Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يضع الاقتصاد غير المنظّم تونس أمام معادلة معقّدة فهو يوفّر دخلاً لشريحة واسعة من السكان، لكنه يحرم الخزينة من موارد ضرورية ويُبقي العاملين فيه خارج مظلة الحماية الاجتماعية. وتطرح ورقة سياسات حديثة سؤالاً جوهرياً: هل تكفي الرقمنة، إذا أُحسن توظيفها، لإحداث نقلة نوعية نحو الدائرة الرسمية؟

حجم الظاهرة وكلفتها

تشير المعطيات الواردة في الورقة، استناداً إلى دراسة مشتركة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية صادرة سنة 2022، إلى أنّ القطاع غير المنظّم يسهم بنحو 35,2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويشغّل قرابة 917 ألفاً و700 عامل، أي 26,8 في المائة من السكان النشيطين.

وتتركّز الظاهرة في الفلاحة (85,6 في المائة من الوظائف) والبناء (69,2 في المائة) والتجارة (64 في المائة). ويمارس أكثر من 80 في المائة من الشباب بين 15 و19 سنة نشاطاً غير رسمي. ويقدّر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية الخسارة الجبائية الناجمة عن هذا القطاع بنحو 5,4 مليارات دينار سنة 2019. ولا يقف الأثر عند الجباية، فالفئات الأكثر هشاشة، من نساء وشباب وسكان أرياف، تُحرم من الحماية الاجتماعية والحقوق النقابية والاستقرار القانوني.

المصدر والإطار المفاهيمي

تستند هذه القراءة إلى ورقة سياسات بعنوان “الرقمنة: رافعة استراتيجية للانتقال إلى القطاع المنظّم في تونس”، أعدّت لفائدة جمعية الاقتصاديين التونسيين بدعم من مشروع “ نحكيو اقتصاد “ الممول من الاتحاد الأوروبي والمنفّذ عبر “الوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية”.

وتميّز الورقة بين مقاربتين في الأدبيات: الأولى ترى في الاقتصاد غير المنظّم آلية بقاء وتكيّف مع قيود اقتصادية، والثانية تربطه أساساً بالتهرّب الجبائي والالتفاف على الالتزامات القانونية. وتخصّ بالعناية فئة العاملين في “اللاتنظيم الاضطراري”، أي من لا يجدون بديلاً في القطاع الرسمي.

وتفسّر الورقة أثر الرقمنة بآليات متكاملة: خفض كلفة الإجراءات وتعقيدها، وتعزيز الشفافية وقابلية التتبّع، وتيسير النفاذ إلى الخدمات العمومية والاجتماعية، وتحسين ثقة المواطن في الدولة. وتتيح الهوية الرقمية والإمضاء الإلكتروني للمبادر الصغير إنجاز مراحل التسجيل دون تنقّل، وتدعم المدفوعات الإلكترونية والتكنولوجيا المالية إدماج غير المتعاملين مع البنوك، ويسمح استخدام البيانات برقابة جبائية أكثر إنصافاً ونجاعة.

منظومة رقمية آخذة في التشكّل

أطلقت تونس منذ 2014 مسار تحديث رقمي عبر برنامجي “تونس الرقمية 2020” ثم “تونس الرقمية 2025”. وأفرز هذا المسار أدوات ملموسة، منها الهوية الرقمية والبوابة الإلكترونية للمواطن والبريد الرسمي الإلكتروني والمحافظ الإلكترونية. وسجّلت المدفوعات الإلكترونية نمواً يفوق 40 في المائة في عدد المعاملات خلال النصف الأول من 2023 مقارنة بالفترة نفسها من 2022، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.

ومكّن السجل الوطني للمؤسسات أصحاب المشاريع من التسجيل عن بُعد والحصول على مضمون السجل إلكترونياً، وأتاح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التصريح بالأجور وتسديد المساهمات عبر الإنترنت. ويمثّل نظام المقاول الذاتي، بتسجيله المبسّط وإعفائه الجبائي المؤقت وتيسيره الانتفاع بالضمان الاجتماعي، خطوة واعدة لدمج العاملين لحسابهم الخاص.

ثغرات التنفيذ

غير أنّ الورقة تخلص إلى أنّ الرقمنة لم تُحدث بعدُ تحوّلاً هيكلياً عميقاً. وتعزو ذلك إلى عدم الاستقرار المؤسساتي وضعف التنسيق وتشتّت المبادرات وبطء الصفقات العمومية التي تؤخّر اختيار المزوّدين واقتناء الحلول. وتظلّ الإجراءات معتمدة في جانب كبير منها على الورق والشبابيك والإمضاءات اليدوية، خاصة في الجهات الداخلية، وتضاعف مقاومة التغيير داخل الإدارة وتعقيد المنصات ومشكلات تغطية الشبكة من صعوبة الاستعمال. واستغرق نظام المبادر الذاتي أكثر من أربع سنوات ليصبح قابلاً للتشغيل، وما زال يعاني ضعف الإشهار وتفاوت النفاذ وعدم اكتمال قائمة المنتفعين.

ويضاف إلى ذلك عامل سلوكي لا يقلّ أهمية فالعامل غير المنظّم لا يرى مكاسب فورية في الانتقال إلى الرسمي، إذ تبدو الأعباء الجبائية والاجتماعية مرتفعة قياساً بجودة الخدمات المقابلة. وتزيد الفجوة الرقمية الوضع صعوبة لدى النساء الريفيات والشباب غير الحاصلين على شهادات.

دروس التجارب الدولية

تستحضر الورقة ثلاث تجارب. فقد وفّرت إستونيا، بفضل هوية رقمية شاملة وترابط قواعد البيانات العمومية، جميع خدماتها العمومية عبر الإنترنت، وتقدّر وفورات الإمضاء الإلكتروني سنوياً بما يعادل 2 في المائة من الناتج، مع قرارات حكومية أسرع بعشر مرات ورضا يتجاوز 80 في المائة من المستخدمين.

وجمعت رواندا، عبر منصة “إيرومبو غوف” المطلقة سنة 2015، مئات الخدمات الإدارية، وبلغت الفئات الهشة والمناطق الريفية بخدمات تعمل على أي هاتف جوال بفضل رموز “يو.إس.إس.دي” ووكلاء الدعم. وحدّت الهند من الاحتيال وسرّعت المدفوعات وحسّنت التغطية الاجتماعية للأسر الأفقر بفضل نظام الهوية البيومترية. وتستخلص الورقة أنّ النجاح لا يرتهن بالتكنولوجيا وحدها، بل برؤية استراتيجية واضحة وحوكمة مستقرة وإطار تنظيمي ملائم ومرافقة بشرية متواصلة.

سيناريوهان للمستقبل

يرجّح سيناريو “الاستمرار على الوضع الراهن” تفاقم اللاتنظيم وتصاعد التهرّب الجبائي وتراجع قدرة الدولة على تمويل السياسات العمومية، مع استمرار هشاشة اجتماعية يتعرض فيها العمال لصدمات اقتصادية دون حماية، وتراجع جاذبية البلاد للاستثمار وتعثّر أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.

ويقترح السيناريو الثاني استراتيجية شاملة ومركزية ترتكز على خمسة محاور. يقوم الأول على رقمنة إلزامية للخدمات الأساسية عبر منصة موحّدة وتشغيل بيني للبيانات وإطار قانوني يعترف تماماً بالهوية والإمضاء الإلكترونيين. ويعتمد الثاني على حوافز اقتصادية تشمل إعفاءات مؤقتة ومساهمات اجتماعية متدرجة بحسب الدخل. ويستهدف الثالث الإدماج الرقمي بواجهات مبسطة وخيارات صوتية وتكوين محلي. ويستند الرابع إلى تعبئة مجتمعية عبر الجمعيات والإذاعات وقصص النجاح. ويُعنى الخامس بترسيخ الثقة الرقمية عبر الأمن السيبراني وحماية المعطيات.

تتميّز الورقة بتماسك منطقها وجمعها بين الحوافز الاقتصادية والبعدين الاجتماعي والثقافي، مما يمنح مقترحاتها واقعية. ويُحسب لها تركيزها على الفئات الهشة بدل الاكتفاء بمنطق التحصيل الجبائي. ومع ذلك يبقى نجاح السيناريو الثاني مشروطاً بتجاوز عوائق التنسيق والتنفيذ التي أبطأت المسار السابق، وبإقناع العامل غير المنظّم بأنّ كلفة الانتقال تقابلها خدمات ملموسة. وتظلّ المقارنات الدولية، على أهميتها، رهينة اختلاف السياقات المؤسسية، فهي مصدر إلهام يستدعي التكييف لا الاستنساخ.

تخلص الورقة إلى أنّ الأدوات متوفرة والمؤشرات الأولى مشجّعة، وأنّ الحلقة المفقودة هي رؤية مندمجة وتنسيق صارم وتنفيذ عاجل. وتتجه رسالتها إلى صانع القرار فالرقمنة ليست ترفاً، بل رافعة قادرة على تحويل الاقتصاد غير المنظّم من عبء جبائي واجتماعي إلى رصيد لنمو شامل ومستدام.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: 917 ألف عامل , اقتصاد , الرقمنة