آخر الأخبار

التمويل المناخي.. رافعة جديدة للاستثمار وحماية الاقتصاد التونسي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تتجه تونس نحو تعزيز موقع التمويل المناخي ضمن سياساتها الاقتصادية والاستثمارية، في وقت أصبحت فيه التغيرات المناخية عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في النمو والإنتاج والأمن الغذائي والمائي والتوازنات الخارجية.

وتندرج جلسة العمل التي أشرف عليها امس الاربعاء 24 سبتمبر الجاري وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، للتعريف بآليات التمويل التي يتيحها الصندوق الأخضر للمناخ وصندوق الاستجابة للخسائر والأضرار، ضمن هذا المسار الرامي إلى تعبئة موارد دولية لفائدة مشاريع فلاحية ومائية وبحرية ذات أولوية.

وتعكس هذه الخطوة انتقالاً تدريجياً من التعامل مع التغير المناخي باعتباره ملفاً بيئياً إلى إدراجه ضمن صميم السياسة الاقتصادية فقد أصبح الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات والفيضانات والظواهر المناخية القصوى تؤثر في الإنتاج الفلاحي، وتضغط على الموارد المائية، وتزيد مخاطر اضطراب الإمدادات الغذائية، كما ترفع كلفة التكيف بالنسبة إلى الدولة والمؤسسات والأسر.

التمويل الدولي أمام فجوة استثمارية متزايدة

تُظهر تقديرات تونس الرسمية أن حاجيات تمويل التكيف المناخي للفترة 2021-2030 تتجاوز 2.852 مليار دولار وفق المقاربة القطاعية، منها 1.643 مليار دولار تمويلات دولية و1.209 مليار دولار تمويلات وطنية. وتكشف هذه الأرقام أن الموارد الخارجية تمثل عنصراً مهماً في قدرة تونس على تنفيذ مشاريع التكيف، خصوصاً في قطاعات المياه والفلاحة والنظم البيئية.

وتبرز أهمية التمويل الدولي أكثر عند توسيع نطاق التقييم ليشمل التكلفة الاقتصادية الشاملة للمخاطر المناخية. فقد قدرت الحاجيات السنوية للتكيف بأكثر من 400 مليون دولار، مع إمكانية بلوغها نحو 475 مليون دولار سنوياً بحلول 2030. ويعني ذلك أن التحدي لا يتعلق فقط بتوفير الأموال، وإنما أيضاً بإعداد مشاريع قادرة على تحويل التمويل المتاح إلى استثمارات ذات أثر اقتصادي قابل للقياس.

ويكتسب الصندوق الأخضر للمناخ أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره إحدى أهم الآليات الدولية لتمويل التكيف والتخفيف في البلدان النامية. وتضم محفظته العالمية مئات المشاريع، بتمويلات تناهز عشرات المليارات من الدولارات، مع تعبئة موارد إضافية من شركاء التمويل. وتظهر بيانات الصندوق أن تونس مرتبطة بعدد من المشاريع المعتمدة، بما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع الوصول إلى التمويلات المناخية.

ندرة المياه تتحول إلى قضية نمو

تضع ندرة المياه البلاد في قلب معادلة التكيف المناخي، باعتبار أن الزراعة تستحوذ على نحو 80% من إجمالي السحوبات المائية. كما لا يتجاوز نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة مستويات تجعل تونس ضمن الدول التي تواجه إجهاداً مائياً شديداً.

وتكشف هذه الوضعية أن الاستثمار في اقتصاد المياه لم يعد خياراً قطاعياً محدوداً، لكنه صار جزءاً من سياسة النمو فتحسين كفاءة الري، وتقليص ضياع المياه، وتطوير إعادة استعمال المياه المعالجة، وحماية الموائد الجوفية، وتحسين إدارة السدود وشبكات التوزيع، كلها تدخلات يمكن أن تنعكس مباشرة على الإنتاجية الزراعية وعلى فاتورة الغذاء وعلى استقرار الاقتصاد.

وتؤكد التجارب الأخيرة حجم التأثير الاقتصادي للجفاف حيث ساهمت الظروف المناخية الصعبة في انخفاض القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 11% خلال 2023. كما شهدت البلاد سنوات متتالية من الجفاف، تزامنت مع تراجع كبير في تدفقات المياه نحو السدود وانخفاض مستويات التخزين.

ويجعل هذا الواقع الأمن المائي مرتبطاً بصورة وثيقة بالأمن الغذائي وبالتوازنات الخارجية فعندما ينخفض الإنتاج المحلي لبعض الزراعات الاستراتيجية، يمكن أن ترتفع الحاجة إلى التوريد، وهو ما يخلق ضغطاً إضافياً على العملة الصعبة وعلى الحساب الجاري، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة الإنتاج المائي والغذائي إلى التأثير في الأسعار والدخل الحقيقي.

البحث العلمي يتحول إلى أداة اقتصادية

يعزز إدماج البحث العلمي في المشاريع المناخية فرص تحويل التمويل الدولي إلى نتائج اقتصادية مستدامة. ولذلك شدد وزير الفلاحة على ضرورة تعزيز دور البحث العلمي في تحديد الأولويات وبلورة المشاريع، والعمل على تحويل نتائج البحوث والدراسات إلى مشاريع واضحة ومدروسة وقابلة للتمويل والتنفيذ.

وتسمح هذه المقاربة بتطوير حلول مرتبطة مباشرة بالحاجيات الوطنية، مثل الزراعات الأكثر مقاومة للجفاف والحرارة، وتحسين إنتاجية المياه، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وحماية التربة، وتحسين إدارة المراعي والغابات، وتطوير تقنيات الصيد البحري وتربية الأسماك في مواجهة تغير الظروف البيئية.

وتزداد قيمة هذه المعرفة عندما تنتقل من الجامعات ومراكز البحث إلى المؤسسات الاقتصادية والإدارة ذلك ان الدراسة العلمية لا تحقق أثرها الكامل إذا بقيت في إطار أكاديمي، بينما يمكن أن تتحول نتائجها إلى استثمار عندما تُترجم إلى تقنية أو نظام إنتاج أو أداة للتنبؤ بالمخاطر أو مشروع بنية أساسية أو نموذج زراعي جديد.

الخسائر والأضرار تحتاج إلى بيانات دقيقة

تفتح آلية صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار مجالاً إضافياً أمام تونس للتعامل مع الآثار المناخية التي تتجاوز أحياناً قدرة إجراءات التكيف التقليدية. ويجعل ذلك تطوير منظومة وطنية لرصد الخسائر والأضرار وتقييمها اقتصادياً أمراً أساسياً لتحديد حجم الاحتياجات وإعداد ملفات تمويل ذات مصداقية.

وتشمل هذه المنظومة قياس الأضرار التي تلحق بالمحاصيل والثروة الحيوانية والغابات والموارد المائية والسواحل والبنية الأساسية، مع ربطها بتأثيراتها على الإنتاج والدخل والتشغيل والأسعار والتجارة الخارجية. ويتيح هذا الربط الانتقال من مجرد تسجيل الأضرار إلى تقدير كلفتها الاقتصادية الفعلية، وهو ما يعزز قدرة تونس على توجيه الموارد نحو المجالات الأكثر تعرضاً للمخاطر.

حافظة وطنية لتحويل التمويل إلى استثمار

تدفع الجلسة الأخيرة نحو إعداد حافظة وطنية لمشاريع التمويل المناخي، من خلال تطوير المذكرات المفاهيمية وترتيب المشاريع وفق الأولوية والجاهزية والقابلية للتمويل. وتكتسب وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية في هذا المسار أهمية خاصة باعتبارها هيكلاً وطنياً معتمداً لدى الصندوق الأخضر للمناخ، بما يمكنها من مرافقة الهياكل وأصحاب أفكار المشاريع وتحسين جاهزيتها.

وتحتاج هذه الحافظة إلى اعتماد معايير اقتصادية واضحة، تشمل حجم الأثر المتوقع، وعدد المستفيدين، ودرجة التعرض للمخاطر، والقدرة على التنفيذ، وإمكانية جذب التمويل المشترك، ومدى مساهمة المشروع في خفض الانبعاثات أو تعزيز التكيف.

ويبرز كذلك إدراج مشاريع الصيد البحري وتربية الأسماك ضمن الأولويات، نظراً إلى حساسية الموارد البحرية والأنظمة البيئية للتغيرات المناخية. كما يستدعي الأمر تعزيز التنسيق بين وزارات الفلاحة والبيئة ومؤسسات البحث والتعليم العالي والهياكل الاستثمارية والجهات المانحة والشركاء الفنيين والماليين.

يؤكد المسار الجديد أن التمويل المناخي يمكن أن يتحول إلى أداة لدعم النمو وليس مجرد آلية لتعويض الخسائر فكل استثمار يرفع كفاءة استخدام المياه، أو يحمي الأراضي الزراعية، أو يقلل خسائر الفيضانات، أو يحسن القدرة على التنبؤ بالجفاف، يمكن أن يقلص تكلفة اقتصادية مستقبلية ويعزز استقرار الإنتاج.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ندرة المياه وحدها يمكن أن تخفض الناتج المحلي الإجمالي لتونس بنحو 6.4% بحلول 2050 إذا لم تتم مواجهة الضغوط المائية والمناخية بفاعلية. كما يمكن أن تؤثر هذه الضغوط في فرص العمل الزراعية وفي مستويات الدخل بالمناطق الريفية.

وتمنح هذه المعطيات للتمويل المناخي بعداً اقتصادياً استراتيجياً بحكم ان المسألة لا تتعلق باستقطاب منح أو قروض ميسرة فحسب، وإنما ببناء قدرة وطنية على تحويل التمويل الدولي إلى بنية أساسية ومعرفة وتكنولوجيا واستثمارات منتجة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا