هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجللم تعد أزمة الانقطاعات الكهربائية في تونس مجرد إشكال ظرفي مرتبط بفصل الصيف أو بارتفاع درجات الحرارة، بل أصبحت تطرح أسئلة أعمق حول قدرة المنظومة الوطنية للكهرباء على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
فالشركة التونسية للكهرباء والغاز (ستاغ)، التي كانت لعقود طويلة رمزاً لنجاح الدولة في تعميم الخدمات الأساسية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بالإنتاج، والشبكات، والتمويل، والتحول الطاقي.
لكن تقييم مسيرة هذه المؤسسة يقتضي أولاً العودة إلى بداياتها، لأن قصة ستاغ ليست قصة فشل متواصل، بل قصة نجاح تاريخي في مرحلة أولى، ثم صعوبات في الانتقال إلى مرحلة جديدة.
تأسست الشركة التونسية للكهرباء والغاز يوم 3 أفريل 1962، بعد سنتين من استقلال تونس، في إطار مشروع وطني لتوحيد قطاع الطاقة ووضعه تحت إشراف مؤسسة عمومية واحدة.
قبل ذلك، كان قطاع الكهرباء موزعاً بين سبع شركات خاصة كانت تتحكم في مناطق مختلفة من البلاد، حيث كان الإنتاج والتوزيع يخضعان لمنطق مجالي محدود، مرتبط أساساً بالمناطق ذات النشاط الاقتصادي الأكبر.
وكانت البنية الكهربائية في تلك الفترة تعكس واقع البلاد بعد الاستعمار: مدن كبرى تتمتع بنسبة من التنوير، مقابل مناطق داخلية وريفيّة تعاني من ضعف شديد في النفاذ إلى الكهرباء.
عند تأسيس ستاغ، لم تتجاوز نسبة التنوير الكهربائي في تونس 21%، وكانت النسبة في المناطق الريفية لا تتعدى 6% تقريباً.
في عدد كبير من المنازل، كان السكان يعتمدون على وسائل تقليدية للإنارة، مثل الفوانيس والمصابيح الزيتية، قبل أن تبدأ الدولة في تنفيذ مشروع واسع لتغيير هذا الواقع.
كانت المهمة التي أوكلت إلى ستاغ ضخمة بكل المقاييس: بناء شبكة وطنية للكهرباء وربط مناطق البلاد من الشمال إلى الجنوب، رغم محدودية الإمكانيات المالية وضعف البنية التحتية.
لكن الشركة نجحت تدريجياً في تحقيق هذا الهدف، حيث تحولت الكهرباء من خدمة محدودة إلى خدمة شبه شاملة.
فقد ارتفعت نسبة التنوير الكهربائي إلى أكثر من 99%، وأصبحت الشبكة الوطنية تغطي تقريباً كامل التراب التونسي.
كما تطورت الشركة بشكل كبير، إذ انتقلت من حوالي 183 عوناً عند انطلاقها إلى مؤسسة تضم آلاف الأعوان وتتعامل مع أكثر من 4.5 ملايين حريف.
ومن هذه الزاوية، فإن الحكم على ستاغ بأنها مؤسسة “فاشلة” بشكل مطلق يتجاهل حقيقة تاريخية أساسية: فقد نجحت في تنفيذ المهمة التي تأسست من أجلها، وهي إنارة البلاد وربط المواطنين بالشبكة الكهربائية.
غير أن نجاح المرحلة الأولى خلق تحديات جديدة.
فالشبكة التي بنيت أساساً لتلبية حاجيات مجتمع مختلف أصبحت اليوم تواجه واقعاً جديداً تماماً.
خلال العقود الماضية، توسعت المدن، وارتفع عدد السكان، وتغير نمط العيش، وارتفع الاعتماد على الأجهزة الكهربائية بشكل كبير، بينما لم تتطور كل مكونات المنظومة بنفس السرعة.
وهنا ظهر الفرق بين نجاح التوصيل وتحدي التشغيل.
اعتمدت ستاغ لسنوات طويلة على توسيع الشبكة وربط مناطق جديدة بالكهرباء، وهو خيار كان ضرورياً لتحقيق العدالة المجالية وتوفير الخدمة لكل المواطنين.
لكن التوسع لم يكن دائماً مصحوباً بنفس النسق في مجالات أخرى، خاصة:
ومع مرور السنوات، أصبحت بعض مكونات الشبكة تواجه ضغطاً متزايداً، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية عندما يرتفع الاستهلاك إلى مستويات قياسية.
خلال العقدين الأخيرين، تغير سلوك المستهلك التونسي بشكل جذري.
فبعد أن كان الاستهلاك المنزلي يعتمد أساساً على الإنارة وبعض الأجهزة الأساسية، أصبحت مكيفات الهواء عنصراً شبه دائم في آلاف المنازل والمؤسسات.
وخلال موجات الحر، يمكن أن تعمل أعداد ضخمة من المكيفات في نفس الوقت، ما يخلق ضغطاً هائلاً على الشبكة خلال ساعات الذروة.
وهذا التحول لم يكن مجرد ارتفاع عادي في الطلب، بل تغييراً عميقاً في طبيعة الاستهلاك الكهربائي.
إلى جانب مشاكل الشبكة، تواجه تونس تحدياً يتعلق بمصادر إنتاج الكهرباء.
فجزء كبير من الإنتاج يعتمد على الغاز الطبيعي، في وقت تعرف فيه البلاد تراجعاً في إنتاجها المحلي وارتفاعاً في حاجياتها الطاقية.
كما أن ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج.
وتجد ستاغ نفسها في وضعية معقدة: فهي مطالبة بتوفير خدمة مستمرة للمواطنين، في حين أن كلفة الإنتاج ترتفع، بينما تبقى الأسعار خاضعة لسياسات الدولة المتعلقة بالتسعيرة والدعم.
هذا الوضع يؤدي إلى ضغوط مالية تحد من قدرة الشركة على الاستثمار بالنسق المطلوب.
في العالم، تتجه منظومات الكهرباء نحو نموذج جديد يقوم على الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى الرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات.
أما تونس، ورغم توفر إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية، فما تزال تواجه تحدي تسريع هذا الانتقال.
فالتحول نحو الطاقات المتجددة لا يعني فقط إنتاج الكهرباء، بل يتطلب أيضاً تحديث الشبكة حتى تكون قادرة على استقبال مصادر إنتاج متعددة وموزعة.
كما هو الحال بالنسبة لعدد من المؤسسات العمومية، لم تكن ستاغ بمنأى عن إشكاليات الحوكمة والتصرف.
فأي مؤسسة بحجمها وتعقيدها يمكن أن تواجه مخاطر سوء التصرف، وضعف النجاعة، وتأخر الإصلاحات.
وعندما تتراكم هذه الإشكاليات لسنوات، فإن تأثيرها يصبح مباشراً على قدرة المؤسسة على الاستثمار والتطوير.
الإجابة تختلف حسب المعيار المعتمد.
إذا كان المعيار هو المهمة التاريخية التي تأسست من أجلها الشركة، فإن الأرقام تؤكد أنها حققت نجاحاً كبيراً: من بلد كانت فيه الكهرباء امتيازاً محدوداً إلى بلد تتجاوز فيه نسبة التنوير 99%.
أما إذا كان المعيار هو قدرتها الحالية على مواكبة التحولات الجديدة وضمان شبكة مرنة وفعالة في مواجهة ارتفاع الطلب، فإن التحديات أصبحت واضحة وتحتاج إلى إصلاحات عميقة.
الخلاصة أن ستاغ ليست قصة فشل فقط، بل هي قصة مؤسسة نجحت في إنجاز مشروع وطني ضخم، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في إعادة اختراع نفسها لمواجهة متطلبات القرن الحادي والعشرين.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: كيف ننتج مزيداً من الكهرباء؟ بل أصبح: كيف نبني منظومة طاقة عصرية، مستقرة ومستدامة قادرة على خدمة تونس المستقبل؟
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية