“نثق في الله”، “نثق في الدولار”… إلا إذا كان الدولار يسبق الله. لا نعرف بالضبط أي من هاتين القيمتين يضعها الأمريكيون أولاً، لكن ما هو مؤكد أن هاتين القيمتين هما الأكثر تردداً على الألسنة عبر الأطلسي. على الأقل بالنسبة لرئيسهم، الأمور واضحة: الدولار قبل كل شيء. المال أصبح هوسًا للرئيس الملياردير. لكن ترامب، الذي لم يكن يحمل أي ذرة من التدين (وإلا لما كانت قضية إيبستين تلاحقه)، يجتهد قدر المستطاع لتعويض تأخره…
وهذا ما أسفر عن تلك المشهد السريالي في البيت الأبيض، في المكتب البيضاوي المقدس. يعلم الجمهوري أن ناخبيه لن يلوموه على هذا المزج بين الأمور، بل على العكس، هم يحبونه أكثر من ذلك. هذا المشهد غير المعقول في الديمقراطيات الكبرى يمزج بين الله وأهوال لا يعرفها إلا الأمريكيون. ترامب، برفقة قساوسة جاءوا من جميع أنحاء البلاد، يستمع بإجلال إلى صلاة تأخذنا مباشرة إلى إيران وكوبا وغرينلاند، وغيرها من الأراضي التي تحلم واشنطن بالاستعمار. قد لا يكون هذا تصرفًا مسيحيًا، لكن هؤلاء الذكور المسيطرين سيتكيفون مع الوضع.
الصلاة الجماعية يوم الخميس 5 مارس: “نحن فخورون بأن نكون هنا اليوم أمامك، داعمين أذرع رئيسنا. نصلي لكي تستمر بركتك ونعمتك في أن تحل عليه. نصلي لكي تملأ حكمتك السماوية قلبه وعقله، وأن تهديه في الأوقات الصعبة التي نواجهها اليوم. أصلي من أجل نعمتك وحمايتك عليه…
أصلي أيضًا من أجل نعمتك وحمايتك على قواتنا، وعلى جميع الرجال والنساء الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا أبانا، نصلي أن تمنح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة، لكي نصبح أمة تحت الله، واحدة وغير قابلة للتجزئة، مع الحرية والعدالة للجميع. نطلب منك بركتك السماوية عليه، باسم يسوع”.
تمت استقبال هذه الصلاة بـ “آمين”. إنها نفس الصلاة التي يؤديها الأئمة لرؤساء الدول خلال خطب الجمعة، لكن على حد علمنا، لم نشهد مثل هذه المناسبة في مكتب الرئيس في أي دولة عربية أو إسلامية. ماذا كان سيقال لو حدثت مثل هذه المشهد في أحد هذه البلدان التي تُصنف بالإسلامية الراديكالية؟ ما حدث في واشنطن ليس بعيدًا عن الحماسة التي نشهدها في تلك الدول الموجهة أصابع الاتهام إليها.
ثم هناك محتوى هذه الصلاة في البيت الأبيض. “حكمة” ترامب التي ننتظرها بشدة، لو كان يمتلك تلك النعمة التي يطلبها القس، لما وقع في المستنقع الإيراني، بينما كانت الحكمة تقضي بمواصلة المفاوضات. أما “الأوقات الصعبة” فهي التي فرضها ترامب على العالم، والآن نصلي لكي ينقذنا الرب من هذا المأزق.
“أمة (…) غير قابلة للتجزئة”… كما نعلم، هو الرئيس الذي زرع بذور الانقسام في أمريكا، من خلال وصم معارضيه السياسيين، واصطفائهم، وقمعهم. عن أي “حرية” و “عدالة” يتحدث هذا الواعظ؟ نفضل أن نركز على العبارة “لنعود أمة تحت الله”. نفهم أن هذا الرجل الديني لا يمكنه قول كل شيء، لا أحد يمكنه فعل ذلك أمام ترامب الغاضب، لكن إذا تجرأ على قول هذه الكلمات، فهذا يعني بوضوح أن الولايات المتحدة أصبحت، بكل تأكيد، مشكلة الإنسانية الأولى.
يقول الرئيس الأمريكي بكل سرور إنه ليس لديه أي فرصة لدخول الجنة نظرًا لماضيه الملطخ، وهو على صواب. في تاريخ الولايات المتحدة، هو الشخص الوحيد الذي دخل البيت الأبيض وهو يحمل سجلًا جنائيًا. وقد أدين لإخفائه دفعًا لنجمة أفلام إباحية مقابل صمتها عن علاقاتهما الجنسية. وهذه ليست الجريمة الوحيدة لترامب. لا يوجد شيء مسيحي في ما يفعله، سواء في حياته الخاصة أو في إدارة شؤون البلاد.
هؤلاء القساوسة يصلون لكي يستمر في الأعمال المشينة التي يرتكبها في كوبا – الحظر التام – والتي قرر تسريعها – كما قال هو بنفسه – فور انتهائه من التعامل مع ملالي إيران. في آخر فيديو له، في إطار حملاته الدعائية المقززة، قال بفخر إنه كان ضحية لطهران، والآن أصبح هو الصياد. كان يقصد “القاتل”. وزير دفاعه قال في نفس الفيديو إن ترامب قتل أولئك الذين – أولهم آية الله علي خامنئي – أرادوا التخلص منه…
ما هو المسيحي في هذه الفوضى الفاسدة من العنف؟ هل يسوع، نبي اللاعنف، هو من ألهم ترامب، وبيتي هيغسث، وأمثاله؟ نطرح هذا السؤال على هذه المجموعة اللامعة من القساوسة…
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية