شهد سكان الأرض أمس الأحد 31 مايو/أيار ظاهرة فلكية نادرة تُعرف باسم "القمر الأزرق الصغير" (Blue Micromoon)، حيث اجتمع حدثان غير مألوفين في وقت واحد هما البدر الثاني خلال الشهر نفسه، والمعروف باسم "القمر الأزرق" (Blue Moon)، مع وقوع القمر بالقرب من نقطة الأوج، أي أبعد نقطة له عن الأرض في مداره. والنتيجة كانت بدرا يبدو أصغر حجما وأقل سطوعا من المعتاد، في مشهد يذكرنا بأن القمر الذي نراه كل شهر ليس ثابت المظهر كما قد يبدو للعين المجردة.
فلأن القمر يدور حول الأرض في مدار إهليلجي وليس دائريا تماما، تتغير المسافة بين الجرمين باستمرار. فعند نقطة الحضيض يقترب القمر إلى نحو 363 ألف كيلومتر من الأرض، بينما يبتعد عند الأوج إلى نحو 405 آلاف كيلومتر.
ويبلغ متوسط المسافة بين الأرض والقمر نحو 384 ألف كيلومتر، وهو ما يعادل قرابة 30 ضعف قطر الأرض، إذ يبلغ قطر كوكبنا نحو 12 ألفا و742 كيلومترا. أما الفرق بين الحضيض والأوج فيتجاوز 42 ألف كيلومتر، أي ما يعادل أكثر من 3 أضعاف قطر الأرض.
وعندما يتزامن البدر مع الحضيض يظهر ما يسمى "القمر العملاق" أو بدر البدور (Supermoon)، فيبدو أكبر بنحو 14% وأكثر سطوعا بحوالي 30% مقارنة بالقمر الصغير (Micromoon)، أما عندما يكون البدر قرب الأوج، كما حدث أمس، فيظهر القمر أصغر حجما وأخفت لمعانا.
وتتكرر ظاهرة القمر الصغير عدة مرات كل عام، بينما يحدث القمر العملاق عادة 3 إلى 4 مرات سنويا بحسب توافق مواعيد البدر مع مواضع القمر في مداره.
ورغم التغير الواضح في الحجم الظاهري، فإن القمر نفسه لا يتغير، فقطره الحقيقي البالغ نحو 3474 كيلومترا يبقى ثابتا، وكذلك شكله وتركيبه وسطحه المليء بالفوهات والسهول البركانية القديمة. والأمر اللافت أن القمر يواصل إظهار الوجه نفسه للأرض دائما تقريبا.
ويعود ذلك إلى ظاهرة تُعرف باسم "التقييد المدّي" (Tidal Locking)، إذ تستغرق دورة القمر حول نفسه المدة ذاتها تقريبا التي يستغرقها في الدوران حول الأرض، وهي نحو 27.3 يوما. ولهذا السبب يرى سكان الأرض الجانب القريب فقط من القمر، بينما ظل الجانب البعيد مجهولا حتى عصر المركبات الفضائية. ومع ذلك تسمح اهتزازات طفيفة تُعرف باسم "النودان" (Libration) برؤية نحو 9% إضافية من سطح القمر البعيد.
تشير القياسات التي أجرتها بعثات الليزر القمرية إلى أن القمر يبتعد عن الأرض بمعدل يقارب 3.8 سنتيمترات سنويا. ورغم هذا الابتعاد المستمر، فإنه لن يفلت من جاذبية الأرض في المستقبل المنظور، لأن النظام الأرضي-القمري مستقر ديناميكيا.
لكن هذا الابتعاد ستكون له نتيجة فلكية مهمة بعد نحو 600 مليون سنة تقريبا؛ إذ سيصبح القمر بعيدا لدرجة أن قطره الظاهري لن يعود كافيا لتغطية قرص الشمس بالكامل، وعندها ستختفي الكسوفات الشمسية الكلية ليحل محلها الكسوف الحلقي فقط.
وفيما يتعلق بظاهرة القمر الصغير، فإنها تتكرر عدة مرات خلال السنوات المختلفة كلما تزامن طور البدر مع وجود القمر بالقرب من نقطة الأوج في مداره، إلا أن مواعيدها الدقيقة تختلف من عام إلى آخر وفق الحسابات الفلكية، ولن يتكرر مرة أخرى حتى عام 2053.
وتبقى هذه الظواهر تذكيرا بأن القمر، أقرب جار سماوي للأرض، لا يزال قادرا على إبهارنا بألعاب هندسية دقيقة تحكمها قوانين الجاذبية والحركة منذ أكثر من 4 مليارات عام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة