مع نهاية القرن التاسع عشر، اتجهت العديد من القوى العالمية للحصول على مزيد من السفن الحربية بهدف حماية مستعمراتها، وبتلك الفترة، مثلت بريطانيا أهم قوة بحرية بالعالم حيث امتلكت البحرية الملكية البريطانية عدداً كبيراً من السفن الحربية المتطورة مقارنة ببقية الدول.
لكن منذ بلوغ فيلهلم الثاني سدة الحكم بألمانيا، تحدت برلين لندن عبر إعلان برامج لبناء أعداد كبيرة من السفن بهدف منافسة البحرية الملكية البريطانية.
وضمن هذا السياق، اندلع بين بريطانيا وألمانيا سباق تسلح بحري، حاولت خلاله ألمانيا تدارك تأخرها، أجج العداء والخلاف بين الطرفين.
ولمعرفة مدى نجاعة السفن الحربية التي قاموا ببنائها على مدار سنين، انتظر الألمان والبريطانيون معركة جوتلاند (Jutland) البحرية التي وضعتهما وجهاً لوجه خلال الحرب العالمية الأولى.
على الرغم من نجاحها في بناء عدد كبير من السفن الحربية، امتلكت ألمانيا مطلع الحرب العالمية الأولى أسطولاً حربياً بحرياً أصغر من ذلك الذي امتلكته بريطانيا من حيث عدد البوارج الحربية والمدمرات والطرادات. إلى ذلك، أطلقت ألمانيا على أسطولها البحري اسم أسطول أعالي البحار وقد تمركزت قواتها بالأساس بالموانئ المطلة على بحر الشمال. وفي المقابل، تمركزت سفن الأسطول البريطاني بمياه سكابا فلو (Scapa Flow) بجزر أوركني القريبة من إسكتلندا.
إلى ذلك، تيقن الألمان من هزيمتهم وخسارتهم في حال وقوع معركة كبرى تضع كامل الأسطول الألماني في مواجهة جميع سفن الأسطول البريطاني الذي كان متفوقا عدديا وتقنيا. ولهذا السبب، اتجهت ألمانيا نحو القيام بخدعة بهدف دفع قسم من الأسطول البريطاني لمغادرة قواعده ومواجهة الأسطول الألماني. من جهتهم، آمن الألمان بفاعلية هذه الخطة لإرباك الأسطول البريطاني وهزيمته وتخفيف وطأة الحصار البحري المفروض على ألمانيا منذ مطلع الحرب.
على مقربة من سواحل شبه جزيرة جوتلاند (Jutland) الدنماركية ما بين يومي 31 مايو (أيار) و1 يونيو (حزيران) 1916، التقت سفن أسطول أعالي البحار بسفن البحرية البريطانية. وخلال هذه العملية العسكرية، حاول الألمان خداع البريطانيين حيث خرج الأميرال رينهارد شيير (Reinhard Scheer) رفقة عدد من الطرادات نحو البحر للقيام بعملية تمويه وسحب بعض من السفن البريطانية، التي كان من المقرر أن تلاحقه، نحو كمين.
إلى ذلك، كان البريطانيون على علم مسبق بالخطة الألمانية عقب نجاحهم في كسر الرسائل الألمانية المشفرة. ومساء يوم 31 مايو (أيار) 1916، التقت طرادات البحرية البريطانية بنظيرتها الألمانية لتندلع على إثر ذلك مواجهة أسفرت عن تدمير بعض من الطرادات البريطانية. لاحقا، اتجهت السفن البريطانية لملاحقة نظيرتها الألمانية التي كانت بصدد قيادتها صوب بقية سفن أسطول أعالي البحار التي كانت على أهبة الإستعداد لقصف الطرادات البريطانية.
مع مشاهدتها لسفن أسطول أعالي البحار الألماني، فضلت الطرادات البريطانية التراجع واقتياد الألمان نحو بقية القطع الحربية البحرية التابعة للأسطول البريطاني ضمن خطة منظمة كانت قد أعدت مسبقا. وخلال ملاحقتها لهذه الطرادات، التقت سفن أسطول أعالي البحار بالسفن البريطانية لتندلع في حدود الساعة الثامنة والنصف ليلا مواجهة شرسة بين هذه السفن الحربية. وخلال هذه المواجهة بين الطرفين، تحدث الخبراء العسكريون عن مشاركة قرابة 250 سفينة حربية بريطانية وألمانية بهذه المعركة التي عرفت بمعركة جوتلاند.
بسبب قلة عدد سفنه مقارنة بالبريطانية، فضل الأميرال شيير الانسحاب والتراجع نحو المياه الألمانية لتجنب تدمير أسطول أعالي البحار. وعلى الرغم من خسائرها المرتفعة، مقارنة بخسائر الألمان، تمكنت لندن من الانتصار بهذه المعركة حيث أجبرت الأسطول الألماني على إنهاء خطته والانسحاب.
وضمن ما وصف بأكبر معركة بحرية بالحرب العالمية الأولى، خسرت ألمانيا بهذه المعركة 11 قطعة حربية بحرية، كان من ضمنها طرادات وبوارج وزوارق قاذفة للطربيدات، تزامنا مع مقتل 2551 من قواتها. وفي المقابل، خسرت بريطانيا 14 قطعة حربية بحرية وما يزيد عن 6 آلاف عسكري.
المصدر:
العربيّة