هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتضطلع السوق المالية بدور محوري في أي منظومة اقتصادية حديثة، إذ تشكّل الجسر الذي يربط بين فائض السيولة لدى المدخرين وحاجة المؤسسات إلى التمويل طويل المدى.
وتتيح بورصة الأوراق المالية للمدخر فرصة توظيف أمواله في مشاريع إنتاجية بدل اكتنازها أو حصرها في الودائع البنكية التقليدية، بينما تمنح المؤسسات المدرجة قناة تمويل بديلة عن القروض البنكية المكلفة، وهو ما يخفف الضغط على القطاع المصرفي ويوزّع المخاطر على قاعدة أوسع من المستثمرين. وتُترجم هذه الوظيفة الاقتصادية الكلية للسوق المالية في تونس اليوم عبر مؤشرات أداء متصاعدة تعكس نضجاً تدريجياً لثقافة الاستثمار في الأسهم، رغم أن نسبة الادخار الموجهة نحو البورصة تبقى دون طموحات صناع القرار مقارنة بأسواق ناشئة مماثلة.
وتكتسي مسألة تعبئة الادخار الوطني أهمية استراتيجية متزايدة في السياق الراهن، حيث تواجه تونس تحديات تمويلية مركّبة تجمع بين محدودية هوامش المديونية الخارجية وضرورة تعبئة موارد داخلية لتمويل الاستثمار والتنمية. وتبرز البورصة في هذا الإطار كأداة يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة التمويلية، شريطة توسيع قاعدة الشركات المدرجة وتعميق السيولة وتحسين الشفافية المالية.
تألق لافت لمؤشرات الأداء
واصلت بورصة تونس تسجيل أداء متميز خلال النصف الأول من سنة 2026، إذ قفز مؤشر “توننداكس” بنسبة 47.69% مقارنة بارتفاع لم يتجاوز 16.31% خلال الفترة ذاتها من سنة 2025، وهو ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في وتيرة تعافي السوق وتحسّن ثقة المستثمرين. وسجّلت المؤشرات القطاعية الاثنا عشر التي تنشرها بورصة تونس أداءً إيجابياً بالإجماع عند إغلاق النصف الأول من السنة، في مؤشر على اتساع رقعة الانتعاش لتشمل مختلف مكونات السوق بدل اقتصارها على قطاعات بعينها. وتصدّر مؤشر “البنوك” هذه المؤشرات القطاعية بارتفاع بلغ 55.35%، تلاه مؤشر “الشركات المالية” بنسبة 54.12%، وهو ما يؤكد الدور المحوري الذي يواصل القطاع المالي لعبه في دفع عجلة السوق.
وترافق هذا الأداء البورصي المتصاعد مع تحسّن ملموس في المؤشرات التشغيلية للشركات المدرجة، حيث ارتفع إجمالي إيرادات الشركات التي أفصحت عن نتائجها بنسبة 4,2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتبلغ 12,7 مليار دينار مقابل 12,2 مليار دينار.
وحققت 46 شركة من أصل 71 شركة نشرت مؤشرات نشاطها، أي ما يعادل 65% منها، تحسناً في إيراداتها مقارنة بالفترة المماثلة من السنة السابقة، في مؤشر على اتساع دائرة المؤسسات المستفيدة من دينامية السوق. غير أن الإشارة تستوجب التنبيه إلى أن 20 شركة فقط، أي ما يعادل 27% من مجموع الشركات المدرجة، هي التي أفصحت حتى الآن عن مؤشراتها المالية للربع الثاني من 2026، وهو ما يستدعي التزاماً أكبر بواجب الإفصاح الدوري تعزيزاً للشفافية التي تُعد شرطاً أساسياً لجذب المدخرين.
تنوّع قطاعي يرسّخ دور البورصة
نجحت السلط المالية في تونس تدريجياً في تأطير السوق المالية وتوسيع قاعدة القطاعات الممثَّلة فيها، بما يجعل من المؤسسات المدرجة رافداً حقيقياً للنمو الاقتصادي وخلق القيمة المضافة العالية بدل اقتصار البورصة على قطاع أو قطاعين محدودين. وبرز القطاع المالي، الذي يضم 29 شركة مدرجة، كأكبر مساهم في هذه الديناميكية، إذ حقق إيرادات إجمالية بلغت 5203 ملايين دينار مقابل 4908 ملايين دينار، أي بنمو نسبته 6%. وسجّلت البنوك الاثنتا عشرة المدرجة دخلاً بنكياً تراكمياً قدره 3786 مليون دينار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 3610 ملايين دينار في الفترة ذاتها من 2025، بزيادة نسبتها 4,9%، فيما ارتفع صافي دخل شركات التأجير المالي السبع المدرجة بنسبة 5,8% ليبلغ 300 مليون دينار مقابل 284 مليون دينار، وقفزت الأقساط المصدرة لشركات التأمين السبع المدرجة إلى 1082 مليون دينار مقابل 985 مليون دينار، أي بزيادة قدرها 9,8%.
وامتد هذا الأداء الإيجابي ليشمل قطاعات الاقتصاد الحقيقي إلى جانب القطاع المالي، حيث ارتفعت إيرادات المجموعات الثلاث الكبرى في قطاع الصناعات الغذائية بنسبة 5,9% لتنتقل من 3,067 مليون دينار إلى 3,250 مليون دينار، بينما سجلت مؤسسات قطاع الخدمات الموجهة للمستهلك ارتفاعاً في رقم معاملاتها بنسبة 7,4% ليبلغ 1,003 مليون دينار مقابل 934 مليون دينار.
في المقابل، تراجع رقم معاملات وكلاء السيارات المدرجين بنسبة 5,5% ليستقر عند 702 مليون دينار مقابل 743 مليون دينار، وهو ما يعكس حساسية هذا القطاع تحديداً لعوامل ظرفية مرتبطة بالقدرة الشرائية وتراخيص التوريد، ويذكّر بأن مسار الأداء البورصي، رغم إيجابيته العامة، لا يخلو من تفاوتات قطاعية تستحق المتابعة.
أهمية اتساع نطاق مؤشر “توننداكس 20”
يكتسي أداء الشركات العشرين المكوّنة لمؤشر “توننداكس 20” دلالة خاصة بالنظر إلى وزنها في السوق، إذ حققت هذه الشركات إيرادات بلغت 8,5 مليار دينار، أي ما يعادل 67% من إجمالي إيرادات الشركات المدرجة، مسجلة بذلك تحسناً بنسبة 4,4% مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي. ويبرز هذا الوزن النسبي الكبير حاجة السوق إلى مزيد تنويع قاعدة الشركات الكبرى المدرجة، بما يقلص اعتماد المؤشر العام على عدد محدود من الفاعلين ويعزز متانة السوق أمام الصدمات القطاعية المحتملة.
آفاق تعميق الادخار المؤسسي والفردي في البورصة
تفتح هذه المعطيات مجتمعة الباب أمام تعزيز دور البورصة كوجهة استثمارية تنافس الأدوات الادخارية التقليدية، شريطة مواصلة تحسين حوكمة الشركات المدرجة والالتزام بواجبات الإفصاح الدوري، وتوسيع برامج التوعية المالية التي تستهدف صغار المدخرين.
وتستدعي هذه الديناميكية الإيجابية أيضاً تكثيف الجهود لجلب مؤسسات جديدة إلى السوق من قطاعات واعدة كالاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة، بما يرسخ صورة بورصة تونس كأداة استراتيجية لتعبئة الادخار الوطني وتوجيهه نحو الاستثمار المنتج، في ظل حاجة الاقتصاد التونسي الملحّة إلى موارد تمويل داخلية تخفف من كلفة الاقتراض الخارجي وتدعم مسار النمو المستدام.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية