في مكالمة فيديو، يحمل أليكس زافورونكوف حبة صغيرة خضراء على شكل ماسة. لقد طُورت هذه الحبة بمعرفة شركته بهدف علاج مرض التليف الرئوي النادر الذي لم يتوصل العلماء إلى سببه أو علاج له حتى الآن.
ولم يُعتمد هذا الدواء الجديد بعد، لكنه أظهر فعالية مثيرة للاهتمام في علاج تليف الرئتين أثناء التجارب السريرية المصغرة.
وينتمي هذا العلاج إلى اتجاه جديد في الأدوية التي كان الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من اكتشافها.
وقال زافورونكوف، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة إنسيليكو ميديسن الناشئة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها: "لا يمكننا أن نقول إننا اكتشفنا أول جزيء صُمم واُختبر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولكن ربما يكون ما أنجزناه هو التقدم الأكبر على هذا الطريق".
الآن يمكننا أن نقول مرحباً بكم في سباق الذكاء الاصطناعي الكبير لإنتاج أدوية، إذ تعمل مجموعة من الشركات على استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي لتحل محل العمل التقليدي الذي كان يقوم- به الكيمائيين الطبيين المتخصصين.
ويشمل ذلك شركات التكنولوجيا الحيوية المتخصصة الأصغر حجماً التي تعتمد في عملها بصفة أساسية على الذكاء الاصطناعي، التي نشأت على مدار العقد الماضي، وشركات الأدوية الكبرى التي تقوم إما بإجراء الأبحاث بنفسها، أو بالشراكة مع شركات أصغر حجماً.
ومن بين اللاعبين الجدد شركة ألفابت، الشركة الأم لشركة غوغل، والتي أطلقت شركة إزومورفك لابز، وهي شركة بريطانية متخصصة في تطوير الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، في أواخر عام 2021.
حصل الرئيس التنفيذي لهذه الشركة ديميس هاسابيس على جائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام عن نموذج الذكاء الاصطناعي الذي من المتوقع أن يكون مفيداً في تطوير الأدوية باستخدام هذه التكنولوجيا الواعدة.
وأكد كريس ماير، من مجموعة بوسطن الاستشارية، أن استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية يمكن أن يحدث "فرقًا هائلاً" بالنسبة للمرضى.
يستغرق طرح أي دواء جديد في السوق ما بين 10 إلى 15 سنة في المتوسط، ويتكلف أكثر من 2 مليار دولار.
كما أن الأمر محفوف بالمخاطر، إذ تفشل حوالي 90 في المئة من الأدوية التي تدخل في التجارب السريرية في تحقيق أي فاعلية في علاج الأمراض. والأمل أن يساعد استخدام الذكاء الاصطناعي في القيام بجزء من هذه العملية من خلال التقليل من الوقت والتكلفة، وزيادة فرص نجاح التجربة.
وترى شارلوت دين، أستاذة المعلوماتية الحيوية البنيوية في جامعة أكسفورد التي تعمل على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة مجانًا لمساعدة شركات الأدوية وغيرها على تحسين عملية اكتشاف وتطوير للأدوية، إن عصراً جديداً يبدأ بالفعل ليكون فيه الذكاء الاصطناعي في القلب من اكتشاف وتطوير الدواء.
وأضافت: "لقد بدأنا بالفعل إدراك كم هذا رائع".
ولا يُرجح أن يؤدي ذلك إلى انخفاض عدد العلماء في مجال الأدوية، كما يقول الخبراء - وسوف يتحقق التوفير الحقيقي للجهد والمال في حالة تراجع عدد التجارب الفاشلة - ولكن هذا يعني العمل بالشراكة مع الذكاء الاصطناعي.
وكشف تحليل نشرته شركة بوسطن كونسلتينغ غروب أن ما لا يقل عن 75 "جزيئاً تم اكتشافها بواسطة الذكاء الاصطناعي" دخلت التجارب السريرية مع توقعات باكتشاف المزيد منها.
وقال ماير: "تكرار وضع هذه المكونات المطورة باستخدام الذكاء الاصطناعي بين مدخلات التجارب السريرية في القت الراهن يُعد إنجاز كبير". وسوف يكون الإنجاز التالي ــ "والأعظم" ــ عندما تبدأ المخرجات في الظهور. يقول الدكتور ماير: "إن دخولهم الآن في التجارب السريرية بشكل روتيني يشكل إنجازًا كبيرًا". وسوف يكون الإنجاز التالي ــ "والأعظم" ــ عندما يبدأون في الخروج من الجانب الآخر.
ومع ذلك، رجح دين أنه لا يوجد تعريف حتى الآن لما يعتبر على وجه التحديد دواء "اكتشفته الذكاء الاصطناعي"، وفي كل الأمثلة حتى الآن، لا يزال هناك قدر كبير من التدخل البشري.
وأوضح ماير أن هناك خطوتين في إطار عملية اكتشاف وتطوير الدواء حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن الطريقة الأولى هي تحديد، على المستوى الجزيئي، الهدف العلاجي الذي يعمل الدواء إلى تصحيحه، مثل تغيير جين أو بروتين معين بسبب المرض بطريقة لا ينبغي له أن يفعلها.
في حين جرت العادة على أن العلماء يختبرون الأهداف المحتملة في المعمل بطريقة تجريبية بناء على ما يفهمونه عن مرض ما، يمكن تدريب الذكاء الاصطناعي على استخراج البيانات الهائلة من قواعد البيانات لإقامة اتصالات بين البيولوجيا الجزيئية الأساسية والمرض وتقديم اقتراحات.
أما الطريقة الثانية، وهي الأكثر شيوعاً، فهي تطوير الدواء لتصحيح الهدف.
ويستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو الأساس الذي ينطلق منه تشات جي بي تي، لتخيل الجزيئات التي قد ترتبط بالهدف وتعمل، مما يحل محل العملية اليدوية المكلفة التي يقوم بها الكيميائيون لتوليف مئات النسخ من نفس الجزيء ومحاولة العثور على الجزيء الأنسب.
واستخدمت شركة إنسيليكو ميديسن، التي تأسست في عام 2014 وحصلت على تمويلات بأكثر من 425 مليون دولار، الذكاء الاصطناعي في كلتا الخطوتين، بالإضافة إلى التنبؤ باحتمالية النجاح في التجارب السريرية والتي تقوم بعد ذلك بتغذيتها في عملها لاكتشاف الأدوية.
وتمتلك هذه الشركة في الوقت الراهن ستة جزيئات تمثل مدخلات في التجارب السريرية، بما في ذلك جزيئات خاصة بعلاج التليف الرئوي يتم التخطيط لاستخدامها في المرحلة التالية من التجارب عليها.
بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت أربعة جزيئات لدخول التجارب السريرية، ويبدو أن ما يقرب من 30 جزيئاً آخر ظهرت مؤشرات على إمكانية اعتمادها في وقت قريب.
وقال زافورونكوف إن جميع هذه الأدوية "تم التوصل إليها من الصفر باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. ونحلم بأن تتوصل إلى دواء مثالي يلبي جميع معاييرنا".
وصُمم الجزيء الجديد لعلاج التليف الرئوي بواسطة برنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاص بالشركة بعد أن تم تحديد هدف يتمثل في تثبيط بروتين يسمى TNIK، والذي لم يتم استهدافه من قبل لعلاج هذا المرض. ولكن تم اقتراحه بواسطة مجموعة أخرى من برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة باعتباره العامل الأهم بين العوامل التي تتحكم في احتمالات الإصابة بالمرض.
وبالفعل، جُمعت كل الاحتمالات التي اقترحها النظام الاصطناعي واختبرت.
وأشار لزافورونكوف إلى أن عملية الاكتشاف كانت أسرع وأبسط بكثير من المعايير المتبعة في الصناعة.
واستغرق الأمر 18 شهراً وتطلب تركيب واختبار 79 جزيئاً، بينما من المتوقع عادةً أن يستغرق الأمر حوالي أربع سنوات وتركيب 500 جزيء على الأقل، وفقاً لزافورونكوف الذي أكد أن الجزيئات الأخرى التي تنتجها شركة إنسيليكو تحتوي على أعداد أقل.
وقال خبراء إن الافتقار إلى البيانات التي يمكن للذكاء الاصطناعي التعلم منها يظل التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المجال بشكل عام.
وهذا يتقاطع مع تحديد الهدف وتصميم الجزيئات، ويمكن أن يؤدي إلى تحيزات محتملة.
وقالت شركة ريكورشن للأدوية ومقرها في الولايات المتحدة إنها تتبع طريقة تخفف من حدة مشكلات محدودية البيانات.
ومن خلال التجارب الآلية، يتم توليد كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالمجموعة الكاملة من الجزيئات التي يتكون منها جسم الإنسان. ثم تُدرب أدوات الذكاء الاصطناعي لفهم هذه البيانات والعثور على علاقات غير متوقعة.
وللمساعدة في إنجاز ذلك، طورت الشركة هذا العام ما تقول إنه أسرع جهاز كمبيوتر عملاق تملكه وتشغله أي شركة أدوية.
وأحرزت هذه الطريقة نجاحاً إلى حدٍ ما، إذ يتم تختبر جزيء طورته الشركة لعلاج كل من الأورام اللمفاوية والأورام الصلبة على مرضى السرطان في التجارب السريرية على حالات مبكرة.
وطُور هذا الكمبيوتر بعد أن اكتشف الذكاء الاصطناعي طريقة جديدة لاستهداف الجين الذي يُعتقد أنه مهم في قيادة هذه السرطانات، ولكن لم يتمكن أحد من قبل من اكتشاف كيفية استهدافه بمفرده.
وقال كريس جيبسون، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة ريكورشن، إن ما يهم أكثر في هذا المجال هو شيء لم تعلنه حتى الآن هذه الشركة ولا أي شخص آخر أو جهة أخرى؛ هو أن هذه الجزيئات التي اكتشفها الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنجح في التجارب السريرية، وأنها بمرور الوقت تزيد من فرص النجاح مقارنة بالطرق التقليدية.
وعندما يحدث ذلك، وفقاً لجيبسون: "سيكون من الواضح للعالم أن هذا هو الطريق الذي يجب اتباعه".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة