آخر الأخبار

أوبك+ تتغير.. وتونس تواجه تحديات طاقية مركبة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

انسحبت الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ ابتداء من الأول من ماي 2026، منهية بذلك عضوية دامت تسعة وخمسين عامًا منذ انضمام أبوظبي إلى المنظمة سنة 1967.

ويبدو القرار للوهلة الأولى مجرد تحرك إداري محدود الأثر، غير أنه يخفي في العمق تحولًا بنيويًا يعيد رسم قواعد اللعبة في سوق النفط العالمية، ويطرح سؤالًا محوريًا على كل اقتصاد مستورد للطاقة: هل ما زال التعاون الجماعي قادرًا على الصمود أمام منطق السيادة الوطنية المتصاعد؟

عندما يختار كل طرف طريقه الخاص

تأسست أوبك على قناعة بسيطة مفادها أن الدول المنتجة أقوى مجتمعة منها منفردة، فقبلت لعقود بتقييد إنتاجها طوعًا حفاظًا على توازن يخدم الجميع لكن التحولات الاقتصادية العميقة التي عرفتها الإمارات، من تنويع اقتصادي متسارع إلى طموحات إنتاجية متضخمة، جعلت الالتزام بالحصص عبئًا يصعب تبريره.

وأوضح وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي أن الانسحاب يمنح بلاده مرونة كاملة دون التزامات جماعية، مؤكدًا أن القرار اتُّخذ دون تشاور مسبق حتى مع الرياض. وأتى هذا التحول في توقيت بالغ الحساسية، تشهد فيه منطقة الخليج ومضيق هرمز اضطرابات جيوسياسية متلاحقة تُضعف قدرة الأسواق على استيعاب صدمة إضافية بالحجم المعتاد، وهو ما استغلته أبوظبي لتمرير قرار استراتيجي بأقل قدر من الاهتزاز الفوري.

هذا ووجدت السعودية بذلك نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد؛ فإما أن تواصل خفض إنتاجها لدعم الأسعار فتخسر حصصًا سوقية لصالح جيرانها، أو تفتح مضخاتها للدفاع عن مكانتها فتُغرق السوق وتقلّص عائداتها بنفسها. وتتصاعد حدة هذا التناقض في وقت تموّل فيه المملكة مشاريع رؤية 2030 الضخمة، التي تتطلب تدفقات نفطية وفيرة لتمويل اقتصاد ما بعد النفط ذاته. وقد رفعت ثماني دول ضمن تحالف أوبك+ إنتاجها بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا بين أفريل وديسمبر 2025، قبل أن تُجمّد الزيادات مؤقتًا بين جانفي ومارس 2026، في مؤشر على هشاشة التوازن الذي يحكم قرارات التحالف المتبقي.

واضطلعت أوبك تاريخيًا بدور الموازن الذي يمتص فوائض العرض ويسد فجوات الطلب، فيحدّ من التقلبات الحادة. وكلما تراجعت قدرة المنظمة على التنسيق، ازدادت احتمالات دخول الأسواق مرحلة أكثر تذبذبًا، تتحكم فيها المفاجآت الجيوسياسية أكثر من المعطيات الاقتصادية الأساسية. وستتحمل الدول المصدرة الهشة، ذات الموازنات المعتمدة كليًا على الريع النفطي، الوطأة الأولى لهذا الاضطراب، لكن الدول المستوردة لن تسلم بدورها من تبعات تقلب لا يقل خطورة عن الأسعار المرتفعة نفسها.

تونس في مواجهة النظام الطاقي الجديد

تعيش تونس، رغم بعدها الجغرافي عن ساحة الأحداث، انعكاسات مباشرة لكل تحول في أسواق الطاقة العالمية على موازناتها العمومية وكلفة الإنتاج وقدرتها الشرائية. وتكشف الأرقام الرسمية حجم الهشاشة البنيوية القائمة إذ تراجعت الموارد الوطنية من الطاقة الأولية من 8.3 مليون طن مكافئ نفط سنة 2010 إلى نحو 3.4 مليون طن فقط سنة 2025، في حين استقر الاستهلاك عند مستوى مرتفع بلغ 9.7 مليون طن، ما ولّد عجزًا طاقيًا يُقدَّر بنحو 6.3 مليون طن مكافئ نفط، أي معدل ترجيع طاقي يقارب 65 بالمائة حسب المعطيات المقدمة أمام البرلمان مطلع ماي 2026.

ويثقل هذا الاختلال كاهل الميزان التجاري بشكل متصاعد، إذ تضاعف عجز ميزان الطاقة أربع مرات خلال العشرية الأخيرة، ليمثل 51.1 بالمائة من إجمالي العجز التجاري التونسي مع نهاية سنة 2025.

وتفاقمت هذه الوضعية رغم الطموحات المعلنة فبعد أن استهدفت تونس بلوغ نسبة 35 بالمائة من الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بحلول 2030، لم تتجاوز حصة الطاقات النظيفة فعليًا 4.03 بالمائة من مزيج الكهرباء سنة 2025، بل تراجعت مقارنة بـ4.4 بالمائة في 2024، موزعة بين 2.52 بالمائة للطاقة الشمسية و1.5 بالمائة للرياح و0.04 بالمائة فقط للطاقة الكهرومائية. ويعزى هذا التباطؤ أساسًا إلى بطء الإجراءات الإدارية وتعقيد منظومة التراخيص، رغم تصنيف تونس ضمن أفضل عشرين دولة عالميًا في النجاعة الطاقية، واحتلالها المرتبة 62 عالميًا والثانية إفريقيًا في مؤشر التحول الطاقي لسنتي 2025 و2026.

وتراهن السلطات على استدراك هذا التأخر عبر استراتيجية وطنية أفق 2035 تستهدف خفض الاستهلاك الجملي للطاقة بنسبة 37 بالمائة، ورفع مساهمة المتجددات إلى 50 بالمائة من إنتاج الكهرباء، وتقليص كثافة الكربون بـ62 بالمائة، إلى جانب طرح مناقصات جديدة لإنتاج 600 ميجاواط من الطاقة الشمسية و900 ميجاواط من طاقة الرياح، بما يرفع الاستطاعة المركبة الإجمالية من المتجددات إلى نحو 4800 ميجاواط بحلول 2035. وتتجاوز هذه الأهداف البعد البيئي المحض فكل ميجاواط يُنتَج محليًا يمثل استعادة فعلية لهامش من السيادة الاقتصادية، في عالم لم يعد فيه أمن الطاقة تفصيلًا تقنيًا بل رهانًا جيوسياسيًا وماليًا واجتماعيًا في آن واحد.

يصعب الجزم اليوم بأن انسحاب الإمارات يعني نهاية أوبك، فالمنظمات الكبرى نادرًا ما تندثر دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا مع تراكم الخلافات وعودة المصالح الوطنية إلى الواجهة، لكن هذا القرار يحمل دلالة أعمق: إنه يؤرخ لانحسار يقين ظل سائدًا لعقود، مفاده أن التنسيق الجماعي أجدى من الانفراد. وبقدر ما يظل النفط ثروة استراتيجية، فإنه يتحول تدريجيًا إلى مرآة لنظام دولي أكثر تفتتًا، تستعيد فيه السيادة الوطنية مكانتها كأثمن عملة تفاوضية، وهو واقع يفرض على اقتصاد كتونس أن يحوّل هشاشته الطاقية إلى محرك إصلاح لا إلى مصدر دائم للانكشاف.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: أوبك+ , تحديات طاقية مركبة , تونس
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا