كانت تونس تأمل في استهلال مشوارها في كأس العالم 2026 بالاعتماد على الصلابة التي ميّزت حملتها في التصفيات، لكنها غادرت ملعب «بي بي في إيه» في مونتيري وقد تلقت شباكها خمسة أهداف، وتضرر فارق أهدافها بشكل كبير منذ البداية، لتصبح مطالبة برد فعل سريع انطلاقًا من مباراتها الثانية.
وفي الليلة الفاصلة بين الأحد 14 والاثنين 15 جوان، انهزم نسور قرطاج أمام السويد بنتيجة 5-1. وسمح هذا الفوز للمنتخب الإسكندنافي بالانفراد بصدارة المجموعة السادسة، متقدمًا على هولندا واليابان اللذين تعادلا 2-2.
النتيجة قاسية، لكنها لا تعكس فقط تفوقًا سويديًا متواصلًا، بل تكشف أساسًا عن تراكم للأخطاء الفردية، وفقدان خطير للكرة، وسوء التعامل مع التحولات، واختلالات جماعية لم تنجح تونس في تصحيحها طوال المباراة.
اعتمد صبري لموشي خطة 4-2-3-1، بوجود محب الشماخ في حراسة المرمى، ويان فاليري وعمر الرقيق ومنتصر الطالبي وعلي العابدي في الدفاع، وراني خضيرة وإلياس السخيري أمام الخط الخلفي، فيما لعب أنيس بن سليمان وحنبعل المجبري ومحمد أمين بن حميدة خلف إلياس سعد.
وفي المقابل، اختار غراهام بوتر خطة 3-4-1-2، مبنية حول الثنائي الهجومي الخطير ألكسندر إيزاك وفيكتور غيوكيريس، مع بنجامين نيغرين خلفهما، وياسين العياري في قلب خط الوسط السويدي.
على الورق، كانت تونس تمتلك عددًا كافيًا من اللاعبين في العمق لاحتواء المنافس. لكن عمليًا، أربكت التحركات المستمرة لإيزاك وغيوكيريس التنظيم التونسي منذ الدقائق الأولى.
فلم يبق المهاجمان السويديان ثابتين أمام المدافعين المحوريين، بل تراجعا إلى الخلف، وهاجما المساحات الجانبية، وكثفا التحركات خلف الدفاع. وعند كل استرجاع للكرة، كانت السويد تبحث مباشرة عن التقدم إلى الأمام.
أما تونس، فقد ترددت كثيرًا عند محاولة إخراج الكرة من مناطقها الخلفية.
افتتحت السويد التسجيل منذ الدقيقة السابعة.
وتحت ضغط إيزاك، تدخل الشماخ بطريقة غير موفقة. وعادت الكرة إلى غيوكيريس الذي سدد، لكن محاولته ارتدت، قبل أن يستعيد ياسين العياري الكرة ويطلق تسديدة قوية غالطت الحارس التونسي.
ولم يأت هذا الهدف بعد فترة طويلة من الهيمنة السويدية، بل كان نتيجة سلسلة من الأخطاء التونسية: تدخل غير محكم، وكرة لم تُبعد عن منطقة الخطر، ودفاع تأخر في استعادة تمركزه.
في هذا المستوى، تكفي بضع ثوان من التردد. وأمام لاعبين بقيمة إيزاك وغيوكيريس والعياري، يمكن لأدنى خطأ أن يتحول فورًا إلى فرصة تهديف.
في الدقيقة 30، أضاف ألكسندر إيزاك الهدف الثاني.
وهذه المرة، لم يأت الهدف من ضغط قريب من منطقة الجزاء التونسية، بل من هجمة مرتدة انطلقت من منطقة الجزاء السويدية.
كانت تونس قد دفعت بعدد من لاعبيها إلى الأمام بحثًا عن التعادل، لكنها لم تحتفظ بالتغطية اللازمة خلف الكرة. ومرر غيوكيريس إلى إيزاك في الجهة اليسرى، ليثبت المهاجم السويدي الطالبي، ثم يتوغل إلى الداخل ويسدد كرة أرضية. ولم يتمكن الشماخ، رغم لمس الكرة، من منعها من دخول الشباك.
وتجسد هذه اللقطة الصعوبات التونسية في ما يسميه المدربون «التحول الدفاعي»، أي الثواني القليلة التي تلي فقدان الكرة.
في تلك اللحظة، يتعين على الفريق إما استرجاع الكرة فورًا، أو إبطاء المنافس حتى يتمكن الدفاع من استعادة تمركزه. لكن تونس لم تفعل هذا ولا ذاك، لتجد نفسها مكشوفة أمام مهاجمين يتميزان بسرعة كبيرة عندما تتاح لهما المساحات.
جاء رد الفعل التونسي قبل نهاية الشوط الأول بقليل.
ففي الدقيقة 43، أرسل حنبعل المجبري عرضية دقيقة نحو عمر الرقيق، الذي ارتقى وسدد كرة رأسية أعادت نسور قرطاج إلى المباراة بتقليص الفارق إلى 2-1.
وكان هذا الهدف من اللحظات القليلة التي نجحت فيها تونس في الجمع بين الجودة الفنية، وحسن التمركز داخل منطقة الجزاء، والدقة في اللمسة الأخيرة.
وعند النتيجة 2-1، بدا أن المباراة انفتحت من جديد، وأن تونس لا تزال قادرة على استغلال فترة الاستراحة لإعادة تنظيم إخراج الكرة، وتأمين خط الوسط، والعودة بقدر أكبر من التحكم.
لكن هذا الأمل لم يستمر سوى ربع ساعة.
في الدقيقة 59، افتك إيزاك الكرة من إلياس السخيري قرب منطقة الجزاء التونسية، ومررها مباشرة إلى غيوكيريس الذي أحرز الهدف الثالث للسويد.
كان خطأ السخيري فرديًا، لكنه كشف أيضًا عن مشكلة جماعية.
فقد استلم قائد المنتخب التونسي الكرة في منطقة خطرة، تحت الضغط، ومن دون حلول سهلة كافية حوله. ورغم التحذيرات التي ظهرت منذ بداية اللقاء، واصلت تونس المجازفة باللعب في العمق أمام مهاجمين سويديين مستعدين للانقضاض على أي تمريرة غير محكمة.
وكان الهدف الثالث نقطة التحول الحقيقية في المباراة.
فقبل ذلك، كان نسور قرطاج قادرين على التشبث بهدف تقليص الفارق. لكن بعد هذا الخطأ الجديد، فقد الفريق تدريجيًا تنظيمه وثقته وقدرته على التحكم في انفعالاته.
حاول صبري لموشي إعادة تنشيط فريقه بإقحام إلياس العاشوري ومحمد الحاج محمود وسيباستيان تونكتي وإسماعيل الغربي وفراس شواط.
ومنحت هذه التغييرات الفريق بعض الانتعاش والسرعة الإضافية، لكنها لم تعالج المشكلة الأساسية.
فقد واصلت تونس فقدان الكرة في مناطق مكشوفة، واتسعت المسافات بين الخطوط، ولم يعد خط الوسط قادرًا على حماية الدفاع، فيما ازداد انعزال اللاعبين الهجوميين عن بقية الفريق.
وبالتالي، لم تكن المشكلة بدنية أو فردية فقط، بل تعلقت بالبنية العامة للفريق.
استفادت السويد من هذا التفكك لزيادة غلتها من الأهداف.
وسجل ماتياس سفانبرغ بعد نحو 17 ثانية فقط من دخوله، في واحد من أسرع الأهداف التي أحرزها لاعب بديل في تاريخ كأس العالم.
وفي الوقت بدل الضائع، استغل ياسين العياري مرة أخرى كرة لم تتعامل معها تونس بالشكل المطلوب، ليسجل هدفه الثاني في المباراة ويرفع النتيجة النهائية إلى 5-1.
وأعطت لوحة النتيجة انطباعًا بهيمنة سويدية متواصلة، لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.
فالسويد لم تحتج إلى بناء خمس هجمات جماعية طويلة ومتأنية، بل عملت أساسًا على فرض الأخطاء التونسية أو انتظارها، قبل مهاجمة المساحات الشاغرة على الفور.
وكان تفوقها الأساسي في سرعة اتخاذ القرار.
فعند كل استرجاع للكرة، كان لاعبو السويد يعرفون مباشرة إلى أين يمررون وأي المساحات يهاجمون. أما تونس، فكانت تتردد، أو تبطئ اللعب، أو تجازف في أكثر المناطق خطورة.
يتعلق الدرس التكتيكي الأبرز في المباراة بطريقة إخراج المنتخب التونسي للكرة.
فأمام المهاجمين السويديين، كان المدافعون والحارس بحاجة إلى حلول سريعة على الأطراف أو في وسط الميدان. لكن المسافات بين اللاعبين التونسيين كانت غالبًا كبيرة أكثر من اللازم.
كان خضيرة والسخيري تحت الرقابة، ووجد حنبعل المجبري نفسه محاطًا بعدد من المنافسين، فيما بقي إلياس سعد معزولًا في الهجوم في كثير من الأحيان.
وفي هذه الظروف، كان حامل الكرة أمام ثلاثة خيارات صعبة: اللعب القصير تحت الضغط، أو إرسال كرة طويلة نحو مهاجم معزول، أو الاحتفاظ بالكرة في انتظار ظهور حل.
واختارت تونس في كثير من الأحيان الاحتفاظ بالكرة أو فرض تمريرة في العمق.
وكان بإمكان فريق أكثر تنظيمًا إيجاد لاعب حر عبر تراجع أحد لاعبي الوسط، أو اقتراب أحد الظهيرين، أو الاعتماد بصورة أكبر على التمريرات القطرية باتجاه الأطراف. لكن نسور قرطاج نادرًا ما نجحوا في تطبيق هذه الآليات.
وبالتالي، لم تكن المشكلة مرتبطة فقط بالجودة الفنية للاعبين، بل أيضًا بالمسافات والتحركات من دون كرة، وتجهيز الحلول حتى قبل استلام التمريرة.
تأتي هذه الهزيمة الثقيلة بعد خسارة تونس بنتيجة 5-0 أمام بلجيكا في مباراة تحضيرية.
وبذلك، استقبل المنتخب التونسي عشرة أهداف في مباراتين، رغم أنه بنى تأهله إلى المونديال على صلابة دفاعية لافتة.
ويتعين على الإطار الفني التعامل بجدية مع هذا التناقض.
فالدفاع التونسي لم يصبح فجأة عاجزًا عن الدفاع، لكنه يتحرك حاليًا ضمن فريق أقل تماسكًا، يفقد عددًا أكبر من الكرات الخطرة ويترك مساحات أوسع لمنافسيه.
وبعبارة أخرى، لا تقتصر الصعوبات على المدافعين الأربعة والحارس.
فهي تبدأ من مناطق أعلى في الملعب، عند فقدان الكرة، وعندما لا يكون الضغط منسقًا، ويتأخر الفريق في التراجع.
والدفاع الصلب يعتمد دائمًا على التنظيم الجماعي المحيط به.
عاش ياسين العياري أمسية خاصة.
فهو مولود في السويد لأب تونسي وأم مغربية، وكان قادرًا على تمثيل ثلاثة منتخبات وطنية.
وبعد هدفه الأول، احتفل بطريقة متحفظة جدًا احترامًا لبلد والده. لكنه أظهر فرحة أكبر بعد هدفه الثاني الذي سجله في الوقت بدل الضائع.
ومع ذلك، لا يمكن تقديم مسيرته على أنها قصة لاعب تجاهله الاتحاد التونسي لكرة القدم بالكامل.
فقد حاولت تونس إقناعه في بداية العقد الحالي، لكنه اختار في النهاية مواصلة مشواره مع السويد، البلد الذي وُلد ونشأ كرويًا فيه.
وتطرح حالته سؤالًا أوسع من مجرد اكتشاف اللاعبين: كيف يمكن إقناع الشبان مزدوجي الجنسية بأن المشروع الرياضي التونسي قادر على توفير مسار مستقر وطموح ومنسجم لهم؟
فاكتشاف اللاعب لا يكفي.
بل يتعين بناء علاقة طويلة الأمد معه، وتقديم مشروع رياضي حقيقي، ومنحه رؤية واضحة بشأن دوره المستقبلي، وإظهار أن المنتخب يمتلك خطًا توجيهيًا واضحًا.
لذلك، لا يمثل العياري فقط موهبة ضائعة، بل يعكس أيضًا المنافسة المتزايدة بين الاتحادات من أجل استقطاب لاعبين تكوّنوا في أوروبا ويملكون أهلية تمثيل أكثر من منتخب.
بعد المباراة، اعترف صبري لموشي بقسوة الهزيمة، وشدد على العدد الكبير من الأخطاء التي ارتكبها فريقه.
وتشخيصه صحيح، لكن مطالبة اللاعبين بمزيد من التركيز لن تكون كافية.
فعلى الإطار الفني أيضًا أن يوفر لهم حلولًا أكثر بساطة.
ويتعين على تونس تحسين إخراج الكرة، وتقليص المسافات بين الخطوط، وحماية العمق بصورة أفضل، وتجنب فقدان الكرة في المناطق التي يمكن للمنافس الانطلاق منها مباشرة نحو المرمى.
كما يجب عليها أن تتعلم الحفاظ على تنظيمها عندما تكون متأخرة في النتيجة.
فقد يستقبل فريق هدفًا من دون أن يفقد خطة لعبه. لكن أمام السويد، تلقت تونس الهدف الثالث، ثم فقدت بنيتها وقدرتها على التحكم في انفعالاتها.
وهذه الهشاشة النفسية والتكتيكية هي التي حوّلت هزيمة كان من الممكن تداركها إلى سقوط قاسٍ.
سيواجه نسور قرطاج منتخب اليابان في الليلة الفاصلة بين السبت 20 والأحد 21 جوان في مونتيري.
وستنطلق المباراة عند الساعة العاشرة ليلًا بتوقيت المكسيك، أي الخامسة صباحًا بتوقيت تونس.
وأظهر المنتخب الياباني أمام هولندا قدرته على الحفاظ على نسق مرتفع، والرد بعد التأخر في النتيجة، واستغلال المساحات بسرعة.
وبالتالي، ستواجه تونس فريقًا متحركًا ومنضبطًا وخطيرًا بصورة خاصة في التحولات.
ومع اعتماد صيغة تضم 48 منتخبًا، يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، إضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث، إلى الدور السادس عشر. لذلك، لم تُحسم الأمور حسابيًا بعد.
لكن فارق أهداف تونس أصبح سلبيًا جدًا، وأي هزيمة جديدة ستقلص فرص التأهل بصورة كبيرة.
وأمام اليابان، لن يقتصر الهدف على تحقيق نتيجة إيجابية.
بل يتعين على المنتخب إثبات أنه استوعب دروس مونتيري، من خلال تأمين أفضل لعملية إخراج الكرة، والحفاظ على التماسك بعد فقدانها، وتوفير حلول أكبر لحاملها، وعدم منح المنافس الفرص التي ينتظرها.
وتمثل الهزيمة 5-1 أمام السويد جرس إنذار قويًا.
وستكشف ردة فعل نسور قرطاج ما إذا كانت مجرد بداية متعثرة، أم أول مؤشر على أن كأس العالم بدأت تفلت من أيديهم.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية