياتهم (الجزيرة)في النهاية، لا يقدّم المعرض إجابة نهائية، بل يترك السؤال مفتوحًا حول كيفية حفظ الذاكرة في بلد مثقل بالحروب دون تحويلها إلى سردية جامدة.
بين الصورة والصوت والأثر، يظهر الجنوب هنا لا كموضوع للحكي فقط، بل كصوت يروي نفسه بهدوء، أبطأ من الحرب، لكنه أكثر ثباتا منها.
تمتد تجربة الخبز كجسر يعيد النساء إلى مهاراتٍ تراثية انقطعت قسراً (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة