كشفت دراسة حديثة عن أدلة جديدة تشير إلى أن الصفائح التكتونية – السمة المميزة لجيولوجيا الأرض الحديثة – ربما كانت نشطة في وقت أبكر بكثير مما كان يعتقد سابقا، أي قبل نحو 3.35 مليار سنة على الأقل، وربما حتى منذ أكثر من 4 مليارات سنوات، في حقبة كانت الأرض لا تزال في مراحلها الأولى من التشكل.
حسب الدراسة التي نشرت يوم 2 مارس/آذار في مجلة "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS)، اعتمد المؤلفون على تحليل بلورات الزركون شديدة القدم، المستخرجة من منطقة جاك هيلز في غرب أستراليا، وهي منطقة تعد من أغنى المواقع عالميا بمواد صخرية تعود إلى بدايات تاريخ الأرض.
يصف الباحثون الزركون بأنه الأرشيف الأرضي الأكثر اكتمالا لبدايات القشرة الأرضية، لأنه يحتفظ في بنيته البلورية الدقيقة بسجل كيميائي يعود إلى ما قبل 4 مليارات سنوات. ونظرا لندرة الصخور التي يزيد عمرها على هذا الحد الزمني، أصبحت هذه البلورات الصغيرة بمثابة نافذة فريدة تطل على مرحلة غامضة من تاريخ الكوكب.
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة شاين هاوتشن، وهو الباحث في الجيولوجيا والعلوم الكوكبية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا – كالتك، في تصريحات للجزيرة نت، أن الفريق البحثي ركز على تحليل النوى الداخلية لهذه البلورات، التي تمثل بقايا صهارة قديمة جدا، إلى جانب الحواف الخارجية التي تكونت لاحقا نتيجة تعرضها لظروف ضغط وحرارة مرتفعة خلال عمليات التحول، وهي العمليات التي تغير خصائص الصخور دون أن تذيبها بالكامل.
كان من أبرز نتائج الدراسة، أن الصهارة التي تكونت منها هذه البلورات في حقبتي الهادئ والأركي لم تكن مختزلة كما افترضت نماذج سابقة، بل كانت "مؤكسدة نسبيا"، أي أن حالتها الكيميائية تشير إلى وجود قدر معتبر من الأكسجين مقارنة بما كان متوقعا.
وأظهرت القياسات أن ظروف الأكسدة في تلك الصهارة تراوحت حول قيم قريبة من المقياس المرجعي المعروف باسم "إف إم كيو" (مقياس يحدد مستوى الأكسدة في الصخور)، بين -1 و+1 تقريبا. ومن ثم، تتعارض هذه النتائج مع الفرضيات التي كانت ترى أن الأرض المبكرة كانت شديدة الاختزال، أي فقيرة بالأكسجين في أعماقها.
ويرى هاوتشن، أن هذه البيانات تدعم نماذج تفترض وجود حمل حراري فعال في باطن الأرض منذ حقبة الهادئ، أي أن باطن الكوكب كان نشطا ويتحرك بكفاءة عبر تيارات حرارية صاعدة وهابطة، وهو شرط أساسي لعمل الصفائح التكتونية.
لم يقتصر التحليل على حالة الأكسدة، بل شمل أيضا مؤشرات دقيقة تتعلق بظروف الضغط والحرارة التي تعرضت لها الصخور عبر الزمن؛ إذ أظهرت الحواف المتحولة لبلورات الزركون نمطين مختلفين من الظروف الحرارية والضغطية.
"الأهم من ذلك أن البلورات التي يعود عمرها إلى نحو 3.35 مليار سنة سجلت وجود نوعين من الظروف في الفترة نفسها: ظروف ضغط وحرارة منخفضة، وأخرى مرتفعة. ويعد هذا النمط المزدوج سمة مميزة لعمليات انغراز الصفائح وتصادمها، أي لما يعرف بالصفائح التكتونية ذات الغطاء المتحرك، حيث تتحرك الصفائح أفقيا وتغوص إحداها تحت الأخرى" يقول المؤلف الرئيسي للدراسة.
وتخلص الدراسة إلى أن هذه النتائج تشير إلى أن عمليات الصفائح المتحركة كانت نشطة على الأقل بحلول الأركي المبكر، أي قبل أكثر من 3 مليارات سنوات.
وحسب الباحث، تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يعيد رسم صورة الأرض المبكرة بصورة جذرية، فإذا كانت الصفائح التكتونية نشطة في ذلك الوقت المبكر، فهذا يعني أن إعادة تدوير القشرة الأرضية، وحركة الكتل القارية، ونشاط البراكين، كلها كانت تعمل بطريقة تشبه إلى حد كبير ما نراه في عالمنا اليوم.
وتشير الدراسة إلى أن هذه النتائج توفر قيودا زمنية مهمة على تطور الديناميكا الجيولوجية للأرض، مع آثار على التطور المشترك للغلاف الصخري والغلاف الجوي وظهور الظروف الصالحة للحياة.
بمعنى آخر، فإن تحديد توقيت بداية الصفائح التكتونية لا يتعلق فقط بالجيولوجيا، بل يرتبط أيضا بمحاولة معرفة البداية الحقيقية لقابلية الأرض للحياة عليها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة