هذه القصة فازت بالمرتبة الثانية في المسابقة التي أقامتها الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية، وننشرها هنا كما كتبتها الفائزة إنعام النور صالح من السودان، ومن دون تعديل أو تغيير حفاظا على الجهد الأصيل للكاتبة.
تقودنا إنعام في عدد من القصص المتنوعة إلى تلك اللحظات القاسية، حيث تقطع أمّ الحبل السري بسكين مطبخ، وثانية تفقد زوجها برصاصة قبل أن تصل إلى المستشفى، وثالثة تحصي أنفاس طفلها خوفا من أن تتوقف، وخلف هذه القصص تقف أرقام ثقيلة إذ ولد الآلاف خارج أي رعاية طبية أو تسجيل رسمي.
والجائزة أطلقها معهد الجزيرة للإعلام بهدف إعادة الاعتبار للصحافة المتأنية والعميقة، وتشجيع السرد الصحفي الإنساني في تغطية الإبادات الجماعية والحروب والنزاعات وقضايا اللجوء والهجرة.
والقصة الأولى تبدأ مع رحاب التي تبلغ من العمر 30 عاما من مدينة الفاشر (شمال دارفور) بالسودان، عندما كانت جاثمة على الأرض، وظهرها ملتصق بحائط يتشقق مع كل هزة قذيفة، تمسك بيدها اليسرى بطست (قِدر) صغير، وفي اليمنى سكين مطبخ. كانت تعرف أن المخاض قد حلّ لكنها لم تعرف كيف ستلد وحدها، "كنت أحسب أنفاسي خوفا من سماع أنين صوتي".
عندما خرجت الطفلة، لم تكن تعرف إذا كانت تبكي أم لا. دوي الانفجارات كان يبتلع كل صوت. مدّت رحاب يدها المرتعشة، لم يكن هناك وقت للتفكير ولا مجال للانتظار، قطعت الحبل السُّري بحدّ سكينها الصدئ، بينما كانت الدموع تختلط بالعرق والتراب والدم.
وتقول بصوت يخنقه كل ما لم تبكِه تلك الليلة "الفحم كان رفيقي؛ سخّنتُه وخلطته بالزيت وجعلتُ منه مرهما لسُرّتها. كنت أعرف أن النزيف قد يقتلها، كنت أعرف أن العدوى قد تقتلني، لكنني لست متأكدة من أن ابنتي ستعيش، كان لازم أعمل أي حاجة، أي حاجة".
كانت رحاب واحدة من نساء كثيرات في دارفور يلدن في عزلة كاملة، في بيوت يُسمَع فيها بكاء الأطفال قبل أن يجد العالم وسيلة لتصديق قصص أمهاتهم.
كانت تلد بينما تدرك أن الموت ليس بعيدا لكنه متأهب على باب البيت، ينتظر لحظة واحدة خاطئة.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، خرجت نسبة ضخمة من المرافق الصحيّة عن الخدمة. تقارير أممية تشير إلى أن حوالي 80% من المرافق الصحية في البلاد إمّا متوقفة أو تعمل جزئيا فقط، مما يعني أن ملايين النساء الحوامل يُجبرن على الولادة في بيوتهن أو في ملاجئ مكتظة دون أي رعاية متخصصة.
في الفاشر، كان المستشفى السعودي للولادة هو المستشفى الرئيسي الذي يستقبل الحوامل من المدينة ومحيطها، لكنه تعرّض لقصف مدفعي ألحق أضرارا بقسم الأمومة، وهو آخر مستشفى متبقٍ في المدينة، فأُغلق الباب الأخير أمام كثير من النساء اللواتي كن يلجأن إليه في اللحظة الأخيرة.
سكينة أحمد (اسم مستعار) 37 عاما، قابلة من الفاشر نزحت إلى مدينة "طويلة" بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة: "كنت في الفاشر أولّد 10 نساء في الأسبوع. لما بدأت الحرب ونزحت كنت ممنوعة أصلا أن أصل إلى أي مركز صحي. بعد قصف المستشفى النسوان القريبات من بيتي بقين يجو بيتي بالليل بدون عربات، بدون نور، بدون أدوات. بيتنا بقى غرفة ولادة وما في زول شايف".
تصف سكينة كيف تحول بيتها الطيني الصغير إلى ما يشبه "مستشفى سريّا" يستقبل نساء في المخاض ليلا ونهارا، وسط قصف متقطع وغياب شبه كامل لمستلزمات النظافة.
"في مرات، ما بيكون عندنا ولا مقص معقم. بنستخدم مقص عادي نمسحه بالكحول لو لقينا، ولو ما لقينا بس نخاف… نربط الحبل السُّري بخيط مغلي في موية دا كل شي".
في مدينة الجنينة (عاصمة غربي دارفور بالسودان)، يبدو الوضع أكثر قتامة بعد موجات الهجمات والنهب التي طالت المستشفيات والمرافق الصحية منذ 2023، بما في ذلك المستشفى التعليمي المدعوم من منظمات دولية والذي تعرّض للنهب والتدمير.
في أحد مراكز اللجوء في تشاد تقول فاطمة (37 عاما، وهي أمّ لخمسة أطفال): "آخر ولادة لي كانت قبل الحرب، في مستشفى فيه دكتورة وقابلة وسرير. ولادة بنتي الصغيرة كانت هنا في الخيمة؛ ما في دكتورة، ما في قابلة، الجارات هنّ القابلات، والبطانيات (الأغطية) القديمة هي ملايات الولادة".
كانت "سعيدة" التي تبلغ من العمر 29 سنة في المخاض حين خرجت مع زوجها ليلا، تحاول الوصول إلى المركز الصحي في حي الامتداد بالجنينة، كان الطريق قصيرا في الأيام العادية، لكنه في تلك الليلة كان ساحة حرب.
أوقفتهما ارتكازات الدعم السريع، استجوبوا الزوج طويلا، بينما كانت سعيدة تنحني من الألم وتقول بصوت مكسور: "أنا بولد، خلّونا نمشي".
لم يسمعها أحد، رفع الزوج يديه وهو يكرر أن زوجته تحتاج للطبيب، ثم دوّى صوت الرصاصة، سقط أمامها في ثانية واحدة بلا وداع، بلا فرصة ليعود، وقبل أن يصلوا حتى إلى نصف الطريق.
تجمّدت سعيدة وهي ترى الرجل الذي كان يسندها يتحول إلى جسد بلا صوت، بينما يشتد المخاض داخلها كأنه يذكّرها بأن الحياة لا تنتظر الموت ليأخذ وقته.
تحكي بعد سنتين، وعيناها معلّقتان في مكانٍ لا تراه: "وقعت جنبه، كنت دايرة أموت معاه، لكن الطلق ما خلاني جرّوني الناس وشالوني، وأنا شايلة وجعي ووجعه".
وراء قصص مثل رحاب وآمنة، تقف أرقام لا تقل قسوة عن صوت القذائف التي تهزّ أسقف البيوت. لم تعد المأساة في دارفور تُقاس بعدد الولادات التي تتم بلا قابلات فحسب، بل بعدد الأمهات اللواتي يدخلن المخاض وهنّ يعرفن مسبقا أن أي خطوة خاطئة قد تكون النهاية.
في دارفور وحدها، تقول منظمات طبية إن عدد المرافق الفاعلة في بعض المناطق يمكن عدّه على أصابع اليد. منظمة أطباء بلا حدود أشارت في تقارير حديثة إلى أن النساء في دارفور يقطعن ساعات مشيا على الأقدام أو على عربات بدائية للوصول إلى مستشفى واحد يعمل، وهو ما يزيد خطر المضاعفات والنزيف والإجهاض.
وفي جنوب دارفور، وثّقت منظمات طبية أكثر من 100 وفاة لأمهات خلال أقل من 8 أشهر معظمهن رحلن بسبب نزيف ما بعد الولادة أو تسمم الدم، وهما سببان يمكن تفاديهما بسهولة في الظروف الطبيعية، لكن لا شيء طبيعيا في هذه الحرب.
وتكشف الدكتورة سعاد عبد الله، وهي طبيبة نساء وتوليد هربت من مستشفى أغلقته القذائف، عن أن "أخطر دقائق في حياة الأم هي الدقيقة الأولى بعد الولادة. في المستشفى بنكون جاهزين، لكن في بيت محاصر نصف ساعة نزيف كفيل بأن يخطف حياة كاملة".
وتتوقف لوهلة قبل أن تضيف "الولادة بلا تعقيم ما بس خطر هي دعوة مفتوحة للموت".
في دارفور، أصبح انهيار النظام الصحي جزءا من يوميات النساء لا مجرد عنوان في تقارير الإغاثة. المستشفيات التي صمدت سنوات طويلة أُغلقت، أو تعمل بطاقة لا تتجاوز 20% وغابت عنها الكوادر الطبية التي كانت شاهدة على آلاف الولادات الآمنة، لم تعد هناك أكياس دم جاهزة، ولا أجهزة أكسجين، ولا غرف عمليات يمكن الركض إليها حين يتخذ الجسد قراره الأخير.
وُلدت الطفلة "رِفقة" التي تبلغ اليوم 3 سنوات في مأوى للنازحين بمدينة الجنينة، وهو مأوى شبه مظلم لا يدخله الضوء إلا من فتحة صغيرة في سقف الزنك.
في ساعاتها الأولى عانت من ضعف شديد في التنفس، وكانت أمها تضع أذنها على صدر الطفلة كل دقيقة لتتأكد من أنها ما تزال حيّة. ضغطتها إلى صدرها بكل ما تبقّى من دفء في جسدها، بينما كانت الاشتباكات تتجدد في الخارج، وتلقي بظلالها الثقيلة على الغرفة الصغيرة.
تحكي أمّ رِفقة بصوت يتهدج كلما عادت إلى ذكريات تلك الليلة "كنت خايفة أسمع صوتها يوقف، ما كنت عارفة أعمل شنو. ما في دكتور، ما في قابلة، وما في زول (شخص) حتى أسأله. كنت بقعد أعدّ أنفاسها بأصبعي، لو طال الزمن بين النفس والتاني، قلبي يقع".
لم تستطع الأم الوصول إلى أي مركز صحي، قطعت مسافة طويلة في اليوم التالي وهي تحمل رِفقة ملفوفة بثوب قديم، تراقب لون شفتيها وتضع أصبعها تحت أنفها لتتأكد من بقايا هواء. وصلت إلى نقطة إسعاف بدائية لكنها كانت ممتلئة بأطفال آخرين وُلدوا في الظروف نفسها، في مدينة تحولت فيها الأيام الأولى للمواليد إلى معركة صامتة مع الحياة.
ومع كل هذه العتمة، يظهر رقم قاسٍ: أكثر من مليوني طفل وُلدوا خلال 18 شهرا من الحرب، كثير منهم في بيوت تآكلت جدرانها أو في معسكرات نزوح مكتظة أو في غرف مطابخ تهتز كلما مرّ الرصاص قريبا.
هؤلاء ليسوا مجرد مواليد، بل أبناء اللحظة الأكثر هشاشة في تاريخ السودان الحديث، أبناء صرخة الحياة الأولى التي تتردد وسط أصوات الموت.
أم رِفقة تنهي شهادتها بنظرة طويلة نحو طفلتها التي تركض الآن بين الخيام: "أنا ما عارفة البِنية دي عاشت كيف، يمكن لأنها جات في الليل، والليل مرات بيرحم أكتر من البشر".
في معسكرات النزوح بدارفور وُلد أطفال لم يكتب أحد أسماءهم في أي سجل، ولم تُوثَّق لحظاتهم الأولى إلا بعيون أمهاتهم. لم تكن هناك شهادات ميلاد، أو موظفو تسجيل، ولا حتى ورقة صغيرة تحفظ تاريخ قدومهم إلى الدنيا.
يقول ملازم أول يعمل بالسجل المدني في دارفور (فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية) "منذ اندلاع الحرب توقف عمل السجل المدني في معظم مناطق دارفور. آلاف الأطفال وُلدوا من دون تسجيل، بلا أرقام وطنية ولا شهادات ميلاد. كنا في العادة نذهب إلى القرى والمستشفيات لتسجيل المواليد، لكن اليوم لا يكاد يعمل أي مستشفى، ولا يستطيع الموظفون التنقل، حتى الدفاتر والسجلات أُحرقت أو نُهبت".
كما يشرح أبعاد هذه الأزمة: "في غضون أشهر قليلة ظهر جيل كامل بلا وجود رسمي. بعد سنوات لن يتمكن هؤلاء الأطفال من دخول المدرسة، ولا من تلقي العلاج، ولا حتى من إثبات هويتهم؛ فالطفل الذي يولد في زمن الحرب يبدأ حياته خارج سجلات الدولة".
لا تنتهي الولادة في دارفور عند خروج الطفل إلى الضوء الشحيح، بل تبدأ بعدها معركة أخرى صامتة ومرهقة، لا يراها أحد. كثير من الأمهات اللواتي أنجبن في بيوت محاصرة أو في معسكرات نزوح يحملن ندوبا نفسية لا تقل عمقا عن جروح الولادة نفسها. فالمخاض الذي يحدث تحت القصف لا يُنسى؛ يظل عالقا في الذاكرة كصور متقطعة: انفجار قريب، صرخة مكتومة، يد ترتجف وهي تمسك سكينا بدل المقص، طفل يلتقط أنفاسه الأولى وسط رائحة دخان.
تروي إحدى الأمهات في الفاشر: "من يوم ولدت أنا بخاف من الليل بحسّه يرجع لي نفس اللحظة".
وترى اختصاصية الصحة النفسية الدكتورة أماني حسن أن كثيرا من الأمهات يعانين من قلق ما بعد الصدمة والاكتئاب النفسي، لكن دون أي فرصة للحصول على دعم نفسي أو اجتماعي؛ فالحرب سرقت حتى المساحات الصغيرة التي كان يمكن للنساء فيها أن يطلبن المساندة. يتحول الخوف إلى رفيق دائم: خوف من المرض، من فقدان الطفل، من تكرار التجربة في ظل غياب الرعاية. هذه المشاعر تغلّف الأمومة بظلال ثقيلة ترهق الروح قبل الجسد.
وتضيف الدكتورة أماني أن الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب تبدأ حياتهم النفسية من نقطة هشاشة غير مرئية؛ حيث تشير دراسات دولية إلى أن الولادة في بيئة عالية التوتر تزيد احتمالات اضطرابات النوم وصعوبة الارتباط وارتفاع مستويات هرمونات التوتر لأشهر طويلة. وكثير من أطفال دارفور -حتى في شهورهم الأولى- يرتعبون من الأصوات العالية، ويستيقظون ببكاء حاد يشبه ردود فعل الصدمة".
مع كل ولادة حدثت في بيتٍ محاصر، ومع كل أم قطعت الحبل السُّري بيدها، أو أوقفت النزيف بخيط مغلي أو فحم مسحوق، كانت دارفور تكتب فصلا جديدا من تاريخها لا تُسجّله جبهات الحرب، بل تُسجّله النساء بأجسادهن وبصبر أكبر من مساحة اللغة.
وبينما تستمر الحرب في ابتلاع المدن، تبقى هذه الولادات بصراخها الخافت وملاءاتها الممزقة أقوى شهادة على أن النساء هنّ خط الحياة الأخير، وأنه حتى في أكثر اللحظات وحشية تظل هناك قوة صغيرة تُقاوم وطفل يولد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة