آخر الأخبار

أوكرانيا: أعمال تخريب وإغلاق للأجواء وترحيل للأطفال… حرب موسكو تتخذ أبعادا جديدة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يؤكد الأسبوع الأوكراني حدوث تحول كبير، إذ لم تعد الحرب التي أطلقتها روسيا مقتصرة على الجبهة، بل امتدت تداعياتها إلى أوروبا وطالت الطيران المدني، فيما تتواصل داخل الأراضي الأوكرانية المحتلة عبر سياسة قائمة على القمع والترويس القسري وتنظيم انتخابات صورية.

في الأول من سبتمبر، أكدت ألمانيا رسميا تورط روسيا في تنظيم الهجوم التخريبي الذي استهدف مطار لايبزيغ. وفي اليوم نفسه، حذر فولوديمير زيلينسكي شركات الطيران والتأمين من أن المجال الجوي الروسي لم يعد آمنا. وفي الأمم المتحدة، سلطت أوكرانيا الضوء مجددا على الأوضاع في الأراضي المحتلة مؤقتا، حيث تتهم موسكو بفرض مناخ من الخوف ومحاولة طمس الهوية الأوكرانية.

ثلاثة ملفات تعكس واقعا واحدا: روسيا تخوض حربا شاملة ضد أوكرانيا، بالتوازي مع تصعيد عدوانها الهجين ضد أوروبا.

لايبزيغ: ألمانيا تتهم موسكو

في الأول من سبتمبر، أكدت برلين علنا مسؤولية روسيا عن تنظيم الهجوم التخريبي الذي استهدف مطار لايبزيغ. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول، إذ يضع ألمانيا رسميا ضمن الأهداف المباشرة للحرب الهجينة الروسية في أوروبا.

ولا يتعلق الأمر بحادث أمني معزول، بل يندرج ضمن سلسلة أوسع من أعمال التخريب وانتهاكات المجالات الجوية والهجمات السيبرانية وحملات التضليل والعمليات السرية التي تستهدف دولا أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وترى كييف أن هذه التحركات تمثل جزءا معلنا من الاستراتيجية الروسية الهادفة إلى إضعاف الدول الأوروبية وتقسيم مجتمعاتها وتقويض الثقة بين الحلفاء والحد من الدعم المقدم إلى أوكرانيا. ويراهن الكرملين على أن تحقق مشاعر الخوف والشك والإرهاق السياسي ما عجز جيشه عن فرضه في ساحة المعركة، وهو عزل أوكرانيا.

الحرب الهجينة الروسية تستهدف وحدة أوروبا

تسعى روسيا إلى استهداف نقاط الضعف في الأنظمة الديمقراطية، ومن بينها البنية التحتية المدنية ووسائل النقل والإعلام والطاقة والحدود والرأي العام.

ومن خلال تجنيد مواطنين أجانب لتنفيذ أعمال تخريب، تحاول موسكو أيضا طمس الأدلة وإثارة انعدام الثقة بين الشعوب الأوروبية. ويُراد لكل حادث أن يغذي الشكوك ويبطئ عملية اتخاذ القرارات ويجعل دعم أوكرانيا أكثر كلفة من الناحية السياسية.

وفي مواجهة هذه الحسابات، يظل التنسيق الرد الأكثر فاعلية. وقد نسق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعهم في إيرلندا، مواقفهم عقب الإعلان الألماني. وترى كييف أن أوروبا موحدة تمثل أفضل خط دفاع في مواجهة العدوان الروسي، من خلال تشديد العقوبات وتعزيز العزلة الدبلوماسية لموسكو وتشديد الرقابة على الشبكات الروسية ومواصلة الدعم العسكري لأوكرانيا.

بون وبرلين: تقليص القدرات الروسية في ألمانيا

يندرج إغلاق القنصلية العامة الروسية في بون و«البيت الروسي» في برلين ضمن المنطق نفسه.

ولا تمثل هاتان المؤسستان مجرد رمزين دبلوماسيين أو ثقافيين. فبحسب السلطات الألمانية والأوكرانية، يمكن أن تؤديا أيضا دور قنوات للتأثير والمراقبة وإقامة الاتصالات، بل وحتى دعم أنشطة معادية. ولذلك، فإن الحد من نشاطهما من شأنه تقليص قدرة موسكو على تنفيذ عمليات تجسس وتخريب في ألمانيا وفي الاتحاد الأوروبي عموما.

وفي الوقت نفسه، تدعو كييف إلى اعتماد سياسة أكثر صرامة على الحدود، تقوم على منع المشاركين في العدوان على أوكرانيا من الدخول، والحد قدر الإمكان من منح التأشيرات للمواطنين الروس عند وجود مخاطر أمنية. ورغم حساسية النقاش، فإن الرهان واضح: مواجهة الحرب الهجينة تمر أيضا عبر مراقبة منافذ الدخول والشبكات والواجهات المستخدمة للتغطية.

المجال الجوي الروسي يتحول إلى منطقة خطرة

تتمثل الجبهة الثالثة هذا الأسبوع في المجال الجوي. ويوضح الرئيس الأوكراني نقطة مهمة، وهي أن تحذيره الصادر في الأول من سبتمبر لا يعني أن الطيران المدني مستهدف، إذ تؤكد كييف، على العكس، أنها لا تستهدف الطائرات التجارية. وإنما يتعلق التحذير بالمخاطر التي تفرضها الحرب نفسها على هذه الطائرات.

وتمارس أوكرانيا حقها في الدفاع عن النفس، وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال تطوير قدراتها الذاتية على تنفيذ ضربات في العمق، تكتيكية واستراتيجية، داخل الأراضي الروسية، باستخدام وسائل مصنعة محليا. ووفقا لكييف، ستزداد وتيرة هذه العمليات، فيما تظل الأهداف الأوكرانية مقتصرة على المنشآت العسكرية والنفطية والغازية واللوجستية التي تمكّن موسكو من مواصلة حربها.

وفي مجال جوي تعبره الطائرات المسيّرة وتحميه أنظمة دفاع جوي نشطة ويخضع لتحذيرات متكررة، لا يرتبط الخطر فقط بوجود نية لاستهداف طائرة مدنية. فقد ينتج أيضا عن خطأ في تحديد الهوية أو سقوط حطام أو إطلاق صاروخ مضاد للطائرات أو عمليات تشويش أو إغلاق مفاجئ لأحد المطارات أو تنفيذ عملية اعتراض داخل بيئة جوية شديدة الازدحام.

ولهذا السبب، تعتزم أوكرانيا إحالة المعلومات المتعلقة بالأوضاع في المجال الجوي الروسي والمخاطر المرتبطة بها إلى المنظمات الدولية.

ويحمل هذا الإعلان دلالة سياسية قوية: فقد جعلت موسكو الأجواء الأوكرانية خطرة بسبب غزوها، فيما تكتشف روسيا الآن أن الحرب قد تجعل مجالها الجوي بدوره أقل أمنا وأكثر كلفة وأصعب من حيث التأمين.

كييف تعلن استعدادها لوقف إطلاق النار

لا تعني استراتيجية الضغط هذه أن أوكرانيا ترفض المسار الدبلوماسي. وتؤكد كييف استعدادها لوقف متبادل لإطلاق النار وبدء مفاوضات، مشيرة إلى أنها عرضت هذا الخيار على روسيا في مناسبات عدة.

وتتهم كييف الكرملين بتعطيل هذا المسار وتجاهل المقترحات الأوكرانية ومبادرات السلام المدعومة من الولايات المتحدة، مع تفضيله مواصلة الضغط العسكري ومطالبته أوكرانيا بقبول النتائج التي أفرزها العدوان. وبالنسبة إلى كييف، لا يمكن بناء سلام دائم على مكافأة الاحتلال.

أوكرانيا تحذر في الأمم المتحدة من أوضاع الأراضي المحتلة

عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الأول من سبتمبر، نقاشا خصص للأوضاع في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتا، وهو ملف مدرج سنويا على جدول أعمالها منذ عام 2019.

وترى كييف أن هذه الاستمرارية الدبلوماسية ضرورية، حتى لا يتحول الاحتلال الروسي إلى وضع طبيعي أو يتراجع الاهتمام به أمام النقاشات العسكرية ومفاوضات السلام.

وبحسب الرواية الأوكرانية، فرضت روسيا في الأراضي المحتلة نظاما قاسيا يشمل عمليات اختطاف وحرمانا غير قانوني من الحرية والممتلكات وإعدامات خارج نطاق القضاء، فضلا عن التجنيد القسري لمواطنين أوكرانيين في الجيش الروسي والمراقبة المستمرة وقمع كل تعبير عن الهوية الأوكرانية. ولا يقتصر الاحتلال على الجانب العسكري، بل يستهدف أيضا تغيير المجتمع.

الترويس القسري والأطفال الأوكرانيون

يعد ملف الأطفال من أخطر جوانب القضية. ووفقا للمعطيات التي قدمتها كييف، يعيش نحو 1.6 مليون طفل أوكراني في الأراضي المحتلة مؤقتا، بينما اختُطف أكثر من 20 ألف طفل أوكراني ونُقلوا إلى روسيا أو إلى مناطق واقعة تحت الاحتلال.

وتتهم أوكرانيا سلطات الاحتلال بالسعي إلى تغيير هوية هؤلاء الأطفال بالقوة، عبر الدعاية الرسمية والتعليم الخاضع للرقابة والعزل الإعلامي والعسكرة والتلقين الفكري.

وترى كييف أن هذه السياسة ليست نتيجة جانبية للحرب، بل تندرج ضمن مسعى إلى تدمير الهوية الوطنية الأوكرانية وتحويل هؤلاء الأطفال إلى مورد بشري مستقبلي للتعبئة في الجيش الروسي. وتعتبر أوكرانيا أن اختطاف الأطفال وتغيير هويتهم قسرا يشكلان عنصرين من عناصر ما تصفه بـ«نية الإبادة الجماعية» لدى الكرملين.

انتخابات صورية للتغطية على الاحتلال

تعتزم موسكو، خلال سبتمبر، تنظيم جولة جديدة من الانتخابات الصورية لمجلس الدوما الروسي، كما تخطط لإجراء عمليات «تصويت» مماثلة في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتا.

وترى كييف أن هذه العمليات تفتقر إلى أي قيمة ديمقراطية، وأنها تهدف إلى إضفاء مظهر من الشرعية على الاحتلال والضم غير القانوني للأراضي الأوكرانية.

وتدعو أوكرانيا المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات، معتبرة أن إجراء التصويت في ظل الاحتلال والسيطرة العسكرية ومناخ القمع لا يمنح أي شرعية، بل يفقد العملية برمتها سلامتها السياسية والقانونية.

استراتيجية روسية واحدة

تتقاطع الملفات الثلاثة المطروحة هذا الأسبوع عند منطق واحد، يقوم على نشر الخوف وإثارة الارتباك وتقويض روابط الثقة وتحويل الاحتلال إلى أمر واقع.

وفي مواجهة ذلك، تراهن أوكرانيا على ثلاثة مسارات: المقاومة العسكرية والضغط الدبلوماسي والوحدة مع شركائها.

أوروبا وأوكرانيا: أمن مشترك

تظهر الحرب أن أمن أوكرانيا وأوروبا أصبحا مترابطين. فالهجمات الهجينة ضد ألمانيا وانتهاكات المجالات الجوية والتهديدات التي تطال الطيران المدني ليست قضايا هامشية، بل تشكل جزءا من المواجهة نفسها مع روسيا بقيادة فلاديمير بوتين.

ويشكل تنسيق العقوبات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وتعزيز التعاون الدفاعي، وتنفيذ مشاريع مضادة للصواريخ، وتشديد العزلة الدبلوماسية لموسكو، استثمارا استراتيجيا في الأمن الأوروبي.

ومن هذا المنظور، لا يعني دعم أوكرانيا إطالة أمد الحرب، بل منع روسيا من توسيع نموذجها القائم على العدوان والابتزاز والاحتلال.

الخلاصة: الحرب الروسية تتجاوز الجبهة الأوكرانية

يؤكد الأسبوع المنقضي أن الحرب التي تقودها موسكو تجاوزت خطوط الجبهة إلى حد بعيد، إذ تشمل الصواريخ والاحتلال داخل أوكرانيا، والتخريب والتضليل في أوروبا، واضطراب المجال الجوي الروسي، وفرض الترويس في الأراضي المحتلة.

ولا تطالب أوكرانيا بالتضامن فقط، بل تدعو أيضا إلى تسمية الوقائع بوضوح: حرب عدوانية ضد أوكرانيا وحرب هجينة ضد أوروبا. كما تطالب بأن يكون الرد في مستوى هذه التحديات، من خلال تشديد العقوبات وحماية البنية التحتية الأوروبية وزيادة الدعم العسكري لكييف والرفض المطلق للاعتراف بالانتخابات الصورية المنظمة تحت الاحتلال.

تسعى روسيا إلى تقسيم أوروبا بهدف إضعاف أوكرانيا، بينما لا تستطيع أوروبا حماية نفسها، بحسب الرؤية الأوكرانية، إلا بمساعدة أوكرانيا على الانتصار.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: اوكرانيا
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا