آخر الأخبار

الصين تعيد ترتيب أوراقها في إفريقيا : تقليص قاعدة القروض إلى 5 دول و 3 «رابحين محظوظين»

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمن كان لا يزال يشكّ، فإن المرحلة التي كانت فيها الصين تضخّ أموالًا بلا سقف لتمويل مشاريع البنية التحتية في البلدان منخفضة الدخل قد انتهت إلى غير رجعة. فقد أُغلِقَت «الفترة الذهبية» بعد أكثر من عقدين استفاد خلالها عدد كبير من الحكّام – ولا سيما في إفريقيا – من هذه الأموال، وهي قروض تسدّدها الشعوب، دون أن يواكب ذلك تحقيق تنمية حقيقية.

كل ذلك بات من الماضي.

و كانت بكين قد أعلنت في جانفي 2024 عزمها إعادة فتح قنوات التمويل، ولكن بشكل انتقائي للغاية، وهو ما تؤكده الأرقام الأخيرة.

الاتجاه الجديد بات واضحًا : تمويل المشاريع التي تتجاوز كلفتها مليار دولار أمريكي لم يعد يندرج ضمن القروض التقليدية التي كان بإمكان المستفيدين التصرّف فيها بحرية (إذ انتهى جزء كبير منها، بعد تحويله، في الملاذات الضريبية). اليوم، يتحوّل التمويل إلى استثمار أجنبي مباشر أو إلى تمويل تجاري يشمل تصدير المعدات والتكنولوجيات.

و باختصار، تبقى الصين الرابح الأكبر في نهاية المطاف، لكنها تحصد مكاسب أكبر وفي آجال أقصر، بخلاف القروض التي تمتد آجال سدادها لعقود طويلة.

و النتيجة المباشرة لهذه العقيدة الجديدة – التي يراها البعض خطوة صحية لوضع حدّ لسمّ المديونية – هي أن الحجم الإجمالي للقروض الصينية الموجّهة إلى البلدان الإفريقية في سنة 2024 تراجع بنسبة 46% مقارنة بسنة 2023.

و حسب تقرير نُشر في 22 جانفي 2026 عن مركز سياسات التنمية العالمية، وهو مركز أبحاث تابع لجامعة بوسطن بالولايات المتحدة، لم توزّع بكين سوى 2,1 مليار دولار أمريكي. ويحمل التقرير عنوان: «الانخراط الانتقائي وإعادة التكييف الاستراتيجي: قاعدة بيانات القروض الصينية لإفريقيا (2000–2024)»، وهو تحديث لقاعدة البيانات الخاصة بالقروض الصينية الممنوحة للقارة الإفريقية.

و يُذكر أن هذه القاعدة عبارة عن منصة تفاعلية يشرف عليها مركز سياسات التنمية العالمية، وتتابع منذ سنة 2000 تعهّدات القروض الصادرة عن البنوك الصينية العمومية والتجارية، وكذلك عن الهياكل العمومية التي تتعامل مع الحكومات الإفريقية والمؤسسات العمومية والمؤسسات المالية الإقليمية.

و تراجع إجمالي القروض التي منحتها بكين لإفريقيا في 2024 إلى أقل من 10% من الرقم القياسي المسجّل في سنة 2016 والبالغ 28,8 مليار دولار، وهو ما يجسّد التحوّل الاستراتيجي الصيني في القارة. فبين سنتي 2012 و2018، كانت التمويلات الصينية تتجاوز بانتظام 10 مليارات دولار سنويًا. أما اليوم، فتتبنّى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم سياسة أكثر «انتقائية»، مع التخلي عن مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل السكك الحديدية والطرقات، والتركيز على مشاريع أصغر حجمًا وأكثر ربحية.

و قد دفعت الصين ثمن إخفاقات موجعة، خاصة بعد أن أثّرت جائحة فيروس كورونا بشدة في بعض شركائها، إلى حدّ عجزهم عن سداد ديونهم، كما حصل في زامبيا وغانا وإثيوبيا.

و في سنة 2024، برزت بوضوح ملامح التوجه الجديد: قروض مخصّصة لعدد محدود من الدول ذات الأسس الاقتصادية المتينة ومستويات المخاطر المنخفضة.

و ركّزت الصين على قطاعات تُعدّ أكثر صمودًا، مثل النقل، والمياه والتطهير، وشبكات الكهرباء، والخدمات المالية.

و في هذا السياق، برزت خمس دول إفريقية تفوّقت على غيرها، حيث استحوذت على التمويلات الصينية لإنجاز ستة مشاريع.

و كانت أنغولا أكبر المستفيدين، بحصولها على 1,45 مليار دولار لتمويل مشاريع في نقل الكهرباء والبنية التحتية للطرقات.

كما تجدر الإشارة إلى أن أنغولا تحظى أيضًا باهتمام الولايات المتحدة، نظرًا لمواردها النفطية والمعدنية، ولا سيما الألماس، ما يجعلها ساحة تنافس محتدم على النفوذ بين واشنطن وبكين.

و حصلت كينيا على حصة أقل من القروض الصينية، بلغت 277,8 مليون دولار لمشاريع طرقات، في حين نالت جمهورية الكونغو الديمقراطية 240 مليون دولار لتمويل بنية تحتية طرقيّة، والسنغال 85 مليون دولار لمشروع حفر آبار في المناطق الريفية، ومصر 76,5 مليون دولار لخط تمويل مخصّص للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

و تُظهر التفاصيل أن هذه القروض استهدفت أساسًا أربعة قطاعات رئيسية: النقل، والطاقة، والمياه والتطهير والتصرف في النفايات، إلى جانب الخدمات المالية. وهي قطاعات ظلّت تاريخيًا تستحوذ على النصيب الأكبر من التمويلات الصينية منذ سنة 2000، غير أن ما تغيّر اليوم هو حجم التمويل الموجّه إلى إفريقيا.

و خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2024، تم منح ما لا يقل عن 1319 قرضًا بقيمة إجمالية بلغت 180,87 مليار دولار لفائدة 49 حكومة إفريقية وسبع مؤسسات مالية إقليمية. وكانت الدول الإفريقية الخمس الأولى المستفيدة هي أنغولا (27,2%)، وإثيوبيا (7,7%)، وكينيا (5,5%)، وزامبيا (5,3%)، ونيجيريا (4,9%). غير أن ثلاثًا من هذه الدول أُزيلت لاحقًا من «الرادار» الصيني.

لقد غيّرت بكين وتيرة تعاملها، وأصبحت تعتمد اليوم الأدوات نفسها التي توظّفها دول مثل إيطاليا وكوريا الجنوبية والهند ودول الخليج و تركيا و غيرها.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا