هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
اتسم الأسبوع الأوكراني بتطورات على جبهتين تتجاوز تداعياتهما بكثير خطوط القتال المباشرة: الهجمات الجوية الروسية التي تستهدف المدن، والحرب التي تشنها موسكو على الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود.
خلال ليلة 20 أوت، تعرضت كييف لهجوم واسع النطاق بالصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية، من بينها صواريخ باليستية. وكانت الحصيلة ثقيلة، إذ قُتل ما لا يقل عن 16 مدنيًا وأصيب العشرات، كما تضررت مبانٍ سكنية ومدرسة ومنشأة طبية. ومع حلول الصباح، كان عدد من السكان لا يزالون عالقين داخل الملاجئ وتحت الأنقاض.
ولا يمثل هذا الهجوم حادثة معزولة، بل يندرج ضمن حملة أوسع من الضربات الروسية التي تستهدف المدن الأوكرانية والبنية التحتية المدنية والموانئ ومسارات تصدير الحبوب. وترى كييف أن هدف موسكو واضح: ضرب المدنيين لكسر إرادة الأوكرانيين، بالتوازي مع تهديد الأمن الغذائي للدول التي تعتمد على القمح الأوكراني، ولا سيما في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
استيقظت العاصمة الأوكرانية مرة أخرى على وقع صفارات الإنذار والانفجارات والحرائق.
ووفق السلطات الأوكرانية، استهدف الهجوم الروسي خلال ليلة 20 أوت عددًا من أحياء كييف وضواحيها. وتضررت مبانٍ سكنية، إلى جانب مدرسة ومنشأة طبية، فيما عملت فرق الإنقاذ لساعات على إجلاء المصابين وإخماد الحرائق والبحث عن أشخاص ما زالوا عالقين.
وفي تونس، نكّست سفارة أوكرانيا علمها حدادًا على ضحايا هذا القصف الواسع وقالت في رسالة نشرتها باللغتين الأوكرانية والعربية إنها تحيي ذكرى ضحايا الهجوم الروسي على كييف، الذي أسفر عن مقتل 16 شخصًا وإصابة العشرات.
وقد تكون الخطوة رمزية، لكنها تذكّر بواقع تعتبره أوكرانيا أساسيًا: فكل هجوم على كييف لا يمثل بالنسبة إليها مجرد عملية عسكرية روسية، بل اعتداءً على عائلات ومدارس ومستشفيات ومبانٍ سكنية وسكان مدنيين يعيشون تحت تهديد دائم بالصواريخ.
منذ عدة أشهر، تُعد كييف من أكثر المدن تعرضًا للضربات الروسية. وفي جويلية، ووفق بيانات الأمم المتحدة، أسفرت الهجمات في أوكرانيا عن مقتل ما لا يقل عن 437 مدنيًا وإصابة 2610 أشخاص، وهي من بين أعلى الحصائل الشهرية منذ المراحل الأولى للغزو الروسي واسع النطاق.
وتؤكد روسيا بانتظام أنها تستهدف منشآت عسكرية. غير أن الوقائع المرصودة ميدانيًا تظهر مباني مدمرة ومدارس ومستشفيات متضررة وملاجئ تعرضت للقصف ومدنيين قُتلوا أثناء ممارسة حياتهم اليومية.
وتهدف هذه الاستراتيجية، بحسب القراءة الأوكرانية، إلى إنهاك المجتمع أكثر مما تهدف إلى تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة.
وتسعى موسكو إلى تحميل المدنيين كلفة غياب نتائج حاسمة على الجبهة. فعندما لا يتمكن الجيش الروسي من فرض اختراق عسكري واضح، يكثف ضرباته على المدن ومنشآت الطاقة والنقل والموانئ والمناطق السكنية.
إنها ليست حربًا نظيفة، بل حرب استنزاف ضد السكان.
لا يقتصر التهديد الروسي على كييف.
ففي 19 أوت، تعرضت عدة مدن وبلدات أوكرانية للقصف، من بينها خيرسون وزابوريجيا وجيتومير وسلوفيانسك ومناطق أخرى قريبة وبعيدة عن الجبهة. ووفق المعطيات التي أعلنتها الجهات الأوكرانية، قُتل أكثر من 20 مدنيًا وأصيب أكثر من 60 آخرين.
وفي خيرسون، يبدو الوضع أكثر قسوة، إذ يستهدف مشغلو الطائرات المسيّرة الروسية من طراز FPV بشكل متكرر مركبات مدنية، من بينها الحافلات والسيارات الخاصة وسيارات الإسعاف ووسائل النقل المحلية.
وفي 19 أوت، تعرضت حافلتان لنقل الركاب وسيارة لهجمات في خيرسون، ما أسفر عن مقتل أربع نساء ورجل.
ولا تستهدف هذه الضربات عربات مدرعة، بل مدنيين يتنقلون داخل مدينة أنهكتها أشهر طويلة من القصف.
وتبدو الصورة قاتمة: ففي بعض المناطق القريبة من الجبهة، قد يتحول الخروج بالسيارة أو ركوب الحافلة أو الذهاب إلى السوق إلى خطر قاتل.
هذه الأعمال العنيفة ضد المدنيين لم تعد، وفق الموقف الأوكراني، مجرد أضرار جانبية للحرب، بل أصبحت إحدى أدوات الاستراتيجية الروسية.
وتستهدف روسيا المدن بهدف إنهاك الأوكرانيين وإضعاف معنوياتهم، ودفع السكان إلى النزوح، وزيادة تكاليف إعادة الإعمار، وإجبار كييف على تشتيت قدراتها في مجال الدفاع الجوي.
فكل صاروخ يطلق على مدينة يفرض خيارًا صعبًا: حماية كييف، أو الدفاع عن منشآت الطاقة، أو تأمين الموانئ، أو حماية المناطق الصناعية، أو تغطية المدن الواقعة قرب الجبهة.
وهذا تحديدًا ما تسعى إليه موسكو: إنهاك الدفاعات الأوكرانية وتحويل كل أسبوع إلى اختبار نفسي للسكان.
وتعتبر أوكرانيا أن هذه الهجمات المتعمدة على المدنيين تندرج ضمن جرائم الحرب. وتؤكد كييف عزمها على استخدام جميع الأدوات القانونية المتاحة لتحديد المسؤولين وتوثيق الضربات والسعي إلى تحقيق العدالة.
تتمثل الجبهة الكبرى الثانية لهذا الأسبوع في البحر الأسود.
وتواصل روسيا استهداف الموانئ الأوكرانية والسفن المدنية والبنية التحتية التي تتيح تصدير الحبوب. ولا تهدد هذه الضربات الاقتصاد الأوكراني فقط، بل تمس مباشرة بحرية الملاحة والتجارة الدولية والأمن الغذائي العالمي.
وقد بحث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الملف مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويكتسي الموضوع أهمية واضحة، نظرًا إلى أن مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم وتعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الإمدادات القادمة عبر البحر الأسود.
كما طُرح الملف مع تونس. فقد ناقش وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها مع نظيره التونسي محمد علي النفطي الهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية والسفن المدنية، وانعكاساتها على الأمن الغذائي.
وبالنسبة إلى تونس، فإن هذا الملف ليس بعيدًا عن مصالحها.
يمكن للهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية أن تكون لها تداعيات مباشرة على دول شمال إفريقيا.
فأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب عالميًا. وعندما تتعرض موانئها للقصف أو الشلل، تتراجع الكميات المتاحة في الأسواق الدولية، وتطول آجال التسليم، وترتفع تكاليف التأمين البحري، وقد تعود الأسعار إلى الصعود.
وخلال الفترة الممتدة بين 1 و12 أوت، لم تتجاوز صادرات الحبوب الأوكرانية 590 ألف طن، أي نحو 30% فقط من الحجم المتوقع. وإذا استمر هذا التراجع، فقد يؤثر في الأسعار العالمية.
وبالنسبة إلى دول مستوردة مثل تونس، فإن الخطر واضح: عدم الاستقرار في البحر الأسود يعني واردات أكثر كلفة، ومناقصات دولية أكثر توترًا، وضغوطًا إضافية على المالية العمومية والقدرة الشرائية.
وفي تعليق نقلته الجهة الأوكرانية، لخّص سفير أوكرانيا لدى تونس، فولوديمير خومانيتس، الرهانات بالقول:
«إن الهجمات الروسية الممنهجة على الموانئ الأوكرانية والسفن المدنية في البحر الأسود تؤثر مباشرة في مصالح تونس ودول أخرى في شمال إفريقيا. وأي اضطراب في صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر قد يؤدي إلى تقليص المعروض في الأسواق الدولية، وارتفاع أسعار الحبوب، وفرض ضغوط إضافية على الأمن الغذائي في البلدان التي تعتمد على واردات مستقرة وبأسعار ميسّرة. وتدعو أوكرانيا المجتمع الدولي إلى الرد بحزم على هذه الهجمات الممنهجة، وضمان أمن الملاحة واستمرار تصدير المنتجات الغذائية الأوكرانية دون انقطاع».
والرسالة واضحة: الحرب الروسية على أوكرانيا لا تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل قد تتحول إلى ضغط على أسعار الخبز والمواد الغذائية والأمن الغذائي لملايين العائلات.
منذ بداية الغزو، تتهم أوكرانيا روسيا باستخدام صادراتها الزراعية باستمرار كورقة ضغط.
ومن خلال استهداف صوامع الحبوب والمحطات المينائية والسفن والأرصفة والمسارات البحرية، تسعى موسكو إلى خنق أحد المصادر الحيوية للدخل الأوكراني. غير أن التداعيات تتجاوز كييف بكثير.
فعندما تتعطل صادرات الحبوب الأوكرانية، يمكن أن تتأثر إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية بارتفاع الأسعار، فيما تكون الدول الأكثر هشاشة أول من يتحمل كلفة هذه الحرب.
ولهذا، فإن استهداف الموانئ الأوكرانية لا يمثل قضية عسكرية فقط، بل يمس حرية الملاحة والتجارة الدولية والأمن الغذائي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن للمنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة والقوى التجارية الكبرى التعامل مع هذه الضربات باعتبارها مجرد حلقات في حرب محلية.
تظهر أحداث هذا الأسبوع، بحسب الرؤية الأوكرانية، منطقًا واحدًا مترابطًا.
في كييف، تستهدف روسيا المدنيين لبث الخوف واستنزاف السكان. وفي خيرسون، تستخدم طائرات FPV المسيّرة ضد مركبات عادية. وفي البحر الأسود، تستهدف الموانئ والسفن للحد من الصادرات الأوكرانية. وفي الأسواق العالمية، تخلق ضغوطًا على تجارة الحبوب. أما في الدول المستوردة، فقد تنعكس هذه التطورات بصورة غير مباشرة على الأسعار والأمن الغذائي.
وليست هذه سلسلة من الحوادث المنفصلة.
إنها، وفق كييف، استراتيجية حرب شاملة ضد أوكرانيا، تُخاض أيضًا على أعصاب المجتمعات المدنية، وفي طرق الملاحة البحرية، وعبر التوازنات الاقتصادية العالمية.
وفي مواجهة ذلك، لا تطلب أوكرانيا التعاطف فحسب، بل تطالب برد دولي يتضمن تعزيز الدفاع الجوي، وزيادة الضغط على موسكو، وتوفير حماية أكبر للملاحة في البحر الأسود، وضمان استمرار صادرات المواد الغذائية.
يذكّر الأسبوع الأوكراني بواقع قاسٍ: فروسيا، وفق الموقف الأوكراني، لا تسعى فقط إلى احتلال أراضٍ، بل إلى جعل الحياة الطبيعية مستحيلة.
في كييف، يسقط مدنيون تحت الصواريخ. وفي خيرسون، تطارد الطائرات المسيّرة مركبات عادية. وفي موانئ البحر الأسود، تتعرض البنية التحتية للحبوب للهجمات. وفي الأسواق الدولية، يزيد التهديد الذي يواجه الحبوب الأوكرانية من حالة القلق.
وبالنسبة إلى أوكرانيا، يتعلق الأمر بحرب من أجل البقاء الوطني. أما بالنسبة إلى تونس ودول مستوردة أخرى، فهو أيضًا ملف مرتبط بالأمن الغذائي.
فكل ضربة تستهدف ميناء أوكرانيًا يمكن أن تنعكس في نهاية المطاف على أسعار القمح. وكل هجوم على سفينة مدنية يهدد حرية الملاحة. وكل صاروخ يطلق على كييف يذكّر، وفق الرواية الأوكرانية، بأن المدنيين ما زالوا يدفعون ثمن الحرب.
ولذلك، ترى كييف أن الرد الدولي لا يمكن أن يقتصر على بيانات الإدانة.
فحماية أوكرانيا تعني أيضًا حماية حرية الملاحة والتجارة الغذائية العالمية واستقرار الدول التي تعتمد على إمدادات منتظمة من القمح وبأسعار مناسبة.
وتعتبر أوكرانيا أن روسيا تسعى إلى تحويل الحرب إلى أداة للخوف والضغط على المستوى العالمي، فيما تطالب كييف بتسمية هذه الاستراتيجية بوضوح، وتوثيقها والعمل على وقفها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية