للمرة الأولى تمكن مكفوفون في العاصمة اللبنانية بيروت من "رؤية" أحد أشهر معالمها السياحية على طريقتهم الخاصة.
فقد أتاحت مبادرة إنسانية موجهة لمكفوفين لمس شكل الصخرة عبر لوحة معدنية تفاعلية نُقشت عليها تفاصيل المعلم الطبيعي، وضعت على كورنيش بيروت البحري مقابل المعلم السياحي الشهير "الروشة"، إلى جانب معلومات عنها مكتوبة بلغة "برايل".
ولغة "برايل" عبارة عن عرض للرموز الأبجدية والرقمية باستخدام 6 نقاط يمكن تحسسها باللمس لتمثيل كل حرف وعدد، ويستخدمها المكفوفون لقراءة الكتب والنشرات الدورية المطبوعة بالخط المرئي.
الصحفي ناصر بلوط (32 عاما) الذي وُلد كفيفا، كان يعرف الصخرة بالاسم فقط، لكنه كان واحدا ممن سمحت لهم المبادرة الإنسانية باكتشاف هذا المعلم العريق.
عند كورنيش بيروت، وقف ناصر أمام اللوحة، متلمسا تفاصيل الصخرة، للمرة الأولى، ووصف التجربة بأنها "مؤثرة وجميلة".
و"الروشة" أحد أهم المعالم الطبيعية في العاصمة اللبنانية، وتقع عند شاطئ المدينة، وتحيط بها مياه البحر من كل الجهات، ويصل ارتفاعها إلى نحو 70 مترا، ويعتبرها اللبنانيون رمزا للصمود والقوة.
وفي لقاء مع الأناضول، قال ناصر بلوط "دائما نسمع أن صخرة الروشة هي معلم سياسي وسياحي ورمز لبيروت، لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا نحن المكفوفين؟"
وأضاف "نحن عملياً لا نعرف شكلها (..) أما اليوم، أصبح بإمكاننا أن نلمس الصخرة ونراها بطريقتنا الخاصة". وأشار إلى أن "المبادرة مهمة جدا ليس للكفيف وحسب، وإنما للمجتمع كله، لأنها تشكل فرصة للتوعية حول حق الكفيف في المعرفة والوصول إلى الأماكن السياحية، سواء كان مواطنا أم سائحا".
المبادرة نفذتها جمعية "عشتار" غير الحكومية، المعنية بذوي الإعاقة وتطوير ثقافة دمجهم في المجتمع.
وفي مقابلة مع الأناضول، قالت دانا نصر، وهي مؤسسة مساعدة للجمعية، إن اختيار صخرة الروشة جاء لكونها معلما سياحيا وثقافيا متاحا لجميع الناس بشكل مجاني ويمكن الوصول إليه بسهولة.
واعتبرت أن المبادرة جاءت بعدما لاحظت مؤسسة الجمعية هالة منصور أن "معظم المواقع السياحية في لبنان ليس سهلا الوصول إليها وليست دامجة لأصحاب الإعاقات الجسدية، ومن بينهم المكفوفون".
وأضافت دانا أن هذه اللوحة هي رسالة للجميع بأن "خطوة بسيطة يمكن أن تُحدث فارقا كبيرا، وتجعل المكان دامجا لهذه الفئة من المجتمع، ومن خلالها يشعر الكفيف بأنه جزء من هذا المكان، الذي يشكل أيقونة بيروت ورمزا للسياحة".
وأكدت أن هذه التجربة تشكّل نموذجا يمكن تعميمه في ظل غياب التجهيزات المناسبة للمكفوفين في المتاحف والمواقع الأثرية اللبنانية، إذ لا تزال خطوات البلاد في هذا المجال محدودة ونادرة.
ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة يعرف بأنه إشراكهم في الأنشطة اليومية وضمان حصولهم على الموارد والفرص بطرق مماثلة لأقرانهم من غير ذوي الإعاقة.
وحسب تقديرات غير رسمية، يُقدر عدد المكفوفين في لبنان بحوالي 18 ألفا، معظمهم لا يحصلون على الدعم المطلوب، مما يؤدي إلى تهميشهم وعدم الاستفادة من مهاراتهم وقدراتهم، وفقا لتقارير ودراسات عدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة