مطعم شهير كان يستعد لفتح أبوابه في مدينة أمريكية، لكن مشروعه انتهى قبل أن يبدأ. والسبب ليس الطعام ولا الأسعار، بل السيارات التي كان يفترض أن تتوقف أمامه.

في كولفر سيتي بولاية كاليفورنيا، ألغت سلسلة "إن-أند-أوت برغر" مشروعها بعد أن قرر مجلس المدينة وقف إصدار تصاريح لإنشاء خدمات سيارات جديدة. وتناولت تقارير عدة هذا التحول، الذي يكشف بداية مواجهة غير معتادة مع أحد أكثر رموز الحياة الأمريكية ارتباطا بالسيارة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أوبن إيه آي تعتذر بعد اختراق ذكاء اصطناعي لموقع حكومي أسترالي
* list 2 of 2 اليابان وتايوان.. تداخل الذاكرة التاريخية وإعادة التسلح end of list

طابور سيارات يهزم مطعما

بدأت القصة عندما علم بول هيويت أن "إن-أند-أوت برغر" تخطط لإنشاء مطعم قرب منزله، بمحاذاة مدرسة ابنه. ولم ير الرجل في المشروع مطعما جديدا فحسب، بل رأى طابورا محتملا من السيارات أمام المدرسة.

ولذلك خشي الأب أن تتحول المنطقة إلى طابور دائم من السيارات، بمحركات تعمل، بينما يتحرك الأطفال مشيا أو بالدراجات قرب المطعم، مما يزيد تلوث الهواء ويعرّض الأطفال الذين يمشون أو يركبون الدراجات قرب المطعم للخطر.

وبدأ الرجل -وهو ممثل وكاتب سيناريو- في حشد أولياء أمور الطلاب للاعتراض على المشروع، وسرعان ما انتقلت القضية من محيط المدرسة إلى أروقة البلدية.

وجمعت عريضة رافضة للمشروع أكثر من 900 توقيع، فيما كان المخطط أن يضم المطعم 61 موقفا للسيارات ومسارا لخدمة السيارات يتسع لـ26 مركبة.

وفي 14 يوليو/تموز الماضي، صوت مجلس مدينة كولفر سيتي بالإجماع على وقف إصدار تصاريح لإنشاء خدمات سيارات جديدة. وكان القرار تمديدا لوقف مؤقت بدأ في يونيو/حزيران، فيما كانت البلدية تدرس صياغة حظر دائم على إنشاء خدمات سيارات جديدة.

وكانت النتيجة واضحة: المشروع اختفى، لأن السلسلة لم تكن ترغب في إنشاء المطعم من دون خدمة السيارات. لكن المفاجأة أن كولفر سيتي لا تحارب ظاهرة نادرة أصلا.

مصدر الصورة خدمة السيارات بالمطاعم أصبحت جزءا أساسيا من نموذج عمل كثير من سلاسل الوجبات السريعة والمقاهي (غيتي)

أمريكا تأكل من خلف المقود

في الولايات المتحدة، لا يحتاج الزبون في كثير من الأحيان إلى مغادرة سيارته للحصول على وجبته، يدخل الطابور ويطلب الطعام ويدفع، ثم يتقدم أمتارا قليلة حتى تصل الوجبة إلى نافذته.

إعلان

والنموذج لم يعد مقتصرا على مطاعم الوجبات السريعة، فالخدمة من السيارة وصلت إلى المقاهي والبنوك والصيدليات وغيرها.

وتشير دراسة، شارك في إعدادها الباحث في التخطيط الحضري مارسيل موران، إلى وجود ما لا يقل عن 133 ألف خدمة سيارات في أنحاء الولايات المتحدة، يقع 83% منها في المناطق الحضرية والضواحي، لا على الطرق السريعة والمناطق الريفية فقط.

ولأن الخدمة توفر الوقت، أصبحت جزءا أساسيا من اقتصاد سلاسل الوجبات السريعة، إذ تمثل المبيعات عبر نوافذ السيارات نحو 70% من إجمالي مبيعات كبرى السلاسل، وفق تقرير متخصص في القطاع لعام 2025. لكن ما يبدو خدمة سريعة وبسيطة من الخارج تترك أثرا أكبر بكثير على شكل المدينة.

مصدر الصورة طوابير السيارات تحولت في بعض المطاعم إلى مساحات واسعة تضم عشرات المركبات المنتظرة (رويترز)

ماذا يحدث عندما ينتظر سائقو 54 سيارة وجباتهم؟

في بعض الأماكن، لم تعد المسألة مجرد سيارة تتوقف لدقائق أمام مطعم، بل قد تتحول المساحة إلى شبكة كاملة مخصصة للطوابير.

ففي أحد فروع "تاكو بيل" بولاية مينيسوتا، تصل منطقة الانتظار إلى 4 مسارات للسيارات، بينما سجل فرع "إن-أند-أوت" في مدينة بويزي بولاية أيداهو طابورا بلغ 54 سيارة.

وفي دالاس بولاية تكساس، يوجد مركز تجاري يضم 8 مطاعم تعتمد على الخدمة من السيارة متجاورة، في منطقة لا يمكن الوصول إليها عمليا إلا بالسيارة.

وهنا تبدأ المشكلة التي دفعت بعض المدن للتدخل. فالسيارات المنتظرة تشغل مساحات كبيرة، وقد تعرقل حركة المشاة والدراجات وتزيد الازدحام والانبعاثات، بينما تحتاج المطاعم نفسها مساحات واسعة لتصميم مداخل ومخارج ومسارات انتظار.

وتشير أبحاث عن جودة الهواء إلى أن السيارات المتوقفة في الطوابير تطلق أكاسيد النيتروجين ومركبات عضوية متطايرة، فيما يؤدي تحرك كل سيارة إلى الأمام مسافة قصيرة إلى إضافة انبعاثات جديدة، مما قد يصنع بؤرا للتلوث حول هذه المنشآت.

وبدل أن يكون المطعم جزءا من الشارع، يصبح الشارع نفسه في بعض الحالات جزءا من المطعم.

مصدر الصورة منفذ لخدمة من السيارة (غيتي)

لكن لماذا يصعب على الأمريكيين التخلي عنها؟

لأن القصة لا تتعلق بالوجبة وحدها، فالمدن الأمريكية نفسها صُممت -في أجزاء واسعة منها- بما يخدم السيارة: المسافات طويلة والطرق عريضة وكثير من المتاجر والمطاعم لا يمكن الوصول إليها بسهولة من دون قيادة.

بل إن السيارة تحولت لدى كثير من الأمريكيين إلى مساحة شخصية تشبه غرفة صغيرة متنقلة. ويمكن تشغيل التكييف والاستماع إلى الموسيقى وتناول الطعام وإنهاء بعض المهام، من دون الحاجة إلى دخول مكان مزدحم أو التفاعل مع الآخرين.

ويرى موران أن هذا الجانب الاجتماعي مهم أيضا، فبعض الزبائن يفضلون الخدمة من السيارة لأنها تقلل الاحتكاك بالآخرين في وقت تتزايد فيه مشاعر الوحدة والعزلة.

وهكذا، فإن منع نافذة لطلب الطعام لا يعني بالنسبة لبعض الأمريكيين مجرد تغيير طريقة شراء وجبة. بل يعني التخلي عن جزء من روتين يومي ترسخ لعقود.

مصدر الصورة مدينة نابا في كاليفورنيا تدرس فرض قيود على إنشاء خدمات سيارات جديدة (غيتي)

الظاهرة لم تنتهِ

المفارقة أن المدن التي بدأت تقيّد خدمة السيارات في المطاعم تتحرك في اتجاه، بينما تواصل شركات المطاعم والمقاهي توسيعها في اتجاه آخر.

إعلان

وتدفع سلاسل المقاهي هذا النمو، بعدما أصبحت الخدمة من السيارة وسيلة لجذب الزبون الذي يريد طلبه بسرعة ومن دون مغادرة سيارته، فيما ذهبت بعض العلامات إلى افتتاح فروع تكاد تكون مخصصة للسيارات، من دون مساحة تقليدية لتناول الطعام.

وفي المقابل، لا ترى المطاعم أن الحل يكمن بالضرورة في الحظر، إذ تقول جمعية المطاعم في كاليفورنيا إن هذه الخدمة توفر خيارا مهما للعائلات التي لديها أطفال صغار وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة وبعض الحالات الصحية.

وتكشف تجربة كارلسباد مفارقة أخرى، فالمدينة التي فرضت قيودا على خدمات السيارات لعقود خففتها لاحقا وسمحت ببعض المنشآت الجديدة، بعدما أظهرت دراسة اقتصادية فارقا في عائدات ضريبة المبيعات بين المطاعم التي توفر الخدمة وتلك التي لا توفرها.

لذلك، لا تبدو كولفر سيتي وكأنها أنهت عصر خدمة السيارات في أمريكا، بقدر ما كشفت عن سؤال بدأ يفرض نفسه على مدن أخرى: هل ما اعتاده الأمريكيون لعقود باعتباره خدمة سريعة ومريحة أصبح جزءا من مشكلة أوسع تتعلق بشكل المدينة نفسها؟