آخر الأخبار

الشركات التونسية للتكنولوجيا : إرادة راسخة لمواجهة المخاطر

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في مكاتب الشركات الناشئة والمؤسسات الرقمية التونسية، حيث يتسابق المطورون على إطلاق الخدمة الجديدة قبل المنافس، تبقى إدارة المخاطر غالباً آخر بند على جدول الأعمال، غير أن دراسة ميدانية حديثة تكشف أن هذا الترتيب في الأولويات قد يكون العامل الأخطر الذي يهدد استمرارية القطاع بأكمله.

هذه الخلاصة مستقاة من دراسة أكاديمية نشرتها المجلة الدولية للاقتصاد والإدارة الاستراتيجية لعمليات الأعمال واعتمدت على استبيان ميداني شمل سبعين مؤسسة تونسية ناشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، على امتداد ستة أشهر من جمع البيانات. وتقدم هذه الورقة، رغم طابعها الأكاديمي، مادة استثنائية لفهم واقع الحوكمة والمخاطر داخل واحد من أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد التونسي.

من الحادثة إلى المنظومة

لطالما تعاملت الشركات التونسية الصغيرة والمتوسطة في مجال التكنولوجيا مع المخاطر بمنطق رد الفعل، أي معالجة الحادثة بعد وقوعها بدل استباقها لكن الدراسة تضع هذا النهج على محك الأرقام، إذ تكشف أن المؤسسات المستطلعة تتموقع في المتوسط بين مرحلتين، مرحلة إدارة المخاطر المرتكزة على الحوادث المعزولة، ومرحلة التفكير الجدي في اعتماد منظومة شاملة دون بلوغها فعلياً. بعبارة أخرى، الوعي بضرورة التحول موجود، لكن الانتقال الفعلي نحو حوكمة متكاملة للمخاطر لا يزال بطيئاً.

اعتمدت الدراسة على تحليل إحصائي متعدد المتغيرات لتحديد العوامل الأكثر تأثيراً في مستوى نضج إدارة المخاطر. وأظهرت النتائج أن أربعة عناصر تفسر وحدها أكثر من 60 بالمائة من التباين في مستوى التطبيق، وهي ثقافة المؤسسة، وهيكلها التنظيمي، وتوفر الموارد البشرية والمالية، والتزام الإدارة العليا.

من بين هذه العناصر، برز التزام القيادة كأقوى محدد على الإطلاق، فحين تتبنى الإدارة العليا مقاربة استباقية وتخصص وقتاً وموازنة حقيقية لهذا الملف، ترتفع معه احتمالات نجاح المنظومة بشكل ملموس. وهذا يتقاطع مع ما لاحظه باحثون دوليون سابقون من أن غياب الدعم القيادي يفضي غالباً إلى فشل المشاريع الاستراتيجية الكبرى، بصرف النظر عن جودة الأدوات التقنية المتاحة.

أما ثقافة الانفتاح والشفافية داخل الفريق، فتأتي في المرتبة الثانية من حيث الأثر، تليها الموارد المتاحة، ثم مرونة الهيكل التنظيمي. والملاحظ أن الشركات التونسية المستطلعة أبدت هيكلاً تنظيمياً “مسطحاً” نسبياً، بمركزية محدودة في القرار، وهو نمط شائع في الشركات الناشئة لكنه يصطدم أحياناً بمتطلبات التقارير الهرمية التي تستلزمها إدارة المخاطر التقليدية.

مفارقة تراجع المعرفة الرسمية

من أكثر نتائج الدراسة إثارة للجدل أن معرفة مجالس الإدارة بمنهجيات إدارة المخاطر، وكذلك وجود لغة موحدة للتحدث عن المخاطر داخل المؤسسة، ارتبطا سلبياً بمستوى التطبيق الفعلي، وإن كان هذا الارتباط غير ذي دلالة إحصائية قوية وهي نتيجة تخالف جانباً من الأدبيات الدولية التي اعتبرت غياب اللغة المشتركة أحد أبرز العوائق. تفسير هذه المفارقة قد يكمن في أن المعرفة النظرية بمفاهيم الحوكمة لا تكفي وحدها لإحداث تحول فعلي إذا لم تترجم إلى قرار تنفيذي والتزام مالي وبشري ملحوظ.

تكتسب استنتاجات هذه الدراسة راهنية إضافية إذا ما وضعت في سياق المشهد السيبراني التونسي الحالي فقد رصدت الوكالة الوطنية للسلامة السيبرانية خلال سنة 2025 وحدها ما يقارب 558 ألف هجمة سيبرانية استهدفت مؤسسات وأفراداً في تونس، شكلت عمليات التصيد الاحتيالي نحو 30 بالمائة منها، في وقت باتت فيه الهجمات أكثر تنظيماً وأكثر ارتباطاً بدوافع مالية مباشرة. كما حذرت الوكالة مؤخراً من تصاعد التهديدات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، من انتحال الهوية إلى سرقة رموز التحقق، وهي تهديدات تستهدف تحديداً المؤسسات التي تعتمد على البنية الرقمية في نشاطها اليومي، أي بالضبط الشركات موضوع الدراسة.

في المقابل، يواصل قطاع التكنولوجيا والاتصالات التونسي نمواً لافتاً يجعل الرهان أكبر من أي وقت مضى، فحسب بيانات رسمية حديثة، يساهم القطاع بنحو 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر قرابة 120 ألف موطن شغل، فيما تجاوز رقم معاملات قطاع الاتصالات وحده حاجز المليار دينار خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، مدفوعاً بتوسع الخدمات الرقمية وانتشار تقنية الجيل الخامس. كما تموقعت تونس في المرتبة السادسة إفريقياً ضمن مؤشر تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لسنة 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، برصيد فاق المعدل العالمي. هذا الزخم الاقتصادي يجعل من هشاشة حوكمة المخاطر ثغرة استراتيجية لا مجرد نقص إداري.

نحو خارطة طريق عملية

تخلص الدراسة إلى أن نجاح إدارة المخاطر الشاملة في القطاع التونسي للتكنولوجيا لن يتحقق عبر استيراد أطر معيارية جاهزة مثل معيار “آيزو 31000” وحده، بل عبر استثمار حقيقي في ثلاثة اتجاهات متوازية. أولها ترسيخ التزام قيادي معلن ومُمَأسس، عبر إحداث لجان مخاطر داخلية وربط تقييم الأداء بمؤشرات الحوكمة، ثانيها بناء ثقافة مؤسسية منفتحة تتيح لكل موظف، مهما كان موقعه، الإبلاغ عن المخاطر دون خشية من العقاب، وثالثها تخصيص موارد بشرية ومالية تتناسب مع حجم التهديدات المتصاعدة، بدل الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.

في نهاية المطاف، تؤكد هذه الورقة البحثية أن التحول الرقمي الذي تراهن عليه تونس لن يكون مستداماً ما لم يواكبه تحول موازٍ في ثقافة المخاطر، وأن السؤال لم يعد “هل نحتاج إلى إدارة مخاطر؟” بل “هل تملك قيادات الشركات التونسية للتكنولوجيا الإرادة الفعلية لتحويل هذا الوعي إلى ممارسة يومية؟”.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا