قبل أكثر من 66 مليون سنة شهدت الأرض أحد أعظم التحولات في تاريخها عندما اصطدم كويكب عملاق بشبه جزيرة يوكاتان في المكسيك، تاركا وراءه فوهة ضخمة غيّرت مسار الحياة على الكوكب.
ومنذ اكتشاف فوهة "تشيكسولوب" في سبعينيات القرن الماضي، أصبح الرأي العلمي السائد أن الغبار الذي حجب ضوء الشمس أدى إلى "شتاء اصطدام" طويل تسبب في انهيار السلاسل الغذائية وانقراض الديناصورات.
بيد أن دراسة حديثة تقترح أن الكارثة بدأت بصورة أكثر عنفا، إذ ربما اجتاحت الأرض عواصف نارية هائلة خلال الساعات الأولى بعد الاصطدام، لتقضي على أعداد هائلة من الكائنات الحية قبل أن يبدأ الشتاء العالمي.
وقد نُشرت الدراسة في 28 يوليو/تموز في مجلة "بيو جيو سيانس" (JGR Biogeosciences)، وأجراها باحثون من جامعة بوردو في الولايات المتحدة بقيادة عالم الكواكب براندون جونسون.
ومع برودة جزء من هذا البخار تكوّنت كرات صخرية دقيقة انتشرت في أنحاء العالم قبل أن تعود لتسقط عبر الغلاف الجوي بسرعات بلغت عدة كيلومترات في الثانية.
وكانت النماذج السابقة تشير إلى أن احتكاك هذه الجسيمات بالغلاف الجوي أطلق موجة حرارية قوية أشبه بشواية عالمية، قادرة على قتل الحيوانات ذات الجلد الرقيق المكشوفة، لكنها ليست كافية لإشعال حرائق واسعة في الغطاء النباتي.
غير أن الباحثين يرون أن هذه النماذج أغفلت عنصرا بالغ الأهمية، وهو طبقة كثيفة من غبار السيليكات الناعم نتجت عن الصخور المتبخرة، ولم تتحول إلى تلك الكرات الصخرية.
بدأت ملامح هذه الفرضية تتعزز عام 2023 بعد اكتشاف طبقة دقيقة جدا من الغبار الناتج عن الاصطدام في موقع "تانيس" الأحفوري بولاية داكوتا الشمالية، فوق طبقة الكرات الصخرية مباشرة، ثم عُثر على طبقة مماثلة عند الحد الفاصل بين العصر الطباشيري والعصر الباليوجيني في حوض "راتون" على الحدود بين ولايتي كولورادو ونيو مكسيكو.
لم تمت الديناصورات من البرد وحده.. ربما احترقت خلال ساعات!
ويشير الباحثون إلى أن هذا الغبار عمل مثل بطانية حرارية ضخمة، فمنع جزءا كبيرا من الإشعاع الحراري من الهروب إلى الفضاء، وأعاد توجيهه نحو سطح الأرض.
ووفقا لحساباتهم، أصبحت موجة الحرارة السطحية أقوى بنحو 3.5 مرات مقارنة بالتقديرات السابقة التي اعتمدت على سقوط الكرات الصخرية وحدها.
وقال براندون جونسون، الباحث في جامعة بوردو: "أعاد هذا الاكتشاف إحياء اهتمامي بما حدث للبخار المتبقي، ومن هنا بدأت هذه الدراسة، حيث وصلنا إلى مرحلة قد نكون فيها أمام سيناريو يقضي على كل شيء تقريبا خلال الساعة أو الساعتين الأوليين".
توضح الدراسة أن الإشعاع الحراري الناتج ربما لم يكن كافيا لإشعال جذوع الأشجار السميكة مباشرة، لكنه تجاوز الحدود اللازمة لإشعال الأعشاب والأشنات وإبر أشجار الصنوبر، ما وفر وقودا طبيعيا لاندلاع حرائق واسعة النطاق امتدت عبر مناطق شاسعة.
كما تشير الحسابات إلى أن الحيوانات البرية المكشوفة ربما تعرضت لجرعة حرارية تعادل 17 ضعف الجرعة الحرارية التي تُعد قاتلة للإنسان، وهو ما يعني أن كثيرا من الكائنات ربما نفقت خلال فترة قصيرة جدا بعد الاصطدام.
في المقابل، كانت فرص النجاة أكبر للحيوانات التي احتمت داخل الجحور أو بقيت تحت الماء، إذ وفرت لها هذه البيئات حماية نسبية من موجة الحرارة الأولى.
وبعد انقضاء هذه المرحلة، استمر الغبار نفسه في حجب أشعة الشمس لسنوات، ما أدى إلى انخفاض شديد في درجات الحرارة وانهيار عملية البناء الضوئي، لتبدأ مرحلة "شتاء الاصطدام" التي طالما اعتُبرت السبب الرئيس لانقراض الديناصورات.
ورغم قوة النموذج الجديد، يؤكد العلماء أن الأدلة على الحرائق العالمية لا تزال غير مكتملة، إذ إن الشواهد المباشرة على هذه الحرائق وُجدت حتى الآن في أمريكا الشمالية فقط.
وقال عالم الحفريات ألفيو أليساندرو كيارينزا من كلية لندن الجامعية في بيان صحفي رسمي: "قد نجد مستقبلا سجلا يؤكد وقوع حرائق عالمية بالفعل، لكننا لا نملك هذا الدليل حتى الآن".
ويؤكد الباحثون أن استمرار البحث في طبقات الصخور الرسوبية حول العالم قد يحسم هذه المسألة، ويكشف بصورة أوضح الساعات الأولى التي أعقبت اصطدام الكويكب، وهي فترة لا تزال تحمل كثيرا من الأسرار رغم مرور ملايين السنين عليها.
وتُظهر هذه الدراسة كيف يمكن لاكتشاف طبقة رقيقة من الغبار أن يعيد صياغة فهمنا لأحد أهم الأحداث في تاريخ الحياة على الأرض، مؤكدة أن البحث العلمي لا يتوقف عند تفسير واحد، بل يظل مفتوحا أمام الأدلة الجديدة التي توسع آفاق المعرفة، وتقرّبنا أكثر من فهم تاريخ كوكبنا ومستقبله.
الكويكب الذي أسهم في انقراض الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة أحدث اصطدامه هذه الحرائق المفترضة، وتشير تقديرات ناسا إلى أن اصطدامات بهذا الحجم تقع في المتوسط مرة كل 50 إلى 100 مليون سنة، أي أن احتمال وقوع ضربة مماثلة في سنة واحدة يقارب واحدا من كل 50 إلى 100 مليون، وفي قرن كامل يظل في حدود واحد إلى اثنين من كل مليون تقريبا. وهذه أرقام إحصائية طويلة المدى، وليست مواعيد دورية منتظمة.
لذلك فالخطر موجود علميا لكنه بالغ الضآلة مقارنة بالكوارث الطبيعية المعتادة. كما أن ضربة ضخمة ليست بالضرورة وشيكة لمجرد مرور ملايين السنين على اصطدام تشيكسولوب، فالاصطدامات عشوائية ولا تعمل كساعة كونية.
وتراقب منظومة "سِنتري" التابعة لناسا مدارات الكويكبات المكتشفة باستمرار، باحثة عن احتمالات الاصطدام خلال 100 عام المقبلة، ولا يوجد حاليا كويكب معروف بحجم قاتل الديناصورات متجه إلى الأرض في المستقبل المنظور.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة