هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تفتح ورقة بحثية حديثة، نافذة أمل واعدة على مستقبل القطاع المصرفي التونسي، إذ تُبيّن أن الإصلاحات المطلوبة لتحرير المنافسة البنكية باتت في متناول اليد أكثر من أي وقت مضى، وأن الفرصة التاريخية لتحويل البنوك من قطاع ريعي إلى شريك حقيقي في التنمية لم تكن يوماً بهذا الوضوح. وتستند الدراسة إلى قراءة معمّقة لتحوّلات القطاع خلال العقدين الأخيرين لتخلص إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في نقص الإمكانيات، بل في توفّر الإرادة لإطلاقها.
الأرقام تكشف عن طاقة كامنة لم تُستثمر بعد
يستند القطاع الخاص التونسي بشكل شبه كلي إلى التمويل البنكي، إذ تموّل البنوك نحو 90 بالمائة من استثمارات القطاع الخاص في المعدل، وفق ما يورده التقرير نقلاً عن هيئة السوق المالية. وترتفع نسبة القروض الموجهة للقطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي من 66 بالمائة سنة 2010 إلى أكثر من 115 بالمائة سنة 2020، في مسار تصاعدي واضح لا يزال دون المعدل العالمي البالغ 147.4 بالمائة، وهو ما يُترجم بالضرورة هامش نمو معتبراً يمكن استثماره.
ويتوفر النظام البنكي التونسي على قاعدة مؤسسية متينة تضم 35 مؤسسة مالية داخلية بحلول 2020، من بينها 23 بنكاً تجارياً، ترتفع من 21 بنكاً سنة 2010، وهو نموّ يعكس قدرة السوق على استيعاب فاعلين جدد متى تهيّأت الظروف التنظيمية المناسبة.
كما يتّسع عدد فروع البنوك في تونس بنسبة لافتة بلغت 45 بالمائة بين 2010 و2020، لترتفع من 1348 إلى 1964 فرعاً، في مؤشر إيجابي على ديناميكية القطاع وقدرته على التمدّد. وتصل كثافة الفروع في تونس إلى 22.3 فرعاً لكل 100 ألف بالغ سنة 2020، متجاوزة بذلك المعدل العالمي البالغ 10.8 ومعدل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ 13.4، وهي بنية تحتية مصرفية واسعة يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق مثالية لتوسيع الشمول المالي إذا ما تم توجيه هذا الانتشار نحو المناطق الداخلية والفئات المهمّشة، خاصة وأن نسبة امتلاك حساب بنكي لا تزال عند 40 بالمائة فقط من السكان البالغين، مقابل 80 بالمائة عالمياً، وهو ما يمثل سوقاً واعدة بمئات آلاف الحرفاء الجدد المحتملين.
البنوك تُراكم أرباحاً متصاعدة توفّر أرضية للإصلاح
تتضاعف الأرباح الإجمالية للبنوك التونسية بين سنتي 2010 و2020 من 430.373 مليون دينار إلى 857.902 مليون دينار، وهي وفرة مالية استثنائية يراها التقرير فرصة ذهبية أكثر منها إشكالاً، إذ توفّر للقطاع هامش أمان مريحاً يسمح بخوض غمار إصلاحات تنافسية جريئة دون أي مخاطرة تُذكر على الاستقرار المالي. ويؤكد الباحث أن هذه الأرباح الوفيرة تعني عملياً أن كلفة الانتقال نحو نموذج مصرفي أكثر انفتاحاً وشمولاً تكاد تكون معدومة على الدولة والمالية العمومية، بخلاف مسارات الإصلاح في قطاعات أخرى تتطلب استثمارات ضخمة من ميزانية الدولة.
هذا وتتراجع مؤشرات التركّز البنكي التقليدية بشكل مطّرد على مدى عقدين، إذ تنخفض حصة أكبر ثلاثة بنوك من السوق من 46.2 بالمائة سنة 2000 إلى 38.9 بالمائة سنة 2010، كما يتراجع مؤشر هيرفندال-هيرشمان من 0.11 إلى 0.08 بين 2000 و2020، مقارنة بمعدل عالمي يبلغ 0.17. ويرى التقرير في هذا التعدّد الهيكلي أرضية مؤسسية مؤاتية لبناء منافسة حقيقية، شريطة ترجمة هذا التنوّع الشكلي إلى تنويع فعلي في المنتجات والأسعار والعملاء المستهدفين، وهو ما يجعل من تونس حالة واعدة يمكن أن تتقدّم بخطى سريعة نحو نموذج مصرفي أكثر ديناميكية مقارنة بأسواق أخرى تعاني من هيمنة فعلية لعدد محدود من المؤسسات.
تحرير المنافسة يفتح الباب أمام موجة اندماجات معزِّزة
يلاحظ التقرير غياب عمليات الاندماج بين البنوك منذ اندماج بنك التنمية الاقتصادية لتونس والبنك الوطني للتنمية السياحية مع الشركة التونسية للبنك مطلع الألفينات، لكنه يقدّم هذه الملاحظة كإشارة إلى مسار مستقبلي واعد أكثر منها نقصاً بنيوياً، إذ يرى أن تحرير المنافسة سيُطلق، بشكل طبيعي وتدريجي، موجة من الاندماجات التي ستُقوّي رساميل البنوك وتُعزّز قدرتها التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي. ويُضيف أن هذا التحوّل من شأنه أن يُقلّص اعتماد البنوك على إعادة تمويل البنك المركزي، وأن يفتح الباب أمام عرض قروض بفائدة ثابتة تُتيح لأصحاب المشاريع والأسر تخطيطاً مالياً أكثر استقراراً على المدى الطويل.
يشير التقرير إلى أن نسبة القروض المتعثرة بلغت في المتوسط 14.5 بالمائة بين 2010 و2020، متجاوزة العتبة الحرجة المحددة عالمياً بـ10 بالمائة، لكنه يقدّم هذا المعطى كمهمة إصلاحية واضحة المعالم وقابلة للتحقيق ضمن آجال معقولة، مقترحاً برنامجاً تدريجياً يمتد بين ثلاث وخمس سنوات لخفض هذه النسبة إلى ما دون 7 بالمائة حسب حجم كل مؤسسة. ويعتبر الباحث أن تطهير الميزانيات البنكية من هذا العبء سيمنح القطاع انطلاقة نظيفة نحو مرحلة جديدة من النمو الصحي، ويُعزّز ثقة المستثمرين والمودعين على حد سواء في متانة النظام المالي الوطني.
خارطة طريق لمستقبل مصرفي أكثر شمولاً
يقترح التقرير حزمة إصلاحات متكاملة يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في القطاع، تبدأ بتعزيز صلاحيات مجلس المنافسة وقدراته التقنية لمتابعة السوق المالية، وتمر عبر إرساء إطار “الإجراءات التصحيحية الفورية” الذي يُحصّن الرقابة المصرفية من أي ضغوط، وصولاً إلى تيسير دخول فاعلين جدد إلى السوق على غرار البنوك التعاونية القادرة على خدمة المجتمعات المحلية والمؤسسات الصغرى.
ويدعو أيضاً إلى تحرير سعر الفائدة على حسابات الادخار وإلزام البنوك بنشر دوري وشفاف لتكاليف القروض، وهي إجراءات يرى فيها الباحث رافعة حقيقية لتحفيز الابتكار المالي وتحسين تخصيص الموارد لصالح الشباب والمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل العصب الحيوي للاقتصاد الوطني.
يؤكد البحث أن الانتقال نحو منافسة مصرفية أوسع يمثل، من بين كل الإصلاحات الاقتصادية الممكنة، الأقل كلفة والأكثر أماناً والأكثر إلحاحاً في آن واحد، مستشهداً بالتجربة اليابانية في أواخر التسعينات كنموذج مُلهم يثبت أن الانتقال التدريجي والمدروس نحو تحرير القطاع المصرفي ممكن دون المساس بالاستقرار المالي.
ويرى أن توفّر ثلاثة عناصر في آن واحد، وهي النضج المؤسسي المتراكم، والوفرة المالية الحالية للبنوك، والإجماع المتنامي بين الفاعلين الاقتصاديين حول ضرورة تجاوز نموذج الاقتصاد الريعي، يجعل من هذه المرحلة فرصة تاريخية لصانعي القرار لإطلاق دينامية إصلاحية تُحوّل القطاع البنكي إلى شريك فاعل في خلق فرص العمل والنمو، وتضع تونس على مسار واعد نحو اقتصاد أكثر شمولاً وعدالة يستفيد منه الشباب ورواد الأعمال والمؤسسات الصغرى والمتوسطة على حد سواء.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية