وقف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81، ليخاطب العالم من موقع المنتصر والمتضرر في آن واحد.
ولم تكن السنة المنصرمة سنة عادية؛ فقد شهدت عدوانا أمريكيا صهيونيا على إيران، واغتيال قائد الثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، ثم انتخاب آية الله مجتبى خامنئي قائدا جديدا للثورة.
وقد حمل هذا الخطاب كل هذا الزخم، وقدم تشخيصا حادا، وطرح بديلا إستراتيجيا، ومع ذلك خرج الخطاب من قاعة الأمم المتحدة ليقابل بما يشبه الصمت وسط هذا الضجيج العالمي. ويُطرح هنا السؤال الجدلي: لماذا لا تُسمع إيران، رغم صوتها المدوي هذا، في الساحة الدولية؟
يمكن تفكيك خطاب بزشكيان إلى ثلاث طبقات متمايزة. وتتمثل الطبقة الأولى في الحجاج الأخلاقي؛ حيث بدأ حديثه بكونه قادما "من إيران التي اغتيل زعيمها بلا سند قانوني "، مستحضرا صور ضحايا قصف مدينة ميناب ومدرستها وأطفالها، ليقلب بذلك المعادلة، مبينا أن من يُوصَف بالإرهاب هو من يَقتُل، وليس من يُتهَم.
وتبرز الطبقة الثانية في الحجاج القانوني، الذي تجلى في التأكيد المتكرر على سلمية البرنامج النووي، ورفض آلية "العودة السريعة للعقوبات " الأوروبية بوصفها غير شرعية، والتمسك بمنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، في حين يمتلك الكيان الصهيوني ترسانة نووية ويستعصي على التفتيش.
وتتجسد الطبقة الثالثة في المشروع البديل، حيث برزت الدعوة إلى إرساء "منطقة قوية " تقوم على الأمن الجماعي والتنمية المشتركة، في مواجهة منطق "السلام بالقوة " الذي تتبناه واشنطن وتل أبيب.
يتفاقم إشكال الخطاب حين نقارن بين "المنصة " و "الاستقبال ". وتعد المنصة، أي الجمعية العامة، في العادة ساحة للاشتباك العام وليست ساحة لإصدار الأحكام، في حين يبقى الاستقبال محكوما بمجموعة من المجالات، تشمل الإعلام، والضغط، والمصالح، وأخيرا الاستدلال
تكمن هنا المعضلة الجدلية الكبرى؛ إذ يمتلك خطاب بزشكيان بنية استدلالية متماسكة تتألف من مقدمة واقعية، وقانونية، ونتيجة أخلاقية، غير أن الخطاب في الساحة الدولية لا يُقاس بمصداقيته المنطقية فحسب، بل بمن يقبله ويتبناه ويروجه.
وبعبارة أدق، يواجه منطق الخطاب مشكلة التوافق، وليس مشكلة الصحة والاستدلال. ولا يحدث الخطاب، الذي يقدم نقدا جذريا لبنية النظام الدولي ويثير تحديا أخلاقيا في وجه القوى الكبرى، أي أثر إلا إذا وجد حلفاء وأصدقاء يرددونه. وتبقى إيران، لأسباب بنيوية وإجراءات قسرية، محاصرة في فضاء إعلامي عالمي يضيق الخناق على الرسالة قبل أن تصل إلى الجمهور.
يأتي الاحتكار الإعلامي الغربي في المقام الأول؛ حيث يتلقى معظم الجمهور الدولي الأخبار عن إيران من قنوات تتبنى إطارا مسبقا ومعاديا. ويصل الخطاب الإيراني إلى قاعة المؤتمرات، لكنه لا يصل إلى شاشات المنازل.
وقد رُفِضت تأشيرات الوفد الإعلامي الإيراني حتى قبيل إلقاء الخطاب؛ مما يعد دليلا مكشوفا على أن مصدر القلق يكمن في إيصال الصوت وليس في الصوت ذاته.
ويبرز في المقام الثاني الحيز اللغوي والقيمي؛ إذ يستند الخطاب إلى مرجعية ثقافية ودينية، تتجسد في فتوى القائد بتحريم السلاح النووي، وقول الإمام علي: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ".
ويشكل هذا الرصيد قيمة عظيمة في الداخل وفي محيط الحضارة الإسلامية، لكنه لا يُترجَم إلى معيار قيمي مقبول في عقل صانع السياسة الأوروبي الذي يزن الأمور بميزان المصالح والحسابات التقنية.
ويتمثل السبب الثالث في فقدان مرساة الحلفاء؛ حيث يبحث الخطاب عن "جبهة عادلة " في العالم، في حين تضعف منظومات التحالف الإقليمي والدولي بفعل العقوبات وفرص الاستقطاب. وتجد القوى الناشئة، التي كان بإمكانها تفعيل هذا الخطاب، أن تكلفة تبنيه تفوق المكاسب المرجوة، فتؤثر التزام الصمت الدبلوماسي.
ويأتي التعارض بين القول العقلاني للخطاب والسياق المادي الموجه إليه بوصفه سبباً رابعاً؛ فمن أجل تحقيق التأثير، لا يكفي أن يكون الخطاب مسندا بالأدلة فحسب، بل يجب أن يكون صاحبه قادرا على فرض تكاليف إذا رُفِض.
ولأن أدوات الردع التقنية والتسليحية تخضع للتفاوض، تصبح الحجة المنطقية الخطابية مجردة من "أدوات فرض التنفيذ "، وهي ثغرة يستغلها الخصم بانتظام.
ويبرز غياب الشهادة الدولية المستقلة بوصفه سبباً خامساً وأخيراً؛ إذ يعتمد الخطاب على الوقائع والشهادات الإيرانية، في ظل غياب آليات تحقيق دولية محايدة. ويشكل هذا وضعا شاذا من الناحية القانونية؛ حيث لا تعتمد الشهادة الوطنية في الأحكام الدولية، ويبقى تزييف الخصم للحقائق هو الخطاب المسموع. وبذلك، تتحول المصداقية إلى ساحة لتنازع النفوذ والسيطرة بدلا من أن تكون ساحة لإثبات الحقائق.
يعزى جزء أساسي من محاصرة خطاب بزشكيان إلى بنية توزع السلطة داخل النظام؛ إذ تتقاطع مؤسسات منتخبة مع أخرى غير منتخبة ومراكز نفوذ موازية، مما يجعل هامش المناورة المتاح للخطاب التنفيذي أضيق بكثير من سقف الوعود المعلنة
يتفاقم إشكال الخطاب حين نقارن بين "المنصة " و "الاستقبال ". وتعد المنصة، أي الجمعية العامة، في العادة ساحة للاشتباك العام وليست ساحة لإصدار الأحكام، في حين يبقى الاستقبال محكوما بمجموعة من المجالات، تشمل الإعلام، والضغط، والمصالح، وأخيرا الاستدلال.
ويظهر الخطاب الإيراني هنا بوصفه خطابا محقا ولكن ليس له قوة إسناد. لا تنقصه القوة الحجاجية، بل يعاني من غياب "السند الدولي"، أي الجهة التي تتبنى الرسالة وتخوض بها غمار المعارك البرلمانية والإعلامية.
يعزى جزء أساسي من محاصرة خطاب بزشكيان إلى بنية توزع السلطة داخل النظام؛ إذ تتقاطع مؤسسات منتخبة مع أخرى غير منتخبة ومراكز نفوذ موازية، مما يجعل هامش المناورة المتاح للخطاب التنفيذي أضيق بكثير من سقف الوعود المعلنة.
وقد فاقم هذا التضييق تفتت القاعدة الاجتماعية الحاضنة، وانخفاض نسبة المشاركة الانتخابية، الأمر الذي أضعف شرعية التفويض الشعبي، وهو ما قد يمنح الخطاب المضاد ذخيرة جاهزة. ولا يُحاصَر الخطاب هنا من الخارج فحسب، بل يعاني أيضا من تراجع في السند الداخلي.
لا يمكن فصل محاصرة الخطاب عن السياق الإقليمي والدولي المأزوم؛ حيث تفرض العقوبات الاقتصادية، والتصعيد الأمني، والأزمات المتلاحقة أولويات طارئة تبتلع أي أجندة إصلاحية.
ويتحول الخطاب الإصلاحي، في ظل هذه الظروف، إلى ترف سياسي أو مساحة رمزية لا تُترجَم إلى قرارات فعلية؛ نظرا لكون ملف الأمن والسياسة الخارجية يظل محكوما بمنطق يختلف تماما عن منطق الإصلاح الداخلي. وتنشأ هنا "محاصرة مزدوجة ": ضغط خارجي يضيق الخيارات، وضغط داخلي يؤدي إلى إرجاء الإصلاح إلى أجل غير مسمى.
يحمل درس خطاب بزشكيان دلالات أعمق من مجرد كونه لحظة عابرة؛ فهو يذكر بأن الجدل، في بنيته الأرسطية، يحتاج إلى ثلاثة عناصر: إقناع المستمع، وخلق الصورة، وإحداث الفعل
يبرز، إلى جانب العوامل البنيوية والخارجية، مأزق كامن في الخطاب نفسه؛ إذ يتحرك في منطقة رمادية تفصل بين الوعود الكبيرة والقدرة التنفيذية المحدودة، مما يخلق فجوة شاسعة بين "تسويق الخطاب " و "إنجازه ".
وكلما اتسعت هذه الفجوة، تحول الخطاب إلى نمط مهادن أو تبريري يفقد جاذبيته لدى قاعدته المفترضة، ويتيح لخصومه فرصة تصويره على أنه إما غير صادق أو يفتقر إلى القدرة.
ولا تكفي، من هذا المنطلق، إعادة صياغة الخطاب لمعالجة هذه المحاصرة بجدية، بل تتطلب توفير أدوات تنفيذية وائتلافات فعلية تمنحه قابلية التحقق على أرض الواقع.
يحمل درس خطاب بزشكيان دلالات أعمق من مجرد كونه لحظة عابرة؛ فهو يذكر بأن الجدل، في بنيته الأرسطية، يحتاج إلى ثلاثة عناصر: إقناع المستمع، وخلق الصورة، وإحداث الفعل. ورغم أن الخطاب الإيراني يمتلك عنصري الدليل والرؤية، فإنه يفتقر إلى فعل تثبيت المعنى في وعي الآخر.
ويتمثل المطلوب من الناحية الإستراتيجية في: تحويل الحجة إلى شبكة تحالفات بدلا من إبقائها رسالة مفردة؛ وبناء أدوات إعلامية سيادية قادرة على الوصول إلى الرأي العام الغربي بلغته؛ وتفعيل الدبلوماسية البرلمانية والحقوقية في المحاكم الدولية؛ والانتقال من موقع "المظلوم المدافِع " إلى موقع "المبارز الذي يصنع الأجندة الدولية "؛ وبهذه الطريقة، يمكن للصوت أن يبلغ آذانا لم تعتد على سماعه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة