استلهم علماء جامعة واترلو الكندية حلا مبتكرا لواحدة من أعقد المشكلات البيئية في عصرنا الحديث، وهي أزمة النفايات البلاستيكية، من إحدى الزوايا الهادئة في الغابة، وتحديدا من فطريات تحلل الأخشاب الميتة.
ففي دراسة علمية رائدة نشرت في دورية "أدفانسد إنيرجي ماتيريالز" (Advanced Energy Materials)، تمكن فريق بحثي من تطوير تقنية جديدة لتحويل البلاستيك المستهلك إلى حمض الأسيتيك، المكون الأساسي للخل المنزلي، ويعد في الوقت نفسه مادة كيميائية حيوية وذات قيمة عالية تعتمد عليها الكثير من الصناعات الحديثة لإنتاج مواد متنوعة.
يقول الأستاذ المتفرغ بقسم التقنية الحيوية في كلية العلوم جامعة القاهرة الدكتور طارق قابيل، وغير المشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "طورت الطبيعة، عبر ملايين السنين، مختبرات كيميائية فائقة الكفاءة، وعلماء اليوم لا يقومون إلا بمحاكاة هذه العبقرية. في الطبيعة، تعيش بعض أنواع الفطريات على تحليل اللجنين، وهو مادة معقدة وقوية جدا تدخل في تركيب الخشب".
تتميز المواد البلاستيكية باستقرار كيميائي شديد ومتانة عالية، وهي الصفات نفسها التي تجعلها مفيدة، لكنها تجعلها أيضا تقاوم التحلل في الطبيعة لمئات السنين. وقد أدى ذلك إلى تراكم جبال من النفايات في المحيطات والتربة، وتحللها البطيء إلى جسيمات دقيقة تعرف بالبلاستيك الدقيق، التي بدأت تتسرب إلى السلسلة الغذائية وتصل إلى أجسام الكائنات الحية وحتى مياه الشرب.
الحلول التقليدية المتبعة حاليا مثل حرق النفايات أو التخلص منها في مدافن القمامة تسبب أضرارا بيئية جسيمة، وتؤدي إلى إطلاق غازات الاحتباس الحراري وتلويث المياه الجوفية.
وحتى طرق إعادة التدوير الميكانيكية التي تعتمد على طحن البلاستيك وإعادة صهره، تنتهي غالبا بإنتاج مواد منخفضة الجودة لا تحل جذور المشكلة. لذلك، كان من الضروري البحث عن بديل كيميائي نظيف وفعال.
بحث العلماء عن بديل في الطبيعة، ووجدوا ضالتهم في فطر العفن الأبيض. يقول الأستاذ المشارك من قسم الهندسة الميكانيكية في كلية الهندسة في جامعة واترلو يمين وي، والمشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "يحلل الفطر الخشب دون إطلاق ثاني أكسيد الكربون. وقد فعل ذلك باستخدام الإنزيمات. نحن نحاكي هذه العملية لإنتاج محفز أحادي الذرة، يشبه الإنزيمات في الفطر، لتحويل البلاستيك إلى حمض الخليك دون إطلاق ثاني أكسيد الكربون".
يستطيع هذا الفطر المدهش إفراز إنزيمات تعمل بتناغم تام مع مادة بيروكسيد الهيدروجين، والمعروفة بماء الأكسجين. هذا المزيج الطبيعي يفكك الهيكل القاسي لمركب اللجنين الموجود في الخشب، ويحوله إلى مواد بسيطة في درجة حرارة الغرفة العادية، دون إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء.
يضيف قابيل: "يحلل الفطر الخشب دون المساس بالأجزاء الحيوية المحيطة، فإن هذه المحفزات مصممة لتكون انتقائية، أي أنها تهاجم سلاسل البوليمر البلاستيكي بكفاءة، مما يقلل من الطاقة الضائعة في تفاعلات جانبية غير ضرورية".
تساءل الباحثون عما إذا كان بإمكانهم صنع نسخة صناعية تحاكي هذه العملية الحيوية الطبيعية، بحيث تقوم بتفكيك السلاسل الكربونية المعقدة للبلاستيك بدلا من الأخشاب. لتحقيق هذا الهدف، صمم الباحثون محفزا كيميائيا متطورا. يقول وي: "نحاكي الفطر في هذه العملية الأحادية الخطوة. إذ يمكن للمحفز تحليل البلاستيك إلى ثاني أكسيد الكربون. وبدلا من السماح لثاني أكسيد الكربون بالخروج، يحوله المحفز نفسه إلى حمض الخليك."
يشرح قابيل: "اختار الباحثون ‘نيتريد الكربون’ لأنه مادة شبه موصلة غنية بالنيتروجين، وهي مرنة هيكليا ويمكن تعديلها على المستوى الذري. وبدلا من استخدام جسيمات معدنية ضخمة، ثبّت الباحثون ذرات حديد مفردة في مواقع محددة داخل هيكل النيتريد. مما جعل كل ذرة حديد تعمل كـ ‘محطة طاقة’ نشطة ومستقلة، مما يغني عن الحاجة لوسط كيميائي معقد."
استخدام ذرات الحديد المفردة بدلا من الكتل المعدنية الكبيرة يحمل أهمية كبرى في عالم الكيمياء الحديثة. فهذا التصميم الدقيق يمنع ذرات المعدن من التكتل فوق بعضها، مما يوفر أكبر عدد ممكن من نقاط التفاعل المتاحة، ويحقق أقصى استفادة من كل ذرة حديد. هذا الأسلوب لا يجعل الأداة أو المحفز نفسه رخيص التكلفة وعالي الكفاءة فحسب، بل يضمن أيضا استقراره ويمنع تسرب المعدن إلى السائل المحيط به أثناء العمل.
يضيف قابيل: "استخدم الفريق برامج محاكاة كيميائية متقدمة للتنبؤ بكيفية تفاعل الأكسجين مع هذه الذرة المنفردة تحت تأثير الضوء، مما سمح لهم بضبط ‘مسار التفاعل’ ليكون مباشرا من البلاستيك إلى حمض الخليك دون توقف."
لزيادة كفاءة التقنية، لجأ العلماء إلى حيلة هندسية بسيطة تعكس مدى ذكاء التصميم. فقد غلفوا وعاء التفاعل من الخارج باستخدام ورق رقائق الألومنيوم العادي، وهو نفس الورق المستخدم في المطابخ. هذا الغلاف البسيط عمل كمرايا تعكس جزيئات الضوء التي تحاول الهروب، وتعيد توجيهها إلى داخل السائل.
ضمنت هذه الاستراتيجية المبتكرة أقصى استفادة من الطاقة الشمسية المتاحة، وضاعفت من كمية إنتاج حمض الخليك بشكل لافت، لتثبت أن الحلول الرامية لرفع الكفاءة لا تتطلب بالضرورة معدات إضافية باهظة الثمن. يقول وي: "تستهلك طرق التسخين التقليدية كميات كبيرة من الطاقة وتُطلق أطنانا من ثاني أكسيد الكربون. في المقابل، تستخدم طريقتنا الطاقة المجانية من ضوء الشمس ولا تطلق ثاني أكسيد الكربون. تساهم هذه العملية الصديقة للبيئة في حل تحديات النفايات البلاستيكية دون إضافة ثاني أكسيد الكربون إلى المناخ."
اختبر الفريق هذا النظام على مجموعة متنوعة من أنواع البلاستيك الشائعة في حياتنا اليومية، مثل زجاجات المياه البلاستيكية وأكياس التسوق ومواد التغليف. ولم يقتصر النجاح على استخدام أنواع البلاستيك النقي والمفروز، بل امتد التفاعل ليشمل خليطا عشوائيا من النفايات البلاستيكية المتباينة.
يقول قابيل: "الأثر البيئي الحقيقي يظهر عندما ندرك أننا نحول مشكلة نفايات بلاستيكية إلى مادة خام كحمض الخليك بمدخلات صفرية تقريبًا كضوء الشمس. إذا نجح هذا الابتكار في الانتقال إلى الإنتاج التجاري، فسيكون بمثابة مفتاح لتحويل مفهوم النفايات من عبء بيئي إلى منجم كيميائي"
ويختتم وي: "نأمل في توسيع نطاق هذه المفاعلات في المجتمعات لمعالجة النفايات البلاستيكية المحلية على مستوى البلديات"
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة