هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يشهد المشهد الاستثماري العالمي تحولات عميقة تتجاوز في حدّتها الأزمات الدورية المعتادة، إذ يعيد صناع القرار في كبرى الاقتصادات صياغة قواعد اجتذاب رؤوس الأموال وفق منطق الأمن الاقتصادي والحسابات الجيوستراتيجية بدل معايير التكلفة والكفاءة التي منحت الاقتصادات الناشئة، لعقود طويلة، ميزة تنافسية واضحة. وفي خضم هذا الاضطراب العالمي، تبرز تونس كحالة تستحق التوقف عندها مطولا، إذ يتمكن الاقتصاد الوطني من تحقيق نمو لافت في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الذي تنكمش فيه هذه التدفقات بشكل حاد على المستوى الإقليمي ككل.
يكشف تقرير الاستثمار العالمي لسنة 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تحت عنوان “الاستثمار الدولي في حقبة مضطربة”، أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو تونس ارتفعت من نحو 867 مليون دولار سنة 2024 إلى 1.173 مليار دولار سنة 2025، أي بزيادة تناهز 35 في المائة، لترتفع بذلك قيمة المخزون التونسي من الاستثمار الأجنبي الوارد إلى 44.4 مليار دولار مقابل 40.8 مليار دولار في العام السابق. وتأتي هذه القفزة في وقت سجّل فيه إقليم شمال إفريقيا ككل تراجعا حادا بلغت نسبته 56 في المائة، منتقلا من نحو 51 مليار دولار سنة 2024 إلى نحو 22 مليار دولار فقط سنة 2025.
عندما ينكمش الإقليم وتتقدّم تونس
يوضّح التقرير أن التراجع الإقليمي الحاد يعود أساسا إلى أثر القاعدة المرتفعة التي خلّفتها صفقة استثنائية أبرمتها مصر سنة 2024 ضمن مشروع “رأس الحكمة” العقاري العملاق، والذي رفع مؤقتا مستوى التدفقات الإقليمية إلى مستويات غير معتادة. وبإسقاط أثر هذه الصفقة الاستثنائية، تحافظ مصر على مرتبتها كأكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي في القارة الإفريقية بنحو 15 مليار دولار، فيما يسجّل المغرب تدفقات في حدود 3.3 مليار دولار مدعومة بتوسّع قطاعي الصناعة والسيارات. أما تونس، فتنفرد ضمن هذا المشهد الإقليمي المضطرب بمسار تصاعدي يمتد منذ سنة 2020، حين لم تتجاوز التدفقات الواردة إليها 654 مليون دولار، لترتفع تدريجيا سنة بعد أخرى دون انقطاع حتى بلغت ذروتها الحالية.
الهيدروجين الأخضر كرافعة استراتيجية جديدة
يشير التقرير الأممي إلى أن من أبرز محركات هذا الأداء مشروع “إتش تو غلوبال إنرجي” لإنتاج الهيدروجين الأخضر في تونس، البالغة قيمته 6 مليارات دولار، والذي يُصنَّف ضمن أضخم المشاريع الاستثمارية الخضراء المعلنة في القارة الإفريقية، إلى جانب مشروعي الطاقة المتجددة في موريتانيا والعقارات في مصر. ويعكس اختيار مستثمرين دوليين لتونس منصةً لمشروع بهذا الحجم تحولا نوعيا في طبيعة رأس المال الوارد إلى البلاد، إذ ينتقل تدريجيا من الاستثمارات التقليدية في القطاعات الاستهلاكية إلى مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة النظيفة وسلاسل القيمة العالمية الناشئة حول التحول الطاقي.
وتكتسب هذه النقلة النوعية دلالة إضافية حين تُقرأ في ضوء موقع تونس الجغرافي القريب من السوق الأوروبية الباحثة عن مصادر طاقة نظيفة بديلة، إذ يمنحها هذا القرب فرصة نادرة لتثبيت موقعها كممر إقليمي لتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بدل الاكتفاء بدور المُصدّر التقليدي للطاقة الأحفورية أو اليد العاملة الرخيصة. ويحمل هذا التموقع، إن أُحسن استثماره عبر تسريع الإصلاحات التنظيمية وتبسيط مسارات الترخيص، إمكانية تحويل مشروع واحد ضخم إلى قاطرة تجذب حوله سلسلة من الاستثمارات المكمّلة في الطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بها.
اقتصاد عالمي يعيد رسم خارطة الفرص
ينبّه التقرير في الوقت ذاته إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا ارتفع بنسبة 6 في المائة سنة 2025 ليبلغ 1.6 تريليون دولار، غير أن هذا النمو يخفي هشاشة بنيوية وتفاوتا متزايدا بين الدول، إذ استأثرت قطاعات استراتيجية محدودة، من أشباه الموصلات إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والمعادن الحرجة، بما يقارب نصف مشاريع الاستثمار الجديدة المعلنة عالميا، بينما لم تحصل أقل البلدان نموا والدول ذات الدخل المتوسط المنخفض سوى على عُشر هذه المشاريع تقريبا.
ويسجّل التقرير في الآن نفسه بلوغ الإجراءات الحكومية المنظمة للاستثمار مستوى قياسيا سنة 2025، ما يعكس تناميا متسارعا في تدخل الدول لتوجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات بعينها، وهو ما يجعل المنافسة على الاستثمار الأجنبي أشد ضراوة أمام الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة. كما يذكّر التقرير بأن 170 دولة اعتمدت، خلال الدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية المنعقدة في جنيف في أكتوبر 2025، ما يُعرف بـ”توافق جنيف”، الذي يجدد الالتزام الدولي بمناخ استثماري منفتح وعادل وموجّه نحو التنمية، في مسعى لمواجهة ضعف قدرة البلدان النامية على النفاذ إلى التمويل.
ماذا يعني هذا الأداء لتونس؟
تفرض هذه المعطيات على صناع القرار في تونس مقاربة استباقية تستثمر الزخم الحالي بدل الاكتفاء بمراقبته من بعيد. ويتطلب ترسيخ هذا المسار التصاعدي مواصلة الانفتاح على قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر باعتبارها بوابة تونس نحو سلاسل القيمة العالمية الجديدة، إلى جانب تعزيز البنية التحتية اللوجستية والرقمية القادرة على استقطاب مشاريع أكبر حجما وأكثر تعقيدا تقنيا.
كما يستوجب الأمر مواكبة المنافسة الدولية المتصاعدة على الاستثمار عبر حوافز مستهدفة ومؤسسات فاعلة، دون إغفال أن حجم الاقتصاد التونسي يظل متواضعا نسبيا قياسا بمنافسين إقليميين يملكون قدرة أكبر على استقطاب رؤوس أموال ضخمة دفعة واحدة. ويكشف منطق التقرير الأممي، حين يُسقط على الحالة التونسية، أن معايير الجاذبية الاستثمارية لم تعد تكافئ بالضرورة الاقتصادات الأكبر حجما أو الأوفر موارد طبيعية، بل تميل تدريجيا لصالح الاقتصادات القادرة على تقديم موقع استراتيجي واضح ضمن سلاسل القيمة الناشئة، وهو ما يمنح تونس هامشا حقيقيا للمناورة إن أحسنت توظيفه.
وتبقى الرسالة الأعمق التي يحملها هذا الأداء أن الحضور التونسي في خارطة الاستثمار العالمي، وإن كان متواضع الحجم مقارنة بالعمالقة الإقليميين، يزداد رسوخا في لحظة يعيد فيها العالم بأسره صياغة قواعد اللعبة الاستثمارية من جديد. ويظل التحدي الحقيقي أمام تونس هو تحويل هذا الزخم الظرفي إلى مسار مؤسسي مستدام، بحيث لا يبقى نمو 2025 استثناء عابرا في سجل طويل من التقلبات، بل نقطة انطلاق نحو موقع أكثر ثباتا داخل خارطة الاستثمار العالمي الجديدة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية